الدرس في كتاب الأضحية 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الوليمة مشروعة في الإسلام وتكون سنة مؤكدة، يجب إجابة الدعوة إليها مع مراعاة تقديم الأقرب بابًا، وينبغي أن تكون الدعوة شاملة للجميع دون تخصيص الأغنياء دون الفقراء.
لا يجوز حضور وليمة أو عرس فيه منكر، ويجب تغيير المنكر إن استطاع، وإلا فلا يحضر حتى لا يكون فيه إقرار للمنكر. إذا كان حضوره يغير المنكر أو يحضر لينصح فيخفف المنكر، فيحضر ليغير المنكر أو يخففه.
يتناول أحكام العقيقة والمولود، حيث يشرح أهمية العقيقة وطريقة أدائها، ويبين الأحكام المتعلقة بالتسمية والحلق والتصدق بوزن الشعر، والتفريق بين الذكر والأنثى في العقيقة.
يتناول أحكام النبيد والخمر، ويشرح كيفية التعامل معهما في مختلف المواقف، مثل تناول الطعام مع غير المسلمين إذا كان على مائدتهم خمر أو خنزير، واستخدام العطور التي تحتوي على الكحول.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب الوليمة. قال: هي مشروعة، وتجب الإجابة إليها، ويقدم السابق ثم الأقرب بابًا، ولا يجوز حضورها إذا اجتمعت على معصية. أورد رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لما ذكره رحمه الله من أحكام الذبائح؛ لأنه ذكر الأضحية، فناسب أن يذكر ما يستحب ويشرع ذبحه، ومن ذلك الوليمة. فقوله: باب الوليمة، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الوليمة. فالباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمقصود هنا الدخول والخروج المعنوي. والوليمة والوليمة: الطعام المصنوع عند العرس. قال رحمه الله: هي مشروعة، يعني لها أصل في الشرع. وأما دليل مشروعيتها، فما أشار إليه في مجايف الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: أولم ولو بشاه. وهكذا أولم النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه، وأولم على صفية بتمر وسويق، كما أشار رحمه الله. وفي بعض الروايات: وسمن بتمر وسويق وسمن يفت ويكون معًا. وفي صحيح مسلم كذلك جاء معناه من حديث أنس، وجاء عن غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل وليمة صفية بتمر وأقط وسمن. والأقط معروف: الجبن المجفف. وفي الصحيحين أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يولم على أحد من نسائه ما أولم على زينب، أي بنت جحش رضي الله عنها، فقد أولم بشاه. أكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس. وجاء في لفظ: أنه كان خبزًا ولحمًا كثيرًا، حتى قام القوم وتركوه، يعني بارك الله في تلك الشاه وما كان معه من طعام، أي الخبز، حتى أكل القوم جميعًا وبقيا بقية. فهذه الأحاديث وغيرها كثير يدل على مشروعية الوليمة، فقد ثبت ذلك بقوله وفعله. وفيها كذلك أن هذه الوليمة كان يكون أحيانًا بلحم وأحيانًا بغير لحم. والأفضل أن يولم من تيسر له بشاه. أن يولم بشاه. وهل الوليمة واجبة؟ ذكر رحمه الله معنى الوجوب: وتجب الإجابة إليها، أي إجابة الوليمة. أما صناعتها وإقامتها، ففيه خلاف. والصحيح أنها سنة مؤكدة، وهو قول جمهور أهل العلم. ومن تيسر له أن يولم بشيء من اللحم بشاه فليولم؛ لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف. وإذا لم يتيسر فبأي شيء يدعو الناس إليه. وقد صح أن وقتها يكون بعد ليلة البناء بالمرأة، يعني صبيحة دخوله بالمرأة. وصح كذلك أنه يكون قبل. وأكثر الأدلة تدل على أنه بعد، فيجوز هذا ويجوز هذا. وأكثر الأدلة كما تقدم تدل على أنه بعد. وفي وليمة النبي صلى الله عليه وسلم بالتمر والسويق وهكذا الأقط يدل على أنه يفعل المسلم ما يتيسر له. ولا يعني ذلك البخل مع الاستطاعة، يعني إذا استطاع المسلم أن يولم ولو بشاه، فالوليمة بالشاه خير من غيره، ولو كان غيره يكون أكثر؛ لأن إصابة السنة أفضل من تعميم وتكثير الوليمة. ولا بأس أن يكون مثلًا الوليمة بشاه، وإن كان الناس كثيرًا جعل شيئًا آخر مع هذه الشاه. فقد صح ما هو دون ذلك، فمثل هذا من باب أولى. ثم قال رحمه الله: وتجب الإجابة إليها. وهنا يأتي سؤال: إذا لم يستطع الشاه، هل اللحم مقدم؟ يعني مثلًا يستطيع نشتري شيئًا من اللحم. ظاهر عموم الأدلة يدل على ذلك. وقد بواب البخاري في صحيحه بابًا فقال: باب من أولم بأقل من شاه. وهذا التعميم يدل على المعنى الذي تقدم. وقول: وتجب الإجابة إليها، ذكر أدلة كثيرة منها حديث بوريرة في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. وكذلك حديث ابن عمر وغيره من الأحاديث التي أشار إليها في الشرح، وهي أحاديث كثيرة تدل على تأكيد هذا الحكم، أي أن إجابة الدعوة واجبة. وقد جاء في بعض ألفاظ هذه الأحاديث: أنه يجيب ولو كان صائمًا. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كان صائمًا فليصلي، وإن كان مفىطرًا فليطعم. بل نص العلماء: أنه يستحب في حقه الفطر، إن كان ذلك أدعى لبقاء ما بينهما من ود ولدفع ما قد يكون من وحشة. وهذا من باب مراعاة المصالح من المفاسد. وأجره إن شاء الله في الصيام محفوظ؛ فقد جاء الشرع بما هو دون ذلك من الفطر، الإكرام الضيف ونحوه. وهكذا كذلك في ألفاظ بعض هذه الأحاديث ما يدل على أن الوليمة ينبغي أن يدعى إليها كل من ينبغي أن يدعى، الأقرب فالأقرب. ولا يجوز تخصيص الأغنياء دون الفقراء؛ لما جاء في لفظ حديث أبي هريرة: شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء. وللأسف هذه سنة جاهلية، وبقي بعض آثارها إلى اليوم عند بعض أهل الترف ومن سلك مسلك الكافرين. فإنهم يصنعون مثل هذا، ربما يكون بعض جيرانه فقراء لا يدعون، ومن كان في مرتبتهم يدعون. ونحو هذا: أن يدعو من هو في مستواه في النسب أو في الجاه أو في المرضى أنصب، ويترك من دونه. وهذا خطأ، بل ينبغي أن يسوي بين جميع من يدعوهم. فإن دعاهم لقرابة سوى بحسب القرب والبعد، وإن دعاهم لمجاورة سوى بحسب القرب والبعد ونحو هذا. لا يكون المعيار هو مثل هذه المعاني والمعايير الجاهلية. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهنا نبه بعض أهل العلم أن الوجوب يتحقق لمن عين بالدعوة، وأما من لم يعين بالدعوة فلا يجب في حقه. ومن ذلك الدعوة بكروت الأفراح العامة وبالإعلان الجماعي، فمثل هذا لا يجب، وإن كان يستحب من باب تناصر وتعاون، وكذلك تآخي المسلمين بعضهم مع بعض. وقد أفتى بهذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. وأما إذا عينت بالدعوة، فهنا تجيب، هذا هو الأصل. وهكذا كذلك ينبغي أن تكون هذه الدعوة بما جاء مثله في الشرع، فلا يجوز أن يسلك في ذلك ما خالف الشرع، سواء بالتشبه بالكفار في أساليب دعوة الناس، أو كذلك بما يكون فيه معنى الإسراف والتبذير المنهي عنه في الشرع. فتضبط هذه المباحث بما دلت عليه الأدلة الشرعية. وذكر رحمه الله من المسائل: يقدم السابق ثم الأقرب بابًا. ومعناه: أن وليمته إذا كانت لا تتسع لمن ينبغي أن يدعى أو لمن يستحب لمثله أن يدعى، فيقدم الأولى فالأولى. فمثلًا القرابة يقدم قرابة من النسب، وهكذا الأقرب فالأقرب، وإن كانوا جيرانًا فيقدم الأقرب بابًا. وقد استدل على ذلك بما أشار إليه في الشرح في حديث عائشة في البخاري. وهذا أصح ما روي في معناه، حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم: من تقدم من جيرانها إذا أرادت أن تهدي؟ فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقدم الأقرب بابًا منها. وهذا كما قال رحمه الله يشعر باعتبار القرب في الباب. قال العلماء: العلة أن الأقرب بابًا يرى المدخل والمخرج، ويستحضر ويشارك ما يكون في البيت من أفراح وأتراح، فلذلك ينبغي أن يشرك في ذلك. وهكذا ذكر حديثًا آخر، وأشار إلى أن في إسناده ضعف، وهو نص في هذه المسألة: إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابًا. فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا. فإذا سبق أحدهما فأجب الذي سبق. ولكن كما أشار: في إسناده من اختلف في تصحيح حديثه، وهو زيد، ويقال: يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، واتقاه أبو حاتم، وضعفه ابن حبان. وقال أحمد بن معين: لا بأس به. وذكر ابن عدي: أن فيه لين، لكن حديثه في الشواهد. ولأجل هذا حسنه بعض أهل العلم كالشيخ الألباني رحمه الله وجماعة قبله. فهو حديث معناه حسن، وإسناده يصلح للتحسين على الصحيح. وفي هذا المعنى قاعدة تفهم من هذه الأدلة: أنه إذا حصل التزاحم قدم الأولى، وكل شيء بحسبه. ففي النسب الأولى في النسب، يعني في القرابة. وفي المجاورة الأقرب في الجوار. وفي كذلك الصداقة والصحبة الأقرب بكثرة صداقته ومذاهب وصحبته. ثم ذكر رحمه الله من المسائل: أنه لا يجوز حضورها إذا اجتمعت على معصية. وذكر في ذلك حديث علي رضي الله عنه وأرضاه الذي رواه ابن ماجه وغيره، وإسناده صحيح. في امتناع النبي صلى الله عليه وسلم دخول بيت علي حين صنع طعامًا فدع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما رأى من تصاوير. وهذا يدل على هذا المعنى، يدل على هذا المعنى. ونحوه ما جاء في الصحيح في حديث عائشة في امتناع النبي صلى الله عليه وسلم دخوله حجرتها؛ لأجل النمرقة، أي الوسادة التي فيها تصاوير. وقد مر معنا قريبًا، وهو بالصحيح. وفي الباب أحاديث كثيرة قد أشار الشيخ الألباني رحمه الله في أحكام الزفاف إلى عدد من الأحاديث والآثار المروية في هذا الباب. وهكذا كذلك ذكر عددًا من الأحاديث والآثار صاحب منتقى الأخبار. ومن ذلك ما صح في الأثر المشار إليه أو الحديث المشار إليه حديث ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين، عن الجلوس على مائدة إذا يشرب عليها الخمر، وأن يأكل من بطح. وهو وإن كان في إسناده انقطاع كما أشار، لكن له طرق يرتقي بها معناها إلى الحسن. ولهذا حسنه الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. وهكذا كذلك جماعة من أهل العلم قبله. وكذلك صحت آثار كثيرة في هذا الباب، من ذلك ما صح عن عمر رضي الله عنه في الامتناع من دخول الكنائس من أجل التصاوير، أي وما يلحق به من معاني الشرك الذي يقع في تلك الكنائس. وهكذا كذلك جاء، وهذا رواه البيهقي بإسناد صحيح. وجاء عن أبي مسعود عقبة بن عمر: أنهم تنعوا من دخول بيت دعي فيه لطعام؛ لأجل صور كان فيها، حتى كسرت تلك الصورة فدخل رضي الله عنه وأرضاه. وهذا كذلك رواه البيهقي بإسناد صحيح. وروي عن ابن عباس: وجاء معنا عن ابن عمر أنه دعي إلى بيت، أي في طعام أو نحوه، فوجد جدارًا قد سترت، فقال: أحولت الكعبة إلى بيتكم. يعني أنهم يرون ستر الجدران من غير حاجة يعد من المنكرات؛ لأنه من التشبه بالكفار، ولأنه كذلك فيه ضياع للمال، وهو من خصائص الكعبة. وهكذا كذلك روي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى: أنه كان يقول: لا ندخل موضع وليمة فيها طبل أو معازف. رواه الحربي وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله وغيره. هذا كثير مما ذكره العلماء في هذا الباب من آثار الصحابة ومن بعدهم من التابعين. فالمقصود من هذا: لا يجوز للمسلم أن يحضر وليمة أو عرسًا فيه منكر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ومن لا يستطيع لا يحضر؛ حتى لا يكون فيه إقرار لهذا المنكر، ويعان على الإثم، ويسن سيئة، وتكثير سواد أهل هذه السنن السيئة، فلا يكثر سوادهم». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها». وهكذا كذلك يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وهنا يرد سؤال: هل هذا عام يشمل وقت حضور المدعو، أو ولو كان هذا المنكر في غير وقت حضور المدعو؟ الصحيح: أنه عام. وقد سئل شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن حضور وليمة ليس في وقت الوليمة منكر، ولكن في ليلة ذلك العرس منكر، هل يحضر؟ قال الشيخ رحمه الله: لا يحضر، خصوصًا إذا كان من أهل العلم، من كان بمعناه ممن قد يظن أنه قد علم بذلك المنكر وأقره. فلذلك ينبغي أن لا يحضر من كان يظن أن حضوره لا يعين على الخير بل على الإثم. وفي مقابل هذا: إذا كان حضور الحاضر يغير المنكر أو يحضر لينصح فيخفف المنكر، هل يحضر أو لا يحضر؟ الجواب: يحضر ليغير المنكر أو يخففه، مع حرصه بعد تخفيفه على البعد عن مكان المنكر. مثلًا إذا علم أخ في أسرة ما أن عدم حضوره سبب لزيادة المنكر في عرس أهل بيته، وعلم أنه لو حضر لخفف المنكر، ولكنه يعلم أنه لا يستطيع أن ينهيه بالمرة، فهنا يقال: خففه، حتى إذا وقع مخففًا، إن سحب من هذا الموضع، فتقليل المنكر وتخفيفه مطلوب في الشرع. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه السياسة الشرعية إلى مواضع وصور فيها معنى هذه القاعدة التي دلت عليها أدلة كثيرة من الشرع. فمراعاة المصالح من المفاسد، بالحرص على أعلى المصلحتين ودفع أشد المفسدتين، هذه مما دلت عليها الأدلة الشرعية بنصوص الكتاب والسنة، وما نص عليه علماء الأمة. ثم قال رحمه الله تعالى: فصل. والعقيقة مستحبة، وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى، يوم سابع المولود، وفيه يسمى ويحلق رأسه، ويتصدق بوزنه ذهبًا أو فضة. والفصل يجعل كظاهر معنى لفظه كالفاصل، فهو مما يلحق بالجملة بما قبله، ويختلف عنه ببعض الأحكام، فلذلك يخص بفصل خاص. فهو أي أمر العقيقة من أفراح المسلمين، فهو يلحق بما قبله، لكنه يختلف عنه في الحكم، وفي كذلك بعض التفاصيل، فلذلك ذكر في فصل خاص. والعقيقة: هي ما تذبح لشكر الله عز وجل على ما أنعم من أمر الولادة لمولود ذكر كان أو أنثى. ولها أحكام. وأشار إلى هذه الأحكام. وقوله: والعقيقة مستحبة؛ لما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أشار في الشرح في حديث سلمان الضبي رضي الله عنه عند البخاري وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «مع الغلام عقيقة، فأهرقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى». ومعنى: اذبحوا واحلقوا، يحلقوا له، ويماطوا عنه أذى، أي الدم الذي يبقى بعد ولادته. وأشار كذلك إلى حديث الحسن عن سمرة المشهور، وهو مما سمعه الحسن من سمرة، فهو لم يسمع منه إلا هذا الحديث، وقيل: حديثين، وقيل: ثلاثة. فسماع الحسن من سمرة كان في أحاديث معدودة عدها الحفاظ، واختلفوا في هذا العدد. ولكن هذا الحديث لم يختلف فيه، فهو مما اتفق الحفاظ على سماع الحسن من سمرة إياه. وفيه: «كل غلام وفي رواية مولود مرهون وفي رواية رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه». فهذه مجموعة من الأحكام مما يستحب عند ولادة المولود: يعق عنه، وكذلك يسمى، ويحلق. أما العقيقة فتكون يوم السابع، وكذلك الحلق. وظاهر الحديث كذلك التسمية، لكن صح أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى قبل يوم السابع، كما فعل في تسمية ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فيجوز أن يسمي المسلم قبل يوم السابع، ويجوز أن يؤخر التسمية إلى يوم السابع، والأمر في هذا واسع. وأشار كذلك إلى الحديث الآخر حديث عمر من الشعيب عن نبيه عن جده، حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، فقال: «لا أحب العقوق»، فكأنه كره الاسم، ثم ذكر الأحكام المتقدمة: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة». وبعض ألفاظ هذا الحديث تكلم فيها بعض أهل العلم، لكن معناه بالجملة صحيح. وأما كراهية العقوق، فعلى القول بصحة هذا اللفظ يكون معناه: ما كان عليه أهل الجاهلية من العقيقة بوصف من أوصاف أهل الجاهلية يخالف سنة أهل الإسلام. فقد كانت لهم كيفيات فيها تخالف سنة أهل الإسلام. وأما تسميتها عقيقة، فقد صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها الحديث المتقدمة. وبعضها في الصحيح: «مع الغلام عقيقة». جمعًا بين الأدلة، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، يكون معناه الذي أنكر هو المعنى الفاسد الذي كان عليه أهل الجاهلية؛ إذ كانوا يؤخرون غسل المولود عن أذاه إلى اليوم السابع، يتركونه بدمه إلى يوم السابع، ثم يغسلونه ويذبحون ويحلقون. فهذا مما لا يقر، بل يغسل إذا كان لا يضره ذلك في أول أمره، ولا يبقى عليه الدم وغير ذلك من العوائد السيئة المخالفة للشرع. وقوله رحمه الله: يجزئ فيها إلى آخره، يعني أن الشرع فرق بين ما يكون للذكر فيذبح شاتين متكافئتين. ومعنى متكافئتين: يعني يحرص قدر المستطاع على تساوي الصفات. وهذا هو المراد بالتكافؤ، فالتماثل قد يكون غير ممكن، من الصعب أو قد يكون من المستحيل إيجاد التماثل، لكن التكافئ يعني أقرب ما يكون في التشابه. فإذا ذبح تيسًا فينبغي أن يكون اثنان، أو أنت شاه فاثنتان، أسود الاثنين أسود، أبيض الاثنين أبيض، كذلك السن يكون متقارب، وهكذا يحرص على التساوي قدر المستطاع عملًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهل يجوز التفريق بين الشاتين؟ الجواب: نعم يجوز إذا كان لهذا سبب، وإلا فالأفضل أن يجمعهما معًا. فإن احتاج إلى التفصيل والتفريق بينها، كأن يكون لا يستطيع أو لمعنى آخر، فيجوز أن يقدم أحدهما والآخر متى ما استطاع؛ للحديث المتقدم: «كل مولود مرهون بعقيقته»، أي يبقى متعلقًا به حكم عقيقته حتى يتيسر له. فشكر الله عز وجل على هذه النعمة يبقى تعجيل ذلك متى ما استطاع. وأما الجارية فشاة واحدة. وهذا التفريق امتثالًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في هذا منقصة للجارية والأنثى. ولكن لما كان نفع الغلام أكثر من نفع الأنثى في الغالب، وكما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، كان شكر الله عز وجل على الغلام ماذا يكون بشاتين متكافئتين، والجارية بشاة. وإلا ففي الشرع لا تدري من ينفعك، فرب جارية وبنت صالحة يقبل دعاؤها خير لك من عشر الذكور يكونون شؤمًا عليك ووبالًا وعذابًا في الدنيا فضلًا عن الآخرة. والعبرة بصلاح الدين. وهكذا كذلك يقال حتى في الأمور الدنيوية، فليس بلازم أن الذكر يكون أنفع لوالديه من الأنثى، قد تكون الأنثى أنفع. ونسأل الله عز وجل الصلاح لجميع أبنائنا وبناتنا، وأبناء وبنات المسلمين. وذكر رحمه الله وقت هذه العقيقة: أنه يوم السابع، كما تقدم للأحاديث التي سبقت، وأشير إليها منها حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه وأرضاه. وذكر حكم الحلق. أما حكم الحلق فثابت، صحت به الأحاديث، ومنها الحديث الذي في صحيح البخاري حديث سلمان الضبي رضي الله عنه، وغيره من الأحاديث. وذكر التصدق بوزنه ذهبًا أو فضة. وقد رويت فيه أحاديث، لكن كما نرى فيما ذكره في الشرح أكثرها مراسيل أو شيء فيه ضعف. ولهذا اختلف العلماء في هذا الحكم لاختلافهم في صحة هذه الأحاديث المروية في هذا الباب. فبعض أهل العلم رأى أنها ترتقي إلى الحسن، فأثبت هذا الحكم، يعني بعد أن تحلق تأخذ الشعر فتزنه، وبوزنه تتصدق ذهبًا أو فضة. ومن لم يرى أن هذه الأحاديث تصح فلا يلزم ولا يستحب مثل هذا. وإن كانت الصدقة مطلقًا هي مما يستحب في كل حال. وأما أن يخص بمثل هذا الحكم، فيرون أنه لم يصح في هذا الباب هذه الأحاديث. والأمر في هذا واسع. وإن كان أكثر أهل الحديث على المحققين من أهل الحديث، والمنقول عن أكثر الأئمة تضعيف هذه الأحاديث المروية في هذا الباب؛ لأن أكثرها روي بشيء لا يصح. هذا خلاصة ما يذكر من أحكام فيما يتعلق بأحكام العقيقة وأحكام الوليمة. وبه نكتفي. نعم. الحلق فيه خلاف بين أهل العلم، بعضهم قال: هو خاص بالذكر؛ لعمومات الأدلة في نهي المرأة عن الحلق، ولأمرها في النسك في الحج العمرة أن تقطع من طرف شعرها قدر أنملة أو أنملتين. فقال: وكذلك الصبية في صغرها. ومعض أهل العلم قالوا: هذا إذا كبرت، وأما وهي صغيرة فالأمر يتسامح فيه. وقد جاءت ألفاظ هذه الأحاديث عامة، وليس فيها استثناء. ولهذا اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة. فالأمر في هذا واسع؛ إذ ليس في الباب شيء صحيح صريح يقتضي لزوم أحد القولين. فالأمر في هذا واسع. وإن كان كما نرى أقرب الأقرب عموم هذه الأدلة؛ إذ ليس فيها استثناء، وكذلك هو من ناحية الواقع: الشعر الصبي الذي ينزل معه في الولادة في الغالب لا يبقى له في الغالب، يخرج، يعني يتساقط. فعند أهل الخبرة يرون أن حلقه أنفع له، ذكرًا كان أو أنثى، حتى يقوى الشعر ويكتف ويزيد. وبعضهم يقول: أنه إذا حلق ربما كان بعد ذلك خشنا، لم يبق لينًا كما كان. فالأمر في هذا واسع، من أحب أن يبقيه أبقاه، ومن حلقه حلقه. يقول: كيف نفعل مع أسرنا وفي بيوتنا تصاوير مملوءة؟ الجواب: فاتقوا الله ما استطعتم، تحاول قدر المستطاع أنك تنصح. وإذا لم تستطع فلا تيأس، ولا أقل من أن تخرج الصور من حجرتك، الحجرة التي تنام فيها، تخلص من الصور التي تمنع دخول الملائكة، لعل الله عز وجل أن لا يحرمك فضله وأنت تحرص على ذلك. طيب. كانت هنا أسئلة بعض الإخوة قدمها في الدرس السابق. كان من الأسئلة سؤال عن ما جاء ذكره من فوران النبيد الذي هو بداية التخمر، هل يدخل في معنى هذا؟ يقول السائل: يعني ما يرى من بائعي شراب الشعير في الأسواق، فإنهم يرون أنه فيه شيء من الفوران، حتى أنهم ربما يجدون طعم ذلك. الجواب: إذا استيقنت من هذا المعنى فتركه، واحذره. وأمثال هؤلاء العوام الكثير منهم لا يبالي إلا من رحم الله في قضية الحذر من تغير النبيد، خصوصًا وأنهم يجلسون في الحر، فربما يكون هذا سببًا لسرعة تغير النبيد. وذكر لنا بعض مشايخنا أن اثنان من الشناقطة في مكة في الحرم رأوا نبيذًا باردًا، وكان يوم صيام، يعني صيام نفل، فأعجبهما فأخذاه إلى الحرم، وهما لا يعرفان طعم النبيد، ويسمى في بلاد الحجاز سوبي. فلما جاء وقت الفطر شرباه من هذا النبيد داخل الحرم، وبعد ما شاء الله الانتهاء منه، إذا بهما يترنحان داخل الحرم، حتى قبض عليهما، فإذا بهما ما شاء الله عليهما علامة الصلاح، وداخل الحرم. ولما فاقا قالا: كنا صائمين وأفطرنا على هذه السوبية. فانظر قد يقع بعض أهل الصلاح في شرب الخمر من قبل بعض من لا يبالي ببيعه، وهو قد خرب وانتقل من مرحلة النبيد إلى مرحلة الخمر. فالمسلم يحذر في هذا الباب، ولو صنعته في بيتك أحسن. الحمد لله أمر الشعير سهل، تستطيع تجعل نبيد الشعير في البيت، وهذا خير أفضل من هؤلاء الذين ما تأمن، خصوصًا أن بعض الناس ما عنده خبرة، قد تشربه ومتغير وأنت لا تدري. خصوصًا أنهم يخففون الذي رأيت أن بعضهم يخففه حتى يكون له طعم قوي، فيجعل النبيد في موضع ثم يخففه بشراب آخر، وهذا يزيد في الشبهة؛ لأن هذا المركز ما هو؟ وكما سبق معنا: ما أسكر كثيره فقليله حرام، قد إذا خفف يضعف الطعم الذي به تميز أن هذا النبيد قد تغير، وعند ذلك تكون قد تناولت المحذور. يقول: هل يجوز أن أكل مع والدي وإخواني، أو والدي وإخواني هم كفار وعلى مائدتهم الخمر والخنزير؟ الجواب: لا يجوز إذا كان على مائدتهم الخمر والخنزير. وأما إذا لم يكن هناك خمر وخنزير، فتأكل معهم مع نية دعوتهم لهذا الدين وتأليفهم له. وهذا سؤال عن العطور التي فيها كحول، هل تدخل في كل مسكر حرام؟ الجواب: من حيث البيع والشراء والحمل نعم، إذا ثبت أنها كحول مسكرة. وأما من جهة التخلص، إذا أهدي لك والملك والحمل لأجل التخلص منه، فهذا لا يدخل في هذا الحكم. مثلًا أهدي إليك شيء من هذه العطور التي فيها كحول، فهنا ممكن تتخلص منها بتطييب الهواء وتطييب بعض الأماكن؛ لأجل لا يذهب سرفًا. نعم مثل هذا إن شاء الله أي الثاني جائز. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.