أخلاق أهل القرآن  2

أخلاق أهل القرآن 2

الدرس في أخلاق أهل القرآن 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة كتاب أخلاق أهل القرآن للإمام الآجري

يشرح الشيخ مقدمة الكتاب ويبين منهج الإمام الآجري في الاستشهاد بالقرآن والسنة وآثار الصحابة والعلماء. يُظهر المقطع مميزات كتب الإمام الآجري مثل النقولات العظيمة وترتيب المواضيع بشكل هادف.

فضائل القرآن الكريم وأهميته في حياة المسلمين

يتناول المقطع شرحًا لفضائل القرآن وأهميته، ويبين أن القرآن يهدي إلى الطريق المستقيم ويشفي الصدور. يشدد على أهمية العمل بالقرآن وليس فقط تلاوته أو حفظه.

آثار القرآن الإيجابية على المسلمين واهتمامهم به

يبرز المقطع أن الاعتصام بالقرآن سبب للنجاح والخير، ويهدي إلى طريق الحق والاستقامة. يسبب خشية الله وخشوع القلوب، ويحث على التدبر والتذكر.

أحكام فقهية متعلقة بالصيام وصلاة التراويح

يجيب الشيخ عن سؤالين حول حكم ابتلاع ما يسيل من الفم أثناء الصيام وتناوب الأئمة في صلاة التراويح. يبين أن ابتلاع ما يسيل من الفم عمدا يفطر إذا كان له طعم، وأن تناوب الأئمة في التراويح له أصل في سنة الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق أهل القرآن للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس الثاني. سبحانه عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني ودرسنا الثاني في القراءة والتعليق. يقول شرح مختصر لكتاب الإمام الآجري رحمه الله تعالى، أخلاق أهل القرآن. وكان آخر ما وقفنا عليه عند قوله رحمه الله: «ويعرفه بركة المتاجرة في الدنيا والآخرة». قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين -وهكذا في بعض النسخ، وفي بعضها قال محمد، وهو الأجري رحمه الله، أبو بكر محمد بن الحسين الأجري، صاحب الكتاب- كما تقدم معنا أن هذه طريقة الإمام البخاري رحمه الله، وجماعة من أهل العلم، يذكر الواحد منهم اسم نفسه بدلاً من أن يقول: «قلت» ونحو ذلك، لما تقدم سبق الإشارة إليه. قال رحمه الله تعالى: «جميع ما ذكرته وما سأذكره إن شاء الله، بيانه بكتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قول صحابته رضي الله عنهم، وسائر العلماء. وسأذكر منه ما حضرني ذكره إن شاء الله، والله الموفق لذلك». قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 29-30]. يبين رحمه الله هنا، كما بينا في عدد من كتبه، ابتداء وتوقيته قبل الدخول في الكتاب، طريقته في هذا الكتاب. في هذا الكتاب أنه يذكر ما يذكر من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قول الصحابة رضي الله عنهم، والعلماء ممن تبعهم بإحسان من بعدهم. وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، علمهم موروث خلاف أهل البدعة والضلالة، علمهم محدث مستحدث. وهذه مزية وخصيصة لأهل السنة والجماعة أنهم يعلمون الناس ويدعون الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كلام الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أئمة وعلماء الدين الذين يفسرون نصوص الكتاب والسنة، وهم أعلم بتفسيره، إلى يدعونهم من ذلك وإلى ما كانوا عليه من الدين الحسن والإيمان الصحيح والاستقامة الصائبة التي لأجلها أثنى الله عز وجل عليهم من فوق سبع سماوات، وأمر أن يكون إيماننا كإيمانهم. كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: 137]، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. فمن اتبع الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن سار بسيرهم من التابعين وأتباع التابعين، ومن اتبعهم بإحسان من أئمة وعلماء الدين، فإنه على الهداية، وهو محل رضا من الرب سبحانه وتعالى، جملة وتفصيلاً، عقيدة وعبادة ومعاملة، ومنهاجاً وسلوكاً. وهذا لا يمكن الوصول إليه بالجهل بما كانوا عليه رضي الله عنهم ورحمهم الله. ولهذا اعتنى علماء أهل السنة والجماعة بنقل هذا العلم الموروث، علم الكتاب والسنة، وما نقل عن سلف الأمة ومن تبعهم بإحسان من العلماء والأئمة. فهو تفسير عملي لما في الكتاب والسنة، أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم وسيرتهم وآثارهم القولية والفعلية، كلها تفسير وتوضيح وتأكيد لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. ولهذا اعتنى علماء الإسلام، علماء أهل السنة والجماعة، بنقل هذا العلم. ومن ذلك ما يتعلق بهذا الموضوع، موضوع أخلاق أهل القرآن. وسنرى في هذه الرسالة، كغيرها من رسائل هذا الإمام رحمه الله رحمة واسعة، هذه النقولات العظيمة من نصوص الكتاب والسنة، وما نقل عن الصحابة والتابعين. ولئلا ما يبين لك بجلاء ما على أهل السنة والجماعة في معتقدهم، وفي عبادتهم، وفي معاملاتهم، وفي أخلاقهم، وفي سلوكهم، وفي علمهم. وهذا مما تميزت به كتب أهل السنة قديماً وحديثاً، هذا الصفاء وهذه السلفية الحقيقية التي ترد الناس إلى الأمر الأول الذي كان عليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ومما تميزت به كتب هذا الإمام، هذه الخصلة. أول ما تميزت به النقولات من الكتاب والسنة، وما نقل عن الصحابة ومن تبعهم بإحسان من العلماء والأئمة. وهكذا مما تميزت به المواضيع الهادفة، فمؤلفاته كلها كما ترون، مواضيعها هادفة نافعة، لا يستغني عنها المسلم ولا المجتمع المسلم. كتابه «الشريعة» العظيم، وكتابه هذا، ومر معنا عدد من كتبه، فكلها كتب نافعة ومفيدة وهادفة. كذلك عباراته ليس فيها تكلف، وفيها من الوضوح والصدق ما يعين على فهم الكتاب والانتفاع به. وكذلك مما تميزت به طريقة المؤلف رحمه الله، حسن الترتيب والعرض. فهو يبدأ بمقدمة وفيها توقيع، وفيها تدرج بذكر ما في هذا الكتاب على وجه الإجمال، ثم يذكر ما في هذا الكتاب على وجه التفصيل بطريقة الأبواب والفصول. وهو ترتيب حسن وعرض جيد، يعين على فهم العلم وإدراكه وحفظه وترتيب مسائله، وغير ذلك من الفوائد التي تلتقط في ثنايا كتبه رحمه الله تعالى، في إيرادها وتدبرها وتأمل ما فيها. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا، بعد أن ذكر هذه الطريقة التي سار عليها في هذا الكتاب، وفي غيره من كتبه رحمه الله، قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 29-30]. آية سورة فاطر التي سميت بآية القراء، آية القراء لعظيم ما فيها من صفة أهل هذا القرآن، وهم الذين يتلون كتاب الله، وحققوا ذلك بالعمل به، بإقامة الصلاة، وأنفقوا مما رزقهم الله سراً وعلانية، كل ذلك ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم، وهذا هو الشاهد. من كان هذا حاله، وفاه الله عز وجل أجره في الدنيا قبل الآخرة، وعطاهم من واسع فضله ما تقر أعينهم في الدنيا قبل الآخرة. في الدنيا بأن يدخل جنة الله، النعيم الإيمان، وحلاوته، والأنس بالله سبحانه وتعالى، ومحبته، والتلذذ بأنواع طاعته، فضلاً عما يكرمه. وليس ذلك بلازم، بلازم لوصف أهل هذا الطريق مما هو من خير الدنيا، لكن المقصود الأعظم خير الآخر. المعجل ما يعيشه المؤمن من حياة إيمانية، وكذلك لذة لا يعرف قدرها إلا من وفقه الله لتلاوة كتاب الله، وحفظه، وتدبره، والعمل به. فإنه يرزق من الأنس بالله، والأنس بطاعته، ما لا يعرفه إلا من وفقه الله لهذا الطريق. قال رحمه الله تعالى: «وقال عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: 9]». كذلك هذه الآية في سورة الإسراء، فيها شيء من فضائل القرآن. وهنا خطأ، هذا الخطأ يتكرر كثيراً في طباعة الكتب، إذا لم يؤخذ بالآيات من النص العثماني، فكتابتها بنظام الورد تحصل فيها أخطاء. لذا يناسب هنا أن ننبه أن الباحثين والكاتبين إذا أرادوا أن يكتبوا الآيات، خير لهم أن يستخدموا برنامج الورد مع برنامج المصحف العثماني، حتى لا تحصل مثل هذه الأخطاء. فهنا في هذه الآية، آية سورة الإسراء، قال: «وإن الذين لا يؤمنون» صوابه «وأن الذين» بالفتح. «وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً» آية عشرة من سورة الإسراء. والشاهد أنه أورد هذه الآية رحمه الله تعالى، ليبين شيء من فضائل القرآن. فالقرآن فيه فضائل كثيرة، ومنها أن الله عز وجل بشر المؤمنين بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. فهو يهدي لكل شيء فيه قوامة هذا الإنسان، وكماله، وخيريته في الدنيا وفي الآخرة. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، ويبشر المؤمنين يبشرهم بالبشائر الحسنة في الدنيا وفي الآخرة، بما يرون من توفيق الله عز وجل، وإعانته ونصره وتأييده، وانفتاح أبواب الخير، وتسهيله سبل الهدى، وهكذا كذلك الأجور العظيمة والحسنات، والثواب العظيم يوم القيامة. بحديث مسعود المشهور الذي رواه الترمذي والحاكم، خيرهما عن النبي عليه الصلاة والسلام. وروي موقوفاً وله حكم الرفع، وهذا أصح. أن من قرأ آية من كتاب الله، وله بكل آية عشر حسنات، حسنة. والحسنة بعشر أمثالها. ثم قال: «لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». مع ما لا يعلمه الله من المضاعف الذي يضاعفه سبحانه وتعالى لمن يقرأ القرآن. وهكذا كذلك إذا حفظ القرآن، قيل له: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت تقرأ وترتل بالدنيا» حتى يصل إلى آخر آية. أي مما يكون به إكماله لكتاب الله سبحانه وتعالى، عديها بالله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، وغيره من الأحاديث الكثيرة التي فيها عظيم فضل الله سبحانه وتعالى، وواسع عطائه فيمن يتلو هذا القرآن، ويهتدي به، ويحفظه، ويعمل به. فله الخير الكثير في الدنيا وفي الآخرة. ومن أهم ما ينبغي لاعتناء به، العمل بهذا القرآن. لهذا قال: «الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً». ولا شك أن من الأجر الكبير الخيرية في الدنيا والآخرة، كما في حديث عثمان المتقدم الذي رواه البخاري وغيره: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال رحمه الله تعالى: «وقال عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]». كذلك الآية بسورة الإسراء. وأشهد منها أن الله عز وجل أخبر من فضائل القرآن أنه شفاء ورحمة للمؤمنين. شفاء حسي ومعنوي، فالقرآن جعله الله عز وجل شفاء، يشفي الله عز وجل به المؤمنين حساً ومعنى، ولكن ليس بإفراط ولا تفريط، بغير إفراط ولا تفريط. لا نكون كأولئك الماديين الجاحدين لما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، مما فيها إذ أثبتت أن القرآن شفاء. ولا كذلك نغلو فنتوسع، فنفعل كما فعل بعض الضلال الذين جعلوا القرآن والعياذ بالله كالصيدلية، آيات للحامل، آيات للصداع، آيات لمرض القلب، آيات لمرض كذا وكذا. فقسموا القرآن تقسيماً بغير دليل ولا برهان، وجعلوه كأنه أدوية تعاطى لأصناف الأمراض. هذا ليس بالصحيح. ولكن القرآن كله شفاء، كله شفاء. صحيح هناك بعض الآيات دلت على معاني، بما دلت عليه، ودلت عليه السنة كذلك، تستخدم في بابها، كآيات السحر، وكذلك آيات الحسد، ونحوها مما دلت الأدلة عليه. لكن لا نتوسع في هذا الباب بغير حجج ولا برهان. فالأمر الوسط لا إفراط ولا تفريط، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: «فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]». كذلك من فضائل القرآن أنه موعظة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. فهذه أربعة فضائل، وغيرها كثير مما في كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: «وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 174-175]». وهذه الآية كذلك فيها من فضائل القرآن أنه برهان، حجة عظيمة من الله سبحانه وتعالى لأهل هذا الدين. فدمغ الله عز وجل به حجج أهل الباطل، فهو مهيم على ما أنزل الله من كتب من قبل، ومبين ومفصل لكثير من المسائل بالحجج والبراهين الواضحة، بما يعطي أهل هذا الدين القوة والحجة العظيمة. «وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً» نوراً يضيء لك في طريقك وحياتك، في نفسك، في أهلك، في ولدك، فيما تحتاجه في دنياك وفي آخراك. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]. كما مثله بالظلمات ليس بخارج منها. ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]. فهذا القرآن نور يضيء لصاحبه ولمن معه. فهذه الدنيا مليئة بالظلمات، ظلمات الشهوات، وظلمات الشبهات. ولا شيء يضيء لك الطريق وينير لك السبيل بمثل القرآن، فإنه نور مبين، يبين لك ما تحتاجه وما تفتقر إليه حتى تسلم في الدنيا وترشد وتفلح في الآخرة، ولتسير في الصراط المستقيم، والدين القويم الذي أحبه الله عز وجل لك. فبغير هذا القرآن أنت تتخبط في هذه الظلمات، ظلمات الشهوات وظلمات الشبهات. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان ثمرة الذين آمنوا بالله واعتصموا به -أي بهذا القرآن- أن الله عز وجل يدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً. هذه كذلك ثلاث فضائل أخرى، وكلها من فضائل القرآن. كلها من فضائل القرآن. قال رحمه الله تعالى: «وقال عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]». أي آية سورة آل عمران، تكملتها: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]. فهذه الآية وغيرها من الآيات فيها أن القرآن -أي ما كان بمعنى هذه الآية- هو حبل الله. ولهذا قال: «وحبل الله» والقرآن هكذا جاء. وجاء عن بعض السلف أنه السنة، وجاء أنه الإيمان. وكله من مدلول عليه القرآن، فهو تفسير ببعض المعنى، لا يعارض هذه التفاسير وإن اختلف لفظها. لا يعارض معناها بعضاً، فحبل الله القرآن الذي فيه السنة، وفيه الإيمان، وفيه الإسلام. وكله يدخل في هذا المعنى. فمن اعتصم بحبل الله ولم يتفرق، فإنه وعد بهذا الوعد، وهذا الجزاء بأن يكون من أهل الهداية، وأهل النعمة، وأهل التوفيق والسداد، ولعنة من الله سبحانه وتعالى. وهذا من فضائل القرآن، وفيه أن الاعتصام بالقرآن من أعظم أسباب النجاح والخير في الدنيا وفي الآخرة. قال سبحانه وتعالى: «وقال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَكَادُ تَسْمَعُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]». وهو كذلك أورد هذه الآية رحمه الله، لما فيها من فضائل القرآن. أن الله عز وجل بحكمة منه أنزل أحسن الحديث -أي القرآن- كتاباً متشابهاً مثاني. متشابهاً يعني في الإحكام والإتقان والبلاغة والفصاحة والبيان، وما فيها من معاني عظيمة، وألفاظ جميلة بليغة. مثاني أي يجمع فيها المعاني المزدوجة، يذكر أهل الجنة فيذكر أهل النار، يذكر أهل الإيمان فيذكر أهل الكفر. وهذه فيها عظة وعبرة، ليفرق المسلم والمؤمن بين الحق والباطل، وطريق الاستقامة من طريق العوجاج. ومن فضائله كذلك أنه سبب لحصول الخشية، والقلوب إذا خشعت وخشيت، اتشعر الجلد رهبة وخوفاً من الله سبحانه وتعالى، فتلين الجلود والقلوب إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، بماذا؟ بهذا القرآن. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. كما قال في الآية الأخرى في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. فهذا من فضائل القرآن، وهو من ذكر الله سبحانه وتعالى، وهو من الهدى. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: 23]، فالقرآن من أسباب الهداية، والبعد عنه من أعظم أسباب الضلال. لهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]. قال رحمه الله تعالى: «وقال عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]». كذلك فيها من فضائل القرآن أن الله أنزله مباركاً، فيه البركة العاجلة والآجلة. ولذلك كان بعض السلف يقول: «لا تجد أهل بيت يتلى فيهم القرآن إلا وجدت بركته» أي فيهم، في أهل البيت، في أهل ذلك البيت. ولا يحرم أهل بيت تلاوة القرآن إلا ونزعت منهم البركة. فالقرآن سبب للبركة وحصول الخير. فينبغي أن يكون أهل البيت جميعاً، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم، ممن يتلون كتاب الله، وتدبرونه وتذكرون ما فيه، لتنزل عليهم البركات والرحمات، وخير الدنيا فضلاً عن الآخرة. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن، اللهم آمين. قال رحمه الله تعالى: «وهذا كذلك من فضائل القرآن». قال رحمه الله تعالى: «وقال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113]». كذلك هذه الآية بسورة طه، أوردها رحمه الله لما فيها من فضائل القرآن. فالله عز وجل أنزل قرآناً عربياً، أي فيه من فصاحة اللغة العربية ما لا يخفى. فإن أهل جميع اللغات يقرون بأن اللغة العربية أفصح اللغات وأعظمها معاني، وأبلغها مغازي. فالقرآن نزل باللسان العربي المبين، كما سماه الله سبحانه وتعالى. ومن فضائله أن الله عز وجل صرف فيه من الوعيد -يعني بيّن ووضّح- ما هو سبب للعض والذكرى. لهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113]. فهذا من فضائل القرآن سبب للتعظ والتقوى، والذكر والذكرى. ولهذا لا يعتني أحد بكتاب الله سبحانه وتعالى إلا وتغيرت حياته. ولا يعرض أحد عن كتاب الله سبحانه وتعالى، كان مقبلاً عليه إلا وتغيرت حياته، الأول إلى الخير والثاني إلى السوء والشر. فهذا الذي أقبل بعد إعراض سيجد من الخير ما لا يعلمه إلا الله، فتتغير حياته، ويجد من معاني السعادة في الدنيا والآخرة ما هو سبب لخيريته وهدايته وتقواه، ورحمات الله في الدنيا قبل الآخرة. وهذا الذي كان مع القرآن وأعرض عنه، سيجد من الشقاء والضنك مقابل ما أعرض عن كتاب الله. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: «ثم إن الله عز وجل وعد لمن استمع إلى كلامه فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل». وهذا خطأ في النسخة الأخرى: «بالاعتبار الجميل» يعني بحذف اللام، عفواً بحذف الألف. «بالاعتبار الجميل» ليس بالنفي بلا اعتبار، وإنما بالإثبات. هكذا جاء في النسخة الأخرى، وهو الصواب. فهذا هنا خطأ، الصواب: «ثم إن الله عز وجل وعد لمن استمع إلى كلامه فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل» يعني يحصل له من أقبل على هذا القرآن الاعتبار الجميل الموجب لخير الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: «لزوم الواجب لاتباعه والعمل به، يبشره منه بكل خير، ووعده على ذلك أفضل الثواب». جاء في نسخة: «أن بشره الله منه» والصواب هنا: «يبشره منه» أو يجوز أن: «يبشره الله منه بكل خير» يعني بهذا القرآن. عليه أن يبشر بكل خير يرجوه في الدنيا وفي الآخرة. قال رحمه الله تعالى: «فقال عز وجل: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18]». وهذا كذلك فيه من فضائل القرآن، وهذا فيه من فضائل القرآن أن هذا القرآن سبب لبشارة أهل الإيمان، يفتح قلوبهم وأبصارهم لاتباع طريق الحسنات، وهداية الله سبحانه وتعالى لهم. وهكذا بضد ذلك من أعرض عن كتاب الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «نكمل هذه الصفحة». قال: «وقال عز وجل: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: 54] إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55]». وجاء في نسخة إكمال الآيات بعد قوله: «تنصرون»: «واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون» آيتي سورة الزمر. فكذلك من فضائل القرآن أنه سبب للإنابة إلى الله عز وجل، والإسلام له، لما في هذا القرآن من أسباب الاعتبار والاتعاظ والهداية والذكرى. وأمر في هذه الآية باتباع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، وهو القرآن. فإذا اتبعناه حصل لنا هذا الخير من قبل أن يأتينا العذاب، أي في الدنيا قبل الآخرة، أو فضلاً عن الآخرة، بغتة أي بدون شعور. لأن الله عز وجل يمهل ولا يهمل سبحانه وتعالى. فلذلك توعد من أعرض عن كتابه بالشقاء والضنك في الدنيا فضلاً عن الآخرة. نسأل الله عز وجل لينفقنا وإياكم لحفظ كتاب الله، وتلاوة آناء الليل وطرف النهار، ونجعلنا من عاملين به، والمتعدين المذكرين المهتدين بما فيه، اللهم آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. الآن ننظر ما تيسر من الأسئلة، إن شاء الله نأخذ ثلاثة أسئلة. هذا السائل يسأل: «يقول ما حكم ابتلاع ما يسيل من الفم كالرطب؟» الجواب: «ينبغي عليك أن تجتنب ابتلاعه خصوصاً إذا كان له طعم. فإذا وقع على وجه الخطأ، فإنك معذور -إن شاء الله- {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. وأما إذا تعمدت ذلك وكان فيه طعم، فهو مفطر، يفطر صاحبه. وأما إذا وقع على وجه الخطأ، فإنك معذور -إن شاء الله- {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]». وهذا السؤال الثاني: «يقول السائل هل من السنة أن يتناوب إمامان في قراءة صلاة التراويح أو السنة واحد؟ وهل كذلك يتتابعون في قراءة القرآن إذا كانوا اثنان أو إذا كان واحد يكمل المصحف في رمضان؟» الجواب: «سنة الصحابة رضي الله عنهم، تعرفون صلاة التراويح كانت بأمر عمر رضي الله عنه، حين رأى الناس متفرقين، جمعهم -كما في صحيح مسلم- لتجتمع كلمتهم، ويعان الجميع على الخير، فجمعهم، وجعل من يأمهم. وكانوا اثنان من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يتناوبون لطول الصلاة. فهذا الكلام له أصل، فعلى ذلك الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر رضي الله عنه. وإذا صلى بهم واحد فحسن كذلك. وكذلك كونهم يتتابعون في قراءة القرآن لإتمام الختمة، فهذا كذلك له أصل. فقد كانوا يفعلون ذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد جاءت آثار كثيرة في هذا المعنى، منها ما جاء في بعض روايات حديث عمر المتقدم الذي أصله في صحيح مسلم. وجاءت آثار أخرى، فقد روي كذلك عن الأوزاعي رحمه الله أنه قال: «كان الناس يقرؤون القرآن متواترين في رمضان، كل قارئ يقرأ في إثر صاحبه». وذكر أنه لما تولى عمر بن عبد العزيز، أذن لهم أن يقرأ كل قارئ من حيث أحب. وأصل هذا الأثر في مصنف بن أبي شيبة، وإسناده صحيح. فلا حرج -إن شاء الله- في مثل هذا. وإذا كان سبب أو آخر، كان يكون مثلاً أهل المسجد ممن لا يطيق إكمال المصحف، فيقرأ بهم ما تيسر. فكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أم الناس أن يخفف، فعلى الإمام أن ير