الدرس في كتاب الزكاة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الزكاة ركن من أركان الإسلام وتطهر المال وتزكي صاحبه. تعرف الزكاة بأنها التعبُّد لله بإخراج جزء معلوم شرعًا في أموال طائفة من الناس على جهة أو صفة مخصوصة.
الزكاة حق في المال وليس في المالك وتجب على المكلف وغير المكلف. العبرة بالمال لا بالمالك، وتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون.
الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون لأنها حق في المال. بعض الآثار الضعيفة لا تثبت وجوب الزكاة في مالهم ولكن الأدلة الشرعية تؤكد ذلك.
الدرس ينتهي بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والشكر للمشاهدين على متابعتهم. يكرر الشكر للمشاهدين على اهتمامهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله في كتاب الزكاة من كتاب الإمام الشوكان، رحمه الله، "الدرر المضية في تعليقه على الدرر البهية". ونأخذ هذا الكتاب كتتمة لشرح أخينا الشيخ اللامة بن رحمن، رحمه الله رحمة واسعة. ويناسب أخذ هذا الكتاب في هذه الأيام مع قرب دخول شهر رمضان وكثرة سؤال الناس عن أحكام الزكاة والصيام. وطريقة الشرح إن شاء الله ستكون تعليقات مختصرة، وتناسب المقام مع التنبيه بما تيسر من اختيارات الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله، في آخر كتبه، وهو ما ذكره في كتابه "منهج السالكين"، فهو آخر ما شرحه رحمه الله رحمة واسعة. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: "كتاب الزكاة". قوله: "كتاب الزكاة" تقدم معنى في دروس سابقة أن كتاب "فعال" يأتي كثيرًا بمعنى "مفعول"، مثل "لباس" بمعنى "ملبوس"، و"كساء" بمعنى "مكسوب". فـ"كتاب الزكاة" أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الزكاة. ومر معنى في دروس سابقة أن العلماء قد يقسمون كتبهم إلى كتب وأبواب وفصول ومسائل، لفوائد. من يذكر لنا هذه الفوائد؟ نعم، وجه التنشيط. وجه التنشيط نعم، أنه تنشيط، فإنه يسهل العلم بهذا التقسيم، بينما لو جمعت كل المعلومات مع بعض لصعب الوصول للعلم وشق ذلك. كذلك نعم، شيء آخر. شيء آخر من عنده شيء آخر؟ فضل. نعم، نعم، هذا مكتب تقسيم تستطيع أن تصل مسائل الزكاة في مكان الزكاة، الصلاة في الصلاة، الصيام في الصيام، البيوع بالبيوع، وهكذا. كذلك تسهيلاً لحفظه وفهمه، لأنك حين تحصر كل مسائل في مكانها يسهل لك ذلك ماذا فهمها، ويسهل لك حفظها. فتعرف أن في كتاب الزكاة مثلاً خمسة أبواب أو ستة أبواب، كل باب يتعلق بمجموعة من المسائل والفصول، فهذا يسهل فهم العلم وحفظه. اختلفت المباني لابد أن تختلف ماذا؟ المعاني. لابد، ولكن قد تتقارب المعاني وإن اختلفت ماذا؟ المباني. فمن معاني الزكاة النماء والزيادة، لكن هل هو النماء؟ الجواب لا، هو نماء وزيادة لأن المبنى ماذا؟ مختلف. لأن المبنى مختلف. كذلك هو كذلك من معانيه الزيادة، ولكن فيه معنى آخر، ولذلك يأتي كذلك بمعنى التطهير، تقول: "زكى" بمعنى "طهر"، "تزكى" بمعنى ماذا؟ تطهر. ولكن هل لفظ "تزكى" مثل لفظ "تطهر"؟ الجواب لا. لماذا؟ لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. لكن مما يقرب المعنى أنه يأتي بمعنى التطهير، تطهير كما قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وتطهرهم هنا المقصود بها ماذا؟ المقصود بالتطهير هذا بماذا؟ بالزكاة. أليس كذلك؟ بالزكاة. هو يأخذ الزكاة لتطهر، إذن من معاني الزكاة ماذا؟ التطهير، التطهير الحسي والتطهير المعنوي. المعنوي ما يخرج من الشح والبخل وكل معاني السوء، والحسي بما يكون من حفظ المال في خروج هذا الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم "إنما هو ماذا؟ أو ساخ الناس سماه وسخ"، سم الزكاة وسخ لأنه يطهر به المال. وأما شرعًا واصطلاحًا، فقد اختلف العلماء في تعريف الزكاة، وعرّفوا له بتعريفات كثيرة. أقربها وأصوابها -والله أعلم- "التعبُّد لله بإخراج جزء معلوم شرعًا في أموال طائفة من الناس على جهة أو صفة مخصوصة". والزكاة رُكْنٌ من أركان الإسلام، وفَرْضٌ من فُروضه. قرن الله عز وجل الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها من أركان الإسلام. "بني الإسلام على خمسٍ" حديث بن عمر في الصحيحين: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". فهو من أعظم الواجبات، بل هو رُكْنٌ من أركان الإسلام. قال رحمه الله تعالى: "تجب في الأموال التي ستأتي إذا كان المالك مكلفًا". قال: "باب زكاة الحيوان: إنما تجب منه في النعم، وهي الإبل، والبقر، والغنم". هذا هو المتن. ثم شرع بالشرح رحمه الله، فقال: "أقول: الزكاة هي فريضة من فرائض الدين، وفرضيته معلومة بالكتاب والسنة والإجماع كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إلى ذلك". قال: "ورُكْنٌ من أركانه كما تقدم معنا، وضروري من ضرورياته". يعني شيء لا بد منه، ولهذا فرضه الله وأوجبه وجعله رُكنًا. "ولكنها لا تجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال". يعني ينبغي أن يتتبع في ذلك النص. وصدق، لا يجب إلا ما أوجبه الله. وسيأتي معنا أن بعض المسائل وقع فيها خلاف لعدم ظهور النص أو لاختلاف أرود النص في صحته وثبوته، كما سيأتي إن شاء الله. قال: "من الأموال، وبينه للناس". يعني بالأدلة. فإن ذلك هو بيان لمثل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، كما بيّن للناس قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بما شرعه الله من الصلوات الخمس التي بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس. ومعنى هذا أن الله عز وجل قد بيّن أحكام الزكاة التي أجملت أدلة وجوبها بأدلة فصلت هذا الإيجاب. كما كذلك بيّن الله عز وجل للناس أحكام الصلاة في الأدلة التي أجملت في وجوبها، فيما فصلت من أدلة أخرى بيّنت أحكام تلك الصلوات. وأشار إلى ذلك إلى ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم مما يوضّح ويبين ذلك. وكذلك الزكاة. وهذا الذي ذكره لا شك أنه صواب وصحيح، ولكن الخلاف في بعض المسائل التي سيأتي إن شاء الله الإشارة إليها في كونها هل هي بيّنت على هذا الوجه أو لم تبين، أو هل جاء فيها بيان أو لم يأتي، بحسب ماذا؟ ماذا؟ إما صحة الدليل أو فهم ذلك الدليل. ومن هنا يأتي الخلاف في الكثير من المسائل، تارة من جهة ثبوت الدلائل، وتارة من جهة فهم تلك الدلائل، فيقع الخلاف. ولا شك أن الترجيح يكون بحسب ثبوت الدليل، أو كذلك الفهم الصحيح لمدلول ذلك الدليل، كما سيأتي إن شاء الله. قال: "وقد توسع كثير من أهل العلم في إيجاب الزكاة في أموال لم يوجب الله الزكاة فيها، بل صرح النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأموال بعدم الوجوب". كقوله: "ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة". والحديث كما أشار في التعليق في الصحيحين حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو كما ذكر رحمه الله. يعني أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه ليس على المرء فيما يملكه من عبد أو فرس صدقة. لكن هذا النص الذي ورد، وهو صحيح في الصحيحين، هل هو على إطلاقه؟ الجواب لا. لماذا؟ لأننا يجب أن ننظر إلى الأدلة بعدة اعتبارات: باعتبار الدليل الخاص الذي ورد، وأن لا يعارض هذا الخاص أدلة أخرى. فإذا عارضه أدلة أخرى، فينبغي أن نجمع بين الأدلة. إذ القاعدة: "إعمال الدليلين أولى من إهمال ماذا؟ أحدهما". فمثلاً قوله في هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: "ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة". فهل كل فرس ليس فيه صدقة؟ الجواب لا. الصحيح أن في هذا تفصيل. فإن كان هذا الفرس للخدمة، كما ورد في هذا الحديث، إذ "فرسه" معناها الخاص الذي يستخدمه، فهذا ليس فيه زكاة بالإجماع، وبنص هذا الحديث. حديث أبي هريرة في الصحيحين. لكن إذا كان للتجارة، عنده خيول لكن يستخدمها للتجارة، فهل فيها زكاة أم لا؟ في هذا خلاف. قول الجمهور أن فيها ماذا؟ الزكاة. قول الجمهور أن فيها الزكاة. وخالف بذلك الظاهرية، وروي عن عطاء وجماعة من أهل العلم الخلاف في هذا. لكن الصواب -والله أعلم- هو أن فيها الزكاة. ومن هنا ينبغي أن نعلم أنه بالاستقراء علم أن الأموال الزكاوية خمسة، بما دلت عليه النصوص الشرعية. الأموال التي فيها الزكاة خمسة أقسام: الأول الذهب، الثاني الفضة، الثالث عروض التجارة، الرابع بهيمة الأنعام، الخامس الخارج من الأرض. دلت النصوص الشرعية أن أقسام الأموال التي تجب فيها الزكاة خمسة. ثم هل يلحق بهذه الخمسة مثلها؟ في هذا خلاف. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. والصحيح أن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق. فالنظائر المتشابه والمتماثل يلحق بعضها ببعض. والأحكام تدور ما عللها وجودًا وعدمًا. طيب، إذن هذا الحديث ليس على ما فهمه الشوكان رحمه الله هنا. فظاهر كلام الشوكان أنه ليس بكل عبد ولا فرس ماذا؟ زكاة. والأمر ليس كذلك. فمر معنا أن الفرس على سبيل المثال إذا كان لتجارة ففيه خلاف، والراجح أن فيه الزكاة. كذلك إذا كان للنسل والبطن، فهل فيه الزكاة أو لا؟ فيه خلاف. الجمهور قالوا: ليس فيه الزكاة. لماذا؟ لأن سببه موجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيه الزكاة. وإنما أوجب الزكاة في ماذا؟ في بهيمة الأنعام. وما بهيمة الأنعام؟ الإبل والبقر والغنم. فلو أن إنسان ربى الضباء -تعرفون الضباء؟- والغزلان، فهل فيها الزكاة؟ الجواب لا. لكنه إذا عرضها للتجارة، فيها الزكاة. فيها الزكاة. لماذا؟ لأنها عروض تجارة. فإذن الأحكام تدور ما عللها وجودًا وعدمًا. وهكذا كذلك العبيد، إذا كان له عبد جعله لخدمته، ليس فيه زكاة. كان له عبيد يجعلهم للتجارة، الصحيح إن فيهم الزكاة. جعلهم للتكاثر وليخيفوا له خدم كثير، الصحيح أن ليس فيهم الزكاة. قال: "وقد كان للصحابة رضي الله عنهم أموال وجواهر وتجارات وخضروات، ولم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بتزكية ذلك". والصحيح في هذا التفصيل. فالأموال يفصل. إن أراد بالأموال الذهب والفضة، فلا شك أن فيها الزكاة بالنص، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وإن أراد بالأموال ما ليس بذهب ولا فضة، ولكنه يقوم مقام الذهب والفضة، فالصحيح كذلك ماذا؟ يلحق بالذهب والفضة. مثل ماذا؟ اليوم؟ العملات الورقية. العملات الورقية هل هي ذهب أو فضة؟ الجواب ليست بذهب ولا فضة، لكنها بمعنى الذهب والفضة، فتلحق بالذهب والفضة. وهذا هو قول جمهور أهل العلم. والجواهر، فيها التفصيل. لم يأتي فيها النص في أن فيها الزكاة صحيح. لكن إذا كانت للتجارة، فماذا؟ ففيها الزكاة. إذا كانت للتجارة ففيها الزكاة. وهكذا التجارات، فالصحيح -كما سيأتي معنا إن شاء الله- أن عروض التجارة فيها الزكاة، وفيه خلاف. وسيأتي الكلام عليه في موضع إن شاء الله. والخضروات كذلك ليس فيها الزكاة، لأن سببها موجود، ولم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي إن شاء الله في كلام عليه في موضعه. قال: "ولم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بتزكية ذلك، ولا طلبها منهم. ولو كانت واجبة في شيء من ذلك لبيّن للناس". وهذا صحيح. لكن كما قلنا: ما لم يدل عليه دليل آخر، فإذا دل على بعضه دليل آخر، فنأخذ بما ورد به الدليل. فنحن ندور مع الدليل حيث دار. قال: "فقد أوردنا في هذا المختصر ما تجب فيه". أي مما جاء النص بوجوب الزكاة فيه. "وأشرنا إلى أشياء". وأشرنا إلى أشياء من الأموال التي لا زكاة فيها، مما قد جعله بعض أهل العلم من الأموال التي تجب فيها الزكاة. كما ستسمع ذلك. وسيأتي ماذا؟ يقصد بهذا أولها المسألة التي ستأتي. قال رحمه الله: "وأما كونها لا تجب إلا على من كان مكلفًا، فاعلم أن هذه المقالة قد ينبؤ عنها ذهن من يسمعها". فإذا راجع الإنصاف ووقف حيث وقفه الحق، علم أن هذا هو الحق. وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام، ودعائمه، وقوائمه. ولا خلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي الزكاة خامستها على غير مكلف. فإيجاب الزكاة عليه، إن كان بدليل، فما هو؟ يريد بذلك أركان الإسلام تجب على المكلف، التي هي الشهادة، والصلاة، والصوم، والحج. فكذلك الزكاة. والصحيح -كما سيأتي معنا- أن الأمر في الزكاة ليس كذلك. لأن الزكاة حظ المال بالنص، وبالإجماع. قال: "فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة". كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "أمر بالاتجار في أموال اليتامى لأن لا تأكلها الزكاة". فلم يصح في ذلك شيء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أشار الشيخ الألباني رحمه الله في "الإرواء" إلى عدد من تلك الأحاديث التي وردت ولم تصح. وسيشير هنا إلى بعضها. وقد علق المعلق بذكر ضعف هذه الأحاديث. والصحيح -كما تقدم- وهذا الذي اختاره الشيخ عبد الرحمن رحمه الله في مواضع من كتبه، أن الزكاة حق في المال، ليس في المالك. ليس في المالك. لعموم الأدلة أولاً: كقول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، فأمر بأخذ الزكاة من المال، أو من المالك؟ من المال. وفي حديث بن عباس في الصحيحين في قصة إرسال معاذ، "وأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم". فهي الزكاة تأخذ من المال. فلا فرق بين صغير وكبير، وذكر وأنثى، ومكلف وغير مكلف. فهو حظ في المال. فهو عام. ولهذا فالصحيح أن الزكاة تأخذ ولو كان المالك صبيًا أو مجنونًا. وهذا هو قول جمهور أهل العلم. فالعبرة بالمال لا بالمالك. وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة، منهم علي، وجابر، وجماعة ذكرهم في "المغني"، وأبو عبيد في "الأموال"، وابن حزم في "المحلى"، وجماعة من أهل العلم. وقد روي خلاف هذا، لكنه قول مرجوح. روي عن النخعي وشريح وابن المسيب أنه لا زكاة في مال الصبي والمجنون. وهذا قول مرجوح، خلاف قول الصحابة. بل بعضهم نقل فيه الإجماع. والعجيب أن الحنفية كذلك يقولون بهذا. غير أنهم قالوا: يجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ومن هو ليس من مكلف، إذا كان في الزروع والثمار، وصدقة الفطر. وهذا تفريق عجيب لا دليل عليه. وإلا فالأصل إذا أوجبوه في مثل هذا، فإنه يجب في غيره. وهذا هو الصحيح: أنه حظ المال، ليس له علاقة بالمالك. وهكذا خالف بعض الظاهرية، والصواب ما أشير إليه ها هنا. قال رحمه الله: "وأما ما روي عن بعض الصحابة، فلا حجة فيه". وقد عورض بمثله. كما روى البيهقي عن ابن مسعود قال: "من ولي مال اليتيم فليخص عليه من السنين، فإذا دفع إليه مال أخضره". وما فيه من الزكاة، "فإن شاء زكى وإن شاء ترك". وروي نحو ذلك عن ابن عباس. وهذا لم يصح -كما ترون في التعليق- لا عن ابن مسعود ولا عن ابن عباس. وروية آثار أخرى، وكلها ضعيفة. وقد ذكر الحافظ بن حجر في "التلخيص" هذه الآثار، وأشار إلى ضعفها. وكذلك أشار الألباني رحمه الله في "الإرواء". قال: "وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام". كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، ونحو ذلك. "فذلك ممنوع". وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح له الخطاب، وهم المكلفون. وهذا كذلك ليس بصحيح. بل الخطاب عام يشمل المكلف وغير المكلف. لأن الأمر إنما جاء في المال، وليس في الأشخاص. "خذ من أموالهم صدقة". فكل مال بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وكان لمسلم، فتجب فيه الزكاة. وبه نعرف أن للزكاة شروطًا. فمن شروط الزكاة الإسلام. فلا يؤخذ لا تؤخذ الزكاة من كافر. فالله عز وجل قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي من المسلمين. "خذ من المسلمين". والنبي عليه الصلاة والسلام لما قال لمعاذ: "وأخبرهم أن الله افترض عليهم". من أهل الإسلام كذلك. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة التي تدل على هذا. وهكذا الاستقرار، حولان الحول، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. فعلم بهذا أن للزكاة شروطًا. ووجود هذه الشروط يؤكد أنه حق في المال، وليس في المالك لهذا المال. أنه في المال، وليس في المالك لهذا المال. قال رحمه الله: "وأيضًا بقية الأركان". يعني أنه يشترط فيه التكليف. وهذا كما تقدم معنا أنه ليس بصحيح. لأن هذا من أي أوجه الاستدلال؟ ها. من يقول هذا من أي أوجه الاستدلال؟ ماذا يسمى هذا؟ من أي أوجه الاستدلال؟ هذا عند من؟ الجواب: فضل قياس الشبه. نعم، هذا من القياس، وقياس الشبه. وقياس الشبه من أضعف الأقيسة. سماه ابن القيم أنه "قياس إبليس: خلقتني من نار وخلقته من طين". وهذا ليس بالصحيح. فمثل هذا من قياس الشبه، كما أنه لا يسلم به كذلك. فالصلاة تجب قبل واضربوهم عليها لعشر. هنا الضرب لعشر وجوب. وهل الأولاد ذكورًا وإناثًا يبلغون في عشر سنين؟ الجواب لا. منهم من يبلغ قبل ذلك، ومنهم من يبلغ بعد ذلك. والغالب بعد ذلك. بدليل ماذا؟ حديث بن عمر: "جعل سن البلوغ كم؟ خمسة عشر". سن البلوغ خمسة عشر. معناه لا يمكن. وهذا كذلك أغلب يصل خمسة عشر إلا ويكونوا بالغًا. فعلم بهذا أن قوله ها هنا ليس بالصحيح كذلك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الصلاة فيما هو دون سن التكليف. نعم. فإذا كان هذا في الصلاة، فإذن هو كذلك في غير الصلاة. فعلم أن التكليف ليس بشرط. ولهذا قال بعض أهل العلم: الصيام مثل الصلاة. الصلاة يوجب يجب على ولي الأمر أن يأمر الولد بالصيام من سن عشر. يجب. لماذا؟ لأنه ركن من أركان الإسلام. إن استطاع يجب أن يلزمه بذلك من سن عشر. حتى لا يصل إلى سن البلوغ إلا وقد تعود. وسهل عليه ماذا؟ الصيام. ليس بوقت سن البلوغ يصير أول مرة يتعلم، ويثقل عليه الصيام. بل كان الصحابة يعلمون أولادهم وصبيانهم الصيام دون ذلك. فيلهونهم بالعهن إذا بكوا. كما جاء في البخاري. قال رحمه الله تعالى: قال: "وبل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف، الخطابات بها عامة". ولو كان عموم الخطاب بالزكاة مسوغًا لإجابة على غير المكلفين، لكان العموم في غيرها كذلك. وإنه باطل بالإجماع. "وما استلزم الباطل باطل". قال: "وما تمام الآية". عين قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، يدل على عدم وجوبها على الصبي. وهو قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. فإنه لا معنى لتطهير الصبي والمجنون، ولا لتزكيته. والصحيح: التطهير للأموال، والتطهير للأنفس بإخراج الشح والبخل. وهذا يصلح للجميع. قال: "وبالجملة فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة". ما يحلها إلا التراضي وطيبة النفس. وصدق رحمه الله. ولكن النص هو الذي أوجب ذلك. وفهم السلف. قال: "أورد الشرع". أو "ورود الشرع" كالزكاة، والديات، والأرش، والشفعة، ونحو ذلك. وهذا قد ورد الشرع بأن فيه الزكاة في نصوص كثيرة، وآثار كثيرة. قال: "فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله". سيما من كان قال: متكليف عنه مرفوعًا. "فعليه البرهان". وقد مر البرهان على ذلك. وسيأتي معنا إن شاء الله أشياء كثيرة في ثنايا الفصول الآتية إن شاء الله. قال رحمه الله: "والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل". وهذا إذا لم يرد الدليل يوجب. وأما وقد ورد الدليل الموجب، فلا يصلح أن يقف بعد ورود الدليل. بل التأخر عن الواجب إثم. قال: "ولم يوجب الله على ولي اليتيم المجنون أن يخرج الزكاة من ماله، ولا أمره بذلك، ولا سوغه له". بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدع لها القلوب، وترجف لها الأفئدة. وقد سبق معنا أنه مر عن السلف ما يدل على خلاف ذلك. قال: "وأما كونها لا تجب الزكاة في غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات، فلأن الذي بيّن للناس ما نزل إليهم لم يجبها عليهم في غيرها منها". وأما ما ورد في ذكر حق الله في الخيل، فالمراد به الجهاد. وهذا كما تقدم معنا: الصحيح فيه التفصيل. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. طيب نكتفي بهذا إن شاء الله، وننظر. إذا هنا أسئلة. ثم الباقي في الفصل الآتي إن شاء الله. يقول: هل هناك دليل مرفوع يفيد وجوب الزكاة في عروض التجارة؟ سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. لا نستعجل. قال: وأيضًا هل هناك دليل مرفوع يفيد كيفية إخراج زكاة عروض التجارة؟ سيأتي إن شاء الله. نحن نمشي بابًا بابًا. يقول: امرأة عندها مئة جرام من الذهب تستخدمه للزينة، وليس للتجارة. هل فيه الزكاة؟ الجواب: نعم. بلغ النصاب إذا حال عليه الحول ففيه الزكاة. لأن النصاب خمسة وثمانون جرام من الذهب. فالصحيح أنه لا فرق سواء للزينة أو لغيره، من ملك مالاً بلغ النصاب وحال عليه الحول، وجبت فيه الزكاة. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على محمد وآله. صلى الله عليه وسلم. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة.