كتاب الزكاة 3

كتاب الزكاة 3

الدرس في كتاب الزكاة 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شروط الزكاة وتمام الملك

ناقش الدرس شروط الزكاة وتمام الملك، مبينًا أهمية الحولية وملك النصاب. الزكاة تجب على الأغنياء الذين يملكون النصاب.

تفاصيل زكاة الدين والمال الموهوب

يتناول المقطع أحكام زكاة الدين في حالات مختلفة، مثل الدين على الغني والمال الموهوب. يشرح التفاصيل والآراء الفقهية حول هذه المسائل.

حكم زكاة الديون والمال المملوك مع الدين

يتناول المقطع تفاصيل حول زكاة الديون والمال المملوك مع وجود دين عليه، مبينًا الرأي الصحيح الذي يرى التفصيل حسب نية المالك.

تتمة الكلام عن حكم زكاة المعسر

إذا كان تأخير الزكاة لمصلحة المعسر فلا بأس، أما إذا كان لعلة أخرى فلا زكاة عليه. المعسر يعتبر ماله معدوما في الحكم.

التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل مما أشار إليها المؤلف -رحمه الله تعالى-، من هذه المسائل ما يتعلق بشروط الزكاة، وعلمنا أن من أهل العلم من ذكر من شروط الزكاة الحولية. ومر معنا أن أهل العلم اختلفوا في هذا، وعلمنا أن الصواب في ذلك هو ماذا؟ نعم، إذا كان المال ملكًا لسيده، فعلى سيده الزكاة. ومر معنا أن المكاتب، الصحيح هل في مال المكاتب زكاة أم لا؟ نعم، أحد القولين أنه ليس عليه زكاة، نعم، لا هو ولا السيد. ذكرت المسألة كذلك في الشرط الثالث ملك النصاب، وكذلك تمام الملك في مسألة الديون، فيحمل على الأمرين معًا، فلا زكاة على السيد؛ لأنه لم يقبض المال، ولا يدري هل يجتمع المال أو لا، على ما سبقت الإشارة، وسيأتي معنا -إن شاء الله- في الكلام على الديون وزكاة الديون. ولا يجب على العبد؛ لأن المال ليس له، وإنما يجمعه لسيده، فهو ليس له، والزكاة فيها علة، في أصلها فرضت، وهي ماذا؟ ما هي العلة لفرضية الزكاة؟ نعم، العلة لفرضية الزكاة هي الغنى. ولهذا قال: «تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم»، ولو نظرت في أصناف الأموال التي فيها الزكاة، تجد أن فيها معنى الغنى، تجد أن فيها معنى الغنى. ولهذا كان على الصحيح: من لم يملك النصاب، فهو فقير، وليس بغني، فلا يجب في ماله الزكاة، ولو كان يملك مالًا، لكنه ليس بغني. وإذا تأملت كذلك، وهذا من عدل الشريعة، ومن عظيم حكمتها، وانضباط أحكامها، وأنها منزلة من عند الله سبحانه وتعالى، تجد في الغالب: من ليس عنده مال يجب فيه الزكاة، المال لا يكفيه لسنة، بل بعض الأموال التي تجب فيها الزكاة كذلك، على حسب هذا رب الأسرة، أسرة كبيرة أو صغيرة، قد لا تكفيه كذلك لسنته. ولذلك إذا نقص النصاب، لم تجب الزكاة، هو في الغالب إذا عنده مال، واحتاج، من أين سيأخذ؟ من هذا المال، فإذا نقص المال، لا تجب عليه الزكاة. نعم، وستأتي مسائل -إن شاء الله- توضح وتبين هذا المعنى. ومر معنا من المسائل كذلك: أن من شروط الزكاة ملك النصاب، وأنه يعفى عن اليسير في الزيادة أو النقص، ومن يعطينا الدليل مع المثال؟ دليل مع المثال. نعم، «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، طيب، هذا فيما يتعلق بماذا؟ بالزروع، من صاب، ليش الزروع؟ فهذا الحد الأدنى، فما كان دون ذلك، ليس فيه زكاة، فإذا زاد شيئًا يسيرًا، فلا يضر، يبقى على ذلك، وإذا زاد زيادة، فكل بحسبه. وهكذا قلنا: الدليل في الفروق، في الأوقاص، في أنصبة بهيمة الأنعام. نعم، ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: «يعفى عن اليسير كالحبة والحبتين»، يعني بالنسبة للزروع، وهكذا كذلك بالنسبة لبهيمة الأنعام، على التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه. ومر معنا إشارات يسيرة فيما يتعلق بأنصبة الأموال المذكورة التي تجب فيها الزكاة، وعلمنا أن نصاب الخارج من الأرض يكون خمسة أوسق، وليس فيما دونه صدقة. فإذا كان يسقى بكلفة، كم يكون؟ وإذا بغير كلفة، كم يكون؟ نعم. مثال الذي ليس بكلفة: العيون، وكذلك الأمطار، ونحوها، فإذا كانت عيون، لكن فيها كلفة، مثلًا عين، لكن يحتاج أن يسحب من هذه العين بماطور، مثلًا، فهنا كلفة، أو غير كلفة، ننظر إلى الحقيقة. طيب، كذلك مر معنا في الأثمان، وأن الأثمان: الذهب والفضة، يلحق به مثل ماذا؟ ماذا يلحق بالذهب والفضة؟ الأوراق النقدية، نعم، وما كان بمعناها من الأمور المعاصرة الكثيرة، فكل ما كان فيه معنى الثمنية، على الصحيح يلحق بالنقدين. والأخير: عروض التجارة، وعلمنا أن فيه الخلاف، والصحيح أن فيه الزكاة، وسيأتي الكلام عليه في موضع -إن شاء الله- ويلحق بالأثمان فيه ربع العشر. طيب، الرابع أخذناه: تمام الملك، إن وقفناه، ومن كان له دين قرناه، اليوم قال أحمد: «إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها، وقد مضى عليه عشر سنين، فالزكاة على المرأة»، هذه مسألة من المسائل التي تلحق بمسائل الدين. وكما تقدم: معنى أن مسائل الدين فيها خلاف كبير كثير، وخلاصته: أن الدين ينقسم إلى قسمين: إما دين يرجى سداده على موسر مقر به، فهذا يعجل في زكاة إن استطاع، وهل يجب قبل قبضه؟ بهذا خلاف، والصحيح: لا يجب إلا بعد قبضه، وهذا مروي عن عمر وعثمان، وجماعة من الصحابة والتابعين. القسم الثاني من الديون: ديون لا يرجى سدادها، كأن يكون على معسر، لا يرجى يسره، أو على جاحد، ولا بينة، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال مشهورة. أول هذه الأقوال المروي عن علي -رضي الله عنه-: أنه يزكي عن كل سنة إذا قبضها. والقول الثاني: عن ابن عباس، وجماعة: عن سنة واحدة إذا قبضها. الثالث: أنه لا يزكي شيئًا إذا قبضه؛ لأنه لم يجب عليه شيء فيما مضى، وإنما عليه أن ينتظر حتى يحول الحول فيزكي عليه. والشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- رجح هذا في بعض المواضع، ورجح المروي عن ابن عباس، وجماعة في بعض المواضع، وأكثر قوله بعدم الزكاة؛ يعني موافقًا للقول الثالث المروي عن ابن حنفية، وجماعة. يعني أن هذا الإنسان ما عنده مال، ما دام المال ليس معه، كيف يزكي؟ وإنما الزكاة على الأغنياء، وهذا ليس عنده مال حتى يكون من الأغنياء، فلم يتحقق ملك النصاب حقيقة. ولهذا كان الشرط الرابع: تمام الملك، أو تحقق الملك، فلم يتحقق في حقه، فلذلك لا يزكي. وإذا قبضه، ولم يحل عليه الحول، قصر شرط، وهو حولان الحول، بل قد يكون يحتاج لهذا المال أول ما يقبضه ينفقه، فكيف يأمر بزكاته؟ وهو ليس منتفعًا بهذا المال، وإنما الزكاة على الأغنياء الذين ينتفعون من الأموال التي في أيديهم. وهذا القول هو أرجح هذه الأقوال، بهذا التفصيل: يعني المال الذي يرجى إذا قبضه، زكى لسنة، وهذا إذا لم يكن مانع من قبضه. وأما إذا هو الذي ماطل، أو تلكأ في أخذ ماله، فالصحيح أنه يزكي عن كل سنة، الصحيح أنه يزكي عن كل سنة. مثلًا: إنسان غني، فأراد أن يجامل غنيًا آخر، أخذ منه الدين، ويريد أن تبقى له منه بتأخر هذا المال عنده، فهذا لا تسقط عنه الزكاة؛ حتى لا تكون حيلة لإسقاط الزكاة. الآن بعض الناس أموالهم أرقام، لا تعد، فوق الملايين، وديون الكبار كحالهم كبيرة، فهذا الذي يستدين من الآخر بالملايين الدولارات، مثلًا، ثم لأنه لا يحتاج هذه الملايين، وربما يرجو خدمة من هذا الغني الآخر، يتركها عنده، هل تسقط عنه الزكاة؟ الصحيح: لا تسقط عنه الزكاة، ما دام على غني، مليء، يعني متيسر أمره، وغير متعسر، ولم يجحد المال، وهو يستطيع السداد، مثل ما طلب منه، لكنه لم يطلب لمصلحة لهذا الرجل الذي أدان هذا المال. فهنا: الصحيح لا تسقط الزكاة عن هذا الرجل، وحتى لا تكون مثل هذه التصرفات حيلة لإسقاط الزكاة. نعم، وعلى هذا يحمل القول عن علي -رضي الله عنه-، ومن روي بمثل قوله. الحالة الثانية: إذا كان على غني، لكن ما طلب السداد، فهنا على الصحيح: لا يزكي حتى يقبض، لا يزكي حتى يقبض، على القول الثاني المروي عن ابن عباس، وإذا قبض زكى عن سنة واحدة فقط. وأما القول الثالث: فهو للمعسر الذي لم يستطع السداد، أو الجاحد الذي افتقد البينة عليه، ثم وجد البينة، ونظر هؤلاء، فقبض المال، فالصحيح: أنه لا يزكي شيئًا، وإنما إذا حال على هذا المال الحول، زكى. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مواضع من كتبه. والله تعالى أعلى. نرجع الآن إلى المسائل التي ذكرها، أولها: «إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها، وقد مضى عليه عشر سنين»، يقول: «فالزكاة على المرأة». يعني: الرجل ما سدد، والمرأة ما طالبت، وتستطيع أن تطالب، فإذا هو مال في ذمة من؟ غني، في ذمة غني، ليس عنده مانع من السداد، لكن هي لم تطالب بمهرها. فبعد عشر سنين وهبت هذا المال لهذا الزوج، قالت: المهر الذي عندك هو لك، ما أريده، هبة مني لك. يقول: العشر السنين الماضية، يجب أن تزكي هذه المرأة على هذا المال؛ لأن المال ما لها. ونرجع بهذا على التفصيل الذي سبق، فنقول: إذا كان فعلها هذا لمصلحة لها، ولم يكن هناك مانع من دخول المال في ملكها، فهنا تزكي، وهو المروي عن علي، وجماعة. وإن كان هناك مانع: كأن تكون مماطلة من الزوج، أو رأت من حال الزوج ضيق، فأرادت أن تعينه بهذا المال الذي هو لها، ألا تضيق عليه في حياته، ولا يكره الحياة معها، بعض الناس يتحسس من أمور الأموال، فتستحي المرأة، فتركت لوجود سبب، فهنا نرجع إلى القول الثاني المروي عن ابن عباس، وغيره: إذا قبضت تزكي عن سنة، وإذا لم تقبض فلا تزكي. وإذا كان الأمر الثالث: أنه كان معسرًا، فلما رأته معسرًا وهبت له المال، قالت: خلاص ما أريد منك شيء، فهنا: الصحيح ليس عليها الزكاة. إذن: لهذه المسألة ثلاثة أحوال. الأول: ليس معسرًا. نعم، إذا كان معسرًا فتزكي لعام واحد. الثاني: إذا قبضته، طبعًا بهذا القيد. الثاني: نعم، نعم، إذا لم يكن هناك مانع، وتركت المال لمصلحة لها، لا نقول: حياء، إذا حياء هذا يدخل في الثاني، لكن إذا كان لمصلحة لها. بعض النساء ذكيات، تربط الزوج بمثل هذا، خلاص ما يفكر بأي زواج، فمثل هذا الحال يكون المصلحة لها، فالصحيح: مثل ما روي عن علي -رضي الله عنه- تزكي عن كل عام. الثالث: إذا وهبته لعسره، فالصحيح ليس عليها شيء. قال -رحمه الله-: «وإذا وهب رجل لرجل مالًا فحال الحول، ثم ارتجعه الواهب، فالزكاة على الذي كان عنده»، هذه المسألة الثانية. وهب رجل لرجل مالًا، فحال الحول، ثم ارتجعه الواهب، فالزكاة يقول: على الذي كان عنده؛ لأنه في هذه السنة كان مالكًا لهذا المال، كان مالكًا لهذا المال، ولم يتصرف به. فرجوعه إلى من وهبه، وطبعًا هذا على القول بأن يجوز الرجوع بالهبة، وفي هذه المسألة خلاف، والصحيح: أنه لا يجوز أن يرجع في هبته، العائد في هبته كالآكل يقئ ثم يعود في قيئه. ولهذا روي عن عدد من الصحابة والتابعين: «ليس لنا مثل السوء»، وروي مرفوعًا، يعني معناه: كيف يحرم النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، ويمضي؟ فإذا حرمه، معناه: أنه لا ينبغي أن يمضي مثل هذا. فعلى القول المرجوح: بأن الواهب يجوز له أن يرجع في هبته، فإذا ارتجع الهبة بعد حولان الحول، الآن سنة كاملة، كان هذا المال عند الموهوب له، فهو ملك لمن؟ للموهوب له، فارتجعه الرجل الواهب بعد حولان الحول، الزكاة على من؟ وقد بلغ النصاب. فهنا فيه خلاف، يقول: الزكاة على الذي كان عنده؛ لأن هذه الفترة كان ملكًا له، كان ملكًا له. وهذا الصحيح، كذلك نجعل فيه التفصيل. فإذا كان الموهوب له علم أن المال سيرجع، الهبة ليست حقيقية، وهذا يحصل بين الأب وابنه، وبين كذلك الأقارب، والزوج وزوجته، ونحو ذلك، فبعض الهبات يقبلها الإنسان مجاملة، ولا يلمسها، لماذا؟ لعلمه أنه سيرجع، سيأخذها. يقول: ليش ورط نفسي؟ يوم يرجع يأخذ ما له، ما له موجود هنا، إذن هو من أصل الأساس اعتبر المال مال موهبه، اعتبره أنه مال واهبه، فهو قبله فقط لأجل يزيل الإشكال والخلاف. وهذا يكثر بين الزوجين، وبين الأقارب، فما كان كذلك، فليس على القابض زكاة؛ لأنه لم يعتقد أنه مالك لهذا المال. وبالنسبة للواهب: بحسبه، فإن وهبه حقيقة، فليس عليه زكاة، فلا زكاة على أحد، وهذه أحد الأقوال المروية في زكاة الديون، كما روي عن عائشة -رضي الله عنها-: أنه ليس في الدين زكاة؛ يعني لا على الآخذ، ولا على المعطي. وهذه الصورة تتصور في مثل هذه الحالة؛ فإنه كلاهما ليس عنده معنى التملك لهذا المال. وإذا كان الثاني: فالزكاة عليه؛ لأنه يعلم، والموهوب له يعلم أن المال هو له، المال هو له. فالصحيح في هذه المسألة كذلك التفصيل، والله تعالى أعلم. قال -رحمه الله-: «وقال برجل باع شريكه نصيبه من داره، ولم يعطه شيئًا، فلما كان بعد سنة، قال: ليس عندي دراهم، فأقني، فأقال»، قال: «عليه أن يزكي؛ لأنه قد ملكه حولًا»، وهذا كذلك الصحيح. فيه تفصيل، فإن التملك لهذا المال، وأنه كالدين من الشريك، فإنه عليه الزكاة، وإن كان ليس كذلك، وكان نصف المال ليس يبلغ النصاب، وليس فيه الزكاة، فليس عليه الزكاة. يعني الآن: شركاء اثنان، المال باجتماعه يبلغ النصاب، وبافتراقه لا يبلغ النصاب. طيب، كانوا شركاء في بيت، في دار، كما ذكر، فباع أحد الشركاء، وبقي المال عنده، فاحتاج، فاستخدم هذا المال. الآن يقول: إذا قال: ليس عندي دراهم، فأقلني، فأقال، عليه أن يزكي؛ لأنه قد ملكه حولًا. ومعناه: أنه في فترة بقاء المال عنده حولًا، هو مالك لهذا المال. لكن الصحيح: التفصيل، إذا كان قصد التملك للمال، وأنه سيرد للرجل ماله، سواء من هذا المال، أو من غيره، فنعم يزكي؛ لأنه ملك هذا المال. وأما إذا كان ليس كذلك، مثل: هو جعله أمانة عنده، والرجل هو الذي قصر، فلم يأخذ ماله، رجل مسافر، بحث عنه، فما وجده. أي: الذي باع البيت بحث عن الشريك، فلم يجده، ثم احتاج، أخذ مال نفسه، ثم احتاج، فأخذ مال شريكه، فجاء الشريك: أين مالي؟ سمعت أنك بعت البيت. قال: أنا بحث عنك، وكنت أملك المال، ولكن احتجت، فاضطررت أن أستخدمه، وهو دين عليه، وهو دين عليه. وفي هذه الحالة: ليس عليه الزكاة. أما إذا كان ابتداء أخذ المال لنفسه، فعليه الزكاة، إذا دار على هذا المال الحول، وكان قد بلغ إيش؟ بلغ النصاب. طبعًا هذا على قول من يقول: أن المالك للمال تجب عليه الزكاة، بغض النظر أن هذا المال بعضه دين. وعلى القول الآخر: كما تقدم، معنى أن من يملك مالًا فيه دين لغيره، الصحيح: أنه ليس بغني، فإذا على المسألتين: الصحيح إذا ليس عنده مال آخر، ليس عليه الزكاة. ليس عليه الزكاة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تأخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم»، والغني كما تقدم معنى: هو من ملك النصاب، وهذا هل ملك النصاب؟ لا، ملك نصف النصاب، والنصف الآخر حتى ولو تملكه، تملكه ماذا؟ دين، تملكه دين. فالصحيح: أنه ليس عليه زكاة. قال -رحمه الله تعالى-: «والدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة»، وهي الأثمان والعروض، سمية الباطنة؛ لأنها خفية، والظاهرة؛ لأنها مرئية، مثل: بهيمة الأنعام، ما تخفى، يراها الذي يجمع الزكاة، عروض كذلك، الزروع ظاهرة، يراها الذي يجمع الزكاة، بخلاف النقدين، أي: الأثمان، كالذهب، الفضة، وما كان بمعنى الذهب، الفضة، أو عروض التجارة، أو عروض التجارة، فهي باطنة، لا يستطيع أن يطلع عليها من يرسله ولي الأمر لجمع الزكاة. يقول: «والدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة»، وهي الأثمان والعروض، وبه قال عطاء، والحسن، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، لحديث عثمان؛ يعني الذي تقدم في الأمر بسداد الديون قبل أن يأتي من يجمع الزكاة؛ لأن الذي يجمع الزكاة ليس له إلا الظاهر، ليس له إلا الظاهر. ولهذا كان السلف يأمرون بسداد الديون قبل أن يرسلوا برسلهم لجمع الزكاة. قال: «وقال الشافعي بالجديد: لا يمنع»، يعني أن هذا لا يمنع، والصحيح كما تقدم: أن الديون تخصم من الأموال، تخصم من الأموال. فبالنسبة للأموال الظاهرة: الواجب على أصحابها التعجيل بإخراج الديون، بالنسبة للأموال الظاهرة، مثلًا: إنسان صاحب مزرعة، استدان في مزرعته أشياء كثيرة، للسماد، للبذور، للحراثة، لأشياء، حتى خرجت الثمرة، ما خرجت الثمرة من خالص ماله، خرجت الثمرة من بعض ماله، ومعه ديون عليه. فلما جاءت هذه الثمرة، فعليه أن يخرج ديون الناس، يسددها، ثم يقول لمن يأتي ليجمع الزكاة: هذا الباقي من الديون، وهذا لسداد الديون. ونفس الشيء: صاحب بهيمة الأنعام، يسدد ديون الناس، ويبقي الباقي، فهذا بالنسبة للظاهر، ومثل هذا لا يخفى. وبالنسبة للباطن: مثل الأثمان، وعروض التجارة، فكذلك الصحيح: يسدد ديون الناس، والباقي تجب فيه الزكاة، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. قال -رحمه الله تعالى-: «فأما الأموال الظاهرة، ففيها روايتان»، إحداهما: يمنع، وهو قول إسحاق، والثانية: لا يمنع، وهو قول مالك، والشافعي، وروي عن أحمد أنه قال: «قد اختلف ابن عمر، وابن عباس»، فقال ابن عمر: «يخرج مستدان على ثمرته، ونفقة أهله، ويزكي ما بقي»، يعني إذا استدان لنفقة أهله. وقال الآخر: «يخرج مستدان على ثمرته، ويزكي ما بقي»، وإليه أذهب؛ يعني أن يخرج مستدان على الثمرة، لا على النفقة. قال: «لأن المصدق إذا جاء، فوجد إبلًا أو غنمًا، لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين»، ولهذا كان السلف -كما تقدم معنا- يأمرون بالسداد قبل نزول من يرسلون. قال: «فظاهر هذا: أن هذه رواية ثالثة»، أي: عن الإمام أحمد -رحمه الله-: أنه لا يمنع من الأموال الظاهرة إلا ما استدان في الإنفاق على الزرع والثمر. والصحيح: أن كل الديون، إذا كان الرجل صادقًا، مستأمنًا، تخصم من الأموال الظاهرة والباطنة، من الأموال الظاهرة والباطنة؛ لأن الشرع إنما أوجب الزكاة على الأغنياء، والأغنياء هم الذين يملكون أنصبة الزكاة في كل مال. طيب، إلى هنا، والله تعالى أعلم. طيب، نأخذ سؤال واحد فقط؛ لأن الوقت قد أخذنا منه كثير. يقول: من أعطت زوجها ذهبًا، فتوفي الزوج، وبعد مدة، بعد مدة، ولم يعطها المال، ولم تقبضه، وسامحته على هذا الذهب، فهل تزكي؟ كما تقدم: إذا كان هذا لأجل مصلحة لها، فتزكي، وإذا كان لعلة زوجها، ونحو ذلك، فلا زكاة عليها، فالمعسر المال الذي معه في حكم المعدوم، في حكم المعدوم. طيب، إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، وسلم.