الصحيح المسند من دلائل النبوة  126

الصحيح المسند من دلائل النبوة 126

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 126، الدرس السادس والعشرون بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا يوسف بن موسى ... فبرك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دلائل نبوة النبي وفضل جرير بن عبد الله البجلي

يتناول هذا الفصل شرح حديث جرير بن عبد الله البجلي ودلالاته على نبوءة النبي ﷺ، ويبرز فضل جرير بن عبد الله البجلي. كما يشير إلى أهمية الدعاء بالثبات.

أهمية الدعوة إلى التوحيد وتنظيم الجماعات في الإسلام

يتناول هذا الفصل أهمية الدعوة إلى التوحيد بالحجة والبرهان ثم بالسيف، ويبرز دور الصحابة في تنظيم الجماعات وتقسيم الجيش. يشير إلى مشروعية هذه التنظيمات في الإسلام.

مسائل مستفادة من سيرة النبي في محاربة الشرك

يتناول هذا الفصل مسائل مستفادة من سيرة النبي ﷺ في التعامل مع الشرك والباطل، مثل جواز القتل لأجل التوحيد وإزالة مواضع الشرك. يُظهر أهمية محاربة الشرك وحماية التوحيد.

تحريم التماثيل والقبور وحماية التوحيد

يتناول هذا الفصل تحريم بقاء القباب والقبور والتماثيل والأصنام في الإسلام حماية للتوحيد وسدا لذريعة الشرك، ويشمل التحريم ما قد يفتح باب الشرك من الرموز والمعاني.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال البخاري، رحمه الله تعالى، حدثنا يوسف بن موسى، وهو بن راشد القطان، أبو يعقوب، أحد من انفرد الإمام البخاري بالرواية له، وهو صدوق، قال: أخبرنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، ثقة ثبت، إلا أنه ربما يدلس، قال: عن إسماعيل بن أبي خالد، وهو الأحمسي، مولى من الموالي، أبو عبد الله الكوفي، وكان ثقة ثبتا حافظا، رحمه الله. وبه نعرف كيف يرفع الله عز وجل بالعلم أقوامًا ويضع به آخرين. قال: عن قيس، وهو بن أبي حازم، كذلك أحمسي، وهو أحد الثقاة المخضرمين، وأبو حازم اسمه حصين. وفيه كذلك كيف يبقى العلم في أهل بيت أو طائفة إذا اعتنى أهله به، فهذا تلميذه من أهل العلم، وشيخه كذلك أحمسي من أهل العلم، وهو جرير بن عبد الله البجلي، قال: عن جرير، وهو بن عبد الله البجلي، صحابي جليل، وهو كذلك من بجيلة من أحمس، وهم من أهل اليمن. قال: قال لي رسول الله ﷺ: "ألا تريحني من ذي الخلصة؟" قال: فقلت: بلى. قال: "فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل". فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: "اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا". قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة، فيها نصب تعبد يقال له الكعبة. قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: ولما قدم جرير اليمن، كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: "إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك". قال: فبينما هو يضرب بها، إذ وقف عليه جرير، فقال: "لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربن عنقك". قال: فكسرها وشهد. ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك. فلما أتى النبي ﷺ، قال: "يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب". قال: "فبرك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات". أخرجه مسلم مختصرا. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوة نبينا ﷺ، فإن من دلائل نبوته وصدق رسالته ﷺ أنه كان مجاب الدعوة. والشاهد هنا إلى هذا المعنى دعاء النبي ﷺ لجرير بن عبد الله البجلي، وهكذا كذلك لأحمس. فدعاء النبي ﷺ لجرير بن عبد الله البجلي، وكان لا يثبت على خيل، فثبته الله عز وجل بدعاء نبيه ﷺ. وكما مر معنا أن اجتماع مثل هذا من علامات ودلائل نبوته وصدق رسالته ﷺ، فإنها ليست دعوة ولا دعوتين ولا ثلاث، بل دعوات كثيرة يدعو بها فيجاب ﷺ، حتى صار من دلائل نبوته وصدق رسالته ﷺ. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل فيه أولا فضل جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه وأرضاه. وفيه كذلك فضل بجيلة وأحمس خاصة، فإن النبي ﷺ دعا لهم وبرك خمس مرات. وفيه من المسائل كذلك جواز تكرار الدعاء خمس مرات. وكان النبي ﷺ إذا تكلم تكلم ثلاثا، وكذلك يجوز أن يزيد على الثلاث أحيانا، ويستحسن أن يكون وترا، فإن الله وتر يحب الوتر. فإذا كررت الدعاء جاز أن تكرر الدعاء ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا. وهكذا كذلك إذا سبحت أو هللت، فيستحب أن تقف على الوتر. ومن تتبع سنة النبي ﷺ وجد ذلك ظاهرا. فنحن نسبح بعد الصلاة ثلاثا وثلاثين، وهكذا كذلك نكبر ثلاثا وثلاثين ونحمد الله كذلك. وهكذا كذلك مواضع أخرى كثيرة، ويجوز كذلك أحيانا أن يشفع فيما ورد الدليل فيه الشفع. فأنت تهلل عشرا لما صح عن النبي ﷺ، وهكذا كذلك تستغفر سبعين مرة في المجلس أو مئة مرة لما ثبت عن النبي ﷺ. وقد قال بعض أهل العلم: المراد بذلك تقريب العدد أو التكثير. ومر معنا أن ذكر السبعين يذكر ويراد به الكثرة، ولا يراد به حصر عين العدد. ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَإِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾، وليس المقصود في قول الكثير من أهل العلم حصر العدد بسبعين، ولكن المقصود: وإن تستغفر لهم استغفارا كثيرا، حتى ولو بلغ سبعين مرة، فإنه لن يغفر لهم. وهكذا كذلك على هذا حمل بعض أهل العلم ما جاء من شفع في بعض المواضع. والصحيح أننا نبقى في ذلك على ظاهر الحديث، إلا ما دلت القرينة اللفظية أو كذلك اللغوية والعرفية على إخراجه صراحة عن هذا الظاهر. وفي الحديث من المسائل كذلك أهمية الدعوة إلى التوحيد بالحجة والبرهان، وهكذا كذلك بالسيف والسنان. فكان من دعوة نبينا ﷺ أنه كان يرسل رسله للدعوة إلى التوحيد بالحجة والبرهان أولا، ثم بالسيف والسنان ثانيا، حتى تزال آثار الشرك والوثنية من الأرض. ونصر ربنا جل وعلا نبيه ﷺ وأيده بصحابته، رضي الله عنهم، فطهروا جزيرة العرب من الأوثان والأصنام حتى لم يبق منها شيء. وهكذا هذه السنة باقية إلى قيام الساعة، فلا يقولن قائل: إن الدفاع عن حياض التوحيد بالسيف والسنان يعد من الخروج أو أنه كذلك من الوحشية أو غير ذلك من العبارات التي قد يعبر بها أهل الجهل، وربما كان من بعد ذلك بعض الوثنيات التي استقرت عند بعض الناس. وعلى هذا يعلم عدم صحة من يشنع على الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، إذ أنه دعا إلى توحيد الله بالحجة والبرهان، وهكذا طهر بلاد الله بالسيف والسنان بعد الحجة والبرهان، اقتداء بسنة النبي ﷺ. فقتال أهل التوحيد لأهل الشرك بعد إصرارهم على الشرك من أعظم الجهاد في سبيل الله، من أعظم الجهاد في سبيل الله، لكنه لا يكون بفعل الأفراد، وإنما يكون تحت راية ولي الأمر المسلم، وكذلك دولة الإسلام. وبه نعرف أن من أعظم واجبات ولاة الأمور: الدعوة إلى توحيد الله، وتطهير بلاد الله من آثار الشرك والوثنية، سواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبث العلم، أو كان كذلك بالقوة، قوة السلطان. فإنه يجب أن تطهر بلاد الله من آثار الشرك والخرافة والوثنية، فإن هذا من أعظم الواجبات. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه حال الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، من أمر تنظيمهم وترتيبهم. فالتنظيم بالضوابط الشرعية مشروع، وقد كان له أصل في زمن النبي ﷺ، فيقسم الناس إلى فرسان ورجالة، ويقسم الناس إلى طوائف وجماعات، وغير ذلك مما تقتضيه المصلحة. وفيه كذلك مشروعية تقسيم الجيش، وهكذا كذلك الولايات بحسب القبائل، فإن ذلك ربما يكون أعون وأضبط، فيجعل لكل قوم عريف، وهذا العريف يكون مسؤولا عما انتحته. فأحيانا يبعث من هذه القبيلة، وأحيانا يبعث من هذه القبيلة، وينظر كل قبيلة بما تميزت. ولهذا أرسل النبي ﷺ هؤلاء خاصة، كما قال في أول الحديث: "أنهم كانوا أصحاب خيل"، يعني أنهم يملكون الخيل ويحسنون ركوبها، فلذلك أرسلهم النبي ﷺ لأن المسافة بعيدة والمهمة جسيمة، فتحتاج إلى مثل هذا المقام. وفيه كذلك من السياسة الشرعية في تدبير الأمور، وكذلك وضع ما هو مناسب لكل أمر، وهذا من الحكمة التي ينبغي أن تستفاد من سيرة نبينا ﷺ وأحواله. وفيه من المسائل كذلك أمر الصراع بين الحق والباطل، وأنه باق إلى قيام الساعة. فإذا كان مثل ذلك في زمن النبي ﷺ مع وجوده ونزول الوحي، فبعده من باب أولى أن يوجد الباطل ويكون هناك صراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وهذا من سنة الله عز وجل وابتلائه وامتحانه لخلقه، حتى يميز الحق من الباطل، فيكون في ذلك رفع درجات أهل الحق، وكذلك إقامة الحجة على أهل الباطل. والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. وفيه من المسائل كذلك جواز القتل لأجل التوحيد. فإن قتل الأنفس وإن كان محرما، والأصل فيه الحرمة، إلا أن من أصر على الشرك والكفر، فإنه يقام عليه ما شرع الله عز وجل من القتل، لأن في ذلك حماية لحمة التوحيد وردعا للواقعين في براثن الشرك. ولا يعني ذلك أن الإسلام يستهين بدماء الناس، ولكن الإسلام يعظم جناب التوحيد، فتعظيم جناب التوحيد هو الذي لأجله كان استحلال دماء المشركين والكافرين، فيدعى أهل الشرك والكفر إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا قوتلوا. وفيه كذلك التفريق بين أهل الكتاب وبين المشركين. فأهل الكتاب يخيرون بإحدى ثلاث: إما الدخول في الإسلام، وإما دفع الجزية، وإما القتال. وأما أهل الشرك فإنهم لا يخيرون إلا بإحدى اثنتين: إما الدخول في الإسلام أو القتال، لأنهم ليس لهم دين. واستدل العلماء بهذا كذلك على إمهال من له شبهة. فبعض من ينتسب إلى الإسلام قد تكون عنده شبهة، خصوصا الأتباع، فلا يتعجل معهم لأجل ما عندهم من شبهة، فيمهلون بما تكون به قامة الحجة عليهم، حتى إذا ظهر أن الحجة قد قامت، فإنه عند ذلك من أصر على الشرك ورضي بالقتل لأجله لم يكن مظلوما، إذ قتل لأجل إزالة ما هو عليه من الشرك. وعلى هذا كان منهج أهل العلم من أئمة الهدى ومصابيح الدجا مع أهل الباطل، يستتابون ثلاثا، كل أهل البدع والأهواء والباطل والخرافة، ومنهم من عندهم لوثة شركية، يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، حماية لحمة التوحيد وسدا لذرائع الشرك والخرافة والبدع والضلالات. وفيه كذلك من المسائل وجوب إزالة مواضع الشرك وآثارها. فإن النبي ﷺ لم يكتف بدخول الناس في الإسلام في بلاد الله وأرض الله، ولكن أزال آثار الشرك. لما فتح الله عز وجل عليه مكة، كسر بيده الشريفة ﷺ الأصنام التي كانت حول الكعبة، وكانت ثلاثمائة وستين صنما ووثنا. وهكذا كذلك أمر في سائر البلاد التي فتحها الله عز وجل على يده. فلا يقولن قائل: يكفي أننا بلاد إسلام، الحمد لله، المآذن تؤذن، والناس يشهدون أن لا إله إلا الله أن محمدا رسول الله، ويصلون ويصومون ويحجون ويزكون، وشعائر الإسلام ظاهرة. يقول: وإن كان ذلك، فلا يجوز أن تبقى آثار المشركين، حتى ولو كان كما يقول بعض الناس: هو من باب بقاء الشيء الأثري، ليس المقصود هو العبادة، ولكن المقصود هو أن تبقى شيئا من الآثار التي ربما تكون له مصالح تجارية واقتصادية وسياحية وغير ذلك. هذا كله لا يساوي شيئا مع هذا الأصل الأصيل في ديننا من محاربة مواضع الشرك وآثاره وإزالته، ذلك حماية لحمة التوحيد وسدا لذريعة الشرك. فما بقي في بلاد المسلمين من آثار المشركين لا يجوز أن يبقى، بل يجب على ولاة أمور المسلمين أن يزيلوا ذلك تماما، سواء كانت أصناما أو كانت أوثانا، قبورا أو غيرها. لا يجوز أن تبقى، لا مشاهد ولا قباب ولا قبور ولا توابيت ولا أصنام، ولا حتى أن تقام التماثيل التي يسمونها رموزا ومعاني، كلها مما لا يقرها الإسلام ولا يأذن بمثلها، حماية لحمة التوحيد وسدا لذريعة الشرك. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.