تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة القمر ومقدمتها

يبدأ الدرس بتفسير سورة القمر، حيث يشرح المفسر الآيات الأولى ويبين دلالتها على اقتراب الساعة وانشقاق القمر كآية لنبوة الرسول. السورة مكية وتتناول تكذيب المشركين للرسول رغم الآيات.

انشقاق القمر كمعجزة نبوية

يتناول المقطع قصة انشقاق القمر كآية معجزة للنبي، ويؤكد ثبوتها بالقرآن والسنة والتاريخ. الأحداث الكونية مثل الخسوف والكسوف هي آيات من الله تعالى.

تفسير الآيات الكونية وتأكيد صدق النبي

يفسر المقطع الآيات الكونية مثل انشقاق القمر كعلامة على قرب الساعة وتخويف المشركين، ويؤكد صدق النبي من خلال موافقة العلم الحديث لما أخبر به.

ختام الدرس والدعاء

ينهي المقطع الدرس باختصار في تفسير بعض الآيات وذكر رحمة الله، ويختتم بالدعاء للنبي وآله وصحبه بالصلاة والسلام وتوديع الدرس.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم، وكل أمر مستقر. ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغني النذر. فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر، خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر. قال مفسر: وهم الله سورة القمر مكية إلا آية «سيهزم الجمع» إلى آخرها، وهي خمس وخمسون آية. بسم الله الرحمن الرحيم، اقتربت الساعة قربة القيامة، وانشق القمر انفلق فلقين على أبي قبيس وقيقعان، آية له صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عنها فقال: «اشهدوا». رواه الشيخان. وإن يروا أي كفار قريش آية معجزة له صلى الله عليه وسلم يعرضوا ويقولوا هذا سحر مستمر قوي أو دائم. وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا أهواءهم في الباطل، وكل أمر من الخير والشر مستقر بأهله في الجنة أو النار. ولقد جاءهم من الأنباء أخبار إهلاك الأمم المكذبة رسلهم، ما فيه مزدجر لهم. «مزدجر» اسم مصدر أو اسم مفعول، والذال بدل من تاء الافتعال، وازدجرته زجرته لفظته بغلظة. «ما» موصولة أو موصوفة. «حكمة» خبر لمبتدأ محذوف أو بدل من «ما»، أو من «مزدجر». «بالغة» تامة. فما تغني تنفع فيهم النذر، جمع نذير بمعنى منذر، أي الأمور منذرة لهم. «وما» للنفي أو للاستنكار، وهي على الثاني مفعول مقدم. «فتول» عنهم، وفائدة ما قبله تم به الكلام. يوم يدعو الداعي هو إسرافيل، إلى شيء نكر، بضم الكاف وسكونها، أي تنكره النفوس، وهو الحساب. «خشعا» أي ذليلا، وفي قراءة «خشعا» بضم الخاء وفتح الشين مشددة. أبصارهم حال من الفاعل. يخرجون أي الناس من الأجداث القبور، كأنهم جراد منتشر لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة، والجملة حال من فاعل «يخرجون». وكذا قوله: «مهطعين» مقبلين ما دام أعناقهم إلى الداعي. يقول الكافرون منهم: هذا يوم عسر صعب على الكافرين، كما في سورة المدثر: «يوم عصيب على الكافرين». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه سورة عظيمة من سور المفصل، سورة القمر، وهي كما أشار المفسر رحمه الله مكية إلا بضع آيات من قوله: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» الآيات، فالسورة سورة مكية. وقد مر معنا صفاته ومعنى كون السورة مكية، فالخطاب للمشركين والكافرين، وأحداث ما يذكر بهذه السورة في العهد المكي. وافتتحت هذه السورة بهذه الآية العظيمة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وهي آية جعلها الله عز وجل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، آية كونية وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا القرآن العظيم يذكرها، وصحت السنة الصحيحة بها. كما أشار المفسر رحمه الله، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آية يرونها بأعينهم غير القرآن، بعدما حاججهم الله عز وجل بالقرآن العظيم آياته، فجعل الله عز وجل لهم الآية بانشقاق القمر، كما جاء في حديث مسعود ومعناه من حديث أنس. فرأى المشركون القمر قد فلق فلقتين، فلقة على أبي قبيس، وهو جبل مشهور يراه الواقف في جهة الصفا قديما قبل أن يكون البنيان حول مكة، والآخر على قعيقعان، وهو جبل آخر يراه الواقف في جهة المروة. وبين الصفا والمروة مسافة، والمسافة الفلكية مسافة عظيمة. فما يراه الرائي في البصر في السماء هو أعظم من حقيقته، ومعناه أنه فلق فلقتين وابتعد كل فلق عن الآخر بمسافة عظيمة جدا، حتى أن المشركين قالوا: «سحرنا محمد»، فصاروا يسألون المسافرين ومن أتاهم: هل رأيتم القمر قد انشق؟ قالوا: نعم، وعلموا أنه حق. وفي حديث أنس عند الترمذي وصححه جماعة من أهل العلم أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم ذلك مرة أخرى، فأراهم إياه مرة أخرى. وعجب من حديث أنس أن القمر انشق مرتين. وفي حديث مسعود أنه مرة، ولا منافاة على الصحيح، فإذا وقع مرة فلا مانع أن يقع مرة أخرى، وخصوصا أنه قد ورد فيه حديث أنس ويصححه جماعة من أهل العلم. والشاهد من هذا أن الله سبحانه وتعالى أيد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية الكونية العظيمة، أثبتتها دلالة القرآن، وجاءت في السنة الصحيحة، وتناقلها أهل العلم والأخبار والتاريخ والسير، حتى أن الكفار من غير العرب والمسلمين قد أرخوا هذا الحدث في كتبهم، فهو ليس حدثا مؤرخا عند المسلمين فقط، بل هو مؤرخ حتى عند الكافرين وعند غير العرب. فهذه آية ظهرت على الأرض جميعا، حتى العلم الحديث صار يتكلم فيها. وإذا بحثت في الشبكة عن انشقاق القمر لوجدت تفسيرات وكلام أهل العلم الحديث حول هذه الآية وهذا الحدث العظيم في هذا الكون. وقد اختلف تفسير المختصين بهذا العلم حول كيفية ومعنى وسبب حصول هذا الحدث العظيم في هذا الكون. وهذا الاختلاف لا يضرنا معاشر المسلمين، لأننا نعلم علما يقينا أن ما أخبر الله عز وجل به في كتابه، وما صحت به السنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وتناقله أهل العلم، هو حق وصدق لا نشك في ذلك. لا نحتاج إلى أحد أن يوقعنا بأن هذا وقع، لأننا على يقين أنه وقع. وأما كيف ولماذا وقع، فهذا ليس سببا لأن نثبت هذا الحدث، فنحن نثبته بصدق خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وما نقله الصحابة رضي الله عنهم، بل ما نقله أهل التاريخ والسير من المسلمين والكافرين، فصار أمرا يقينيا لا نشك فيه. ولا شك أن له سببا وحكمة، وكل أفعال الله عز وجل لحكمة. والله سبحانه وتعالى يجعل للآيات أسبابا. والخسوف والكسوف آيتان من آيات الله يخوف الله عز وجل بهما عباده. والعلم الحديث يثبت وقوع الخسوف والكسوف وأنه ليس سحرا على الأعين، ولكنه شيء حقيقي يقع. ثم فسر، وكانوا قد اختلفوا بتفسيره وسببه. ومع تطور العلم اتفقت كلمة العارفين لهذا العلم عن سبب وقوع الخسوف والكسوف والتفريق بين الخسوف والكسوف، بسبب تداول وقوع الكواكب الثلاثة إذا وقعت في مسار واحد: الشمس والقمر والأرض، فإنه يكون الخسوف والكسوف. ولكن السؤال: متى ولماذا يقع في هذا الوقت؟ ولماذا لا يقع في غيره؟ هذا ما لا يستطيع أن يعرفه هؤلاء، ولا يستطيعون كذلك أن يحدثوه إذا شاءوا، بل الذي يحدثه هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان من علامات الساعة أن يقع خسف وخسوف وكسوف في ثلاثة مواضع يوم القيامة أو قبل يوم القيامة، وهو من علامات الساعة القريبة. وهكذا كذلك الله عز وجل يعذب بالفيضانات، ويعذب بالعواصف، وبخسف الأرض، وبالرعد والصواعق وغير ذلك. وهذه كذلك من الأحداث التي تكون في الكون، ولكن الله سبحانه وتعالى العظيم هو الذي يجريها متى شاء وكيف شاء وأين شاء، بمقتضى عظيم حكمته سبحانه وتعالى. وكلها آيات من آيات الله سبحانه وتعالى. وأهل الإيمان يربطون هذه الأحداث الكونية بما أخبر الله عز وجل به شرعا، فيعلمون أن هذا العذاب والعقاب بسبب ذنوب العباد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. فيجعل الله عز وجل إذا وقع سبب العذاب والعقاب سببا للعذاب والعقاب بما شاء وكيف شاء وأين شاء، في مقتضى واسع علمه وعظيم حكمته سبحانه وتعالى. وعذب الأمم بأنواع من العذاب، منهم من عذب بالصيحة، ومنهم من عذب بالصرخة، ومنهم من عذب بالصعقة، ومنهم من عذب بالخسف. وأنواع العذاب والعقاب كله آيات كونية، والله عز وجل أوقعها كيف شاء ومتى شاء وأين شاء، في مقتضى واسع علمه وعظيم حكمته سبحانه وتعالى. وهذه الآيات الكونية كذلك من هذه الآيات التي يخوف الله عز وجل بها عباده. فالله عز وجل خوف المشركين، وهو كذلك تذكير للمسلمين والمؤمنين باقتراب الساعة بظهور هذه الآية. وفسره أهل الفلك، وهو يوافق التفسير الشرعي، أن عمر هذه الدنيا وجريان هذه الأفلاك يمشي إلى انتهاء بعد أن كان في ابتداء. ومن علامات الانتهاء ظهور بعض الاضطراب في نظام الكون الفلكي، ومن هذا الاضطراب في نظام الكون الفلكي الموذن بنهايته أو قرب نهايته حصول هذا الانشقاق. وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع في خطبته حين خطب الناس فقال عليه الصلاة والسلام: «إن ما مضى من عمر هذه الدنيا لم يبق منه مما بقي إلا كما بقي من ساعة هذه». قال الراوي: فنظرت فإذا الشمس موذنة بالغروب. ومعناه أن ما مضى من عمر هذه الدنيا هو الأكثر، والباقي هو الأقل. ولا ينافي هذا أنه مضى إلى يومنا هذا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف وأربعمائة عام، لأن الألف والأربعمائة عام وما سيأتي بعدها لا شيء مع ملايين السنين التي مضت فيما كان قبل ذلك. ومعناه أن الباقي أقل من عشر أو قريب من عشر عمر هذه الأرض، وهذا هو المقصود. فإذا كان النهار اثنتي عشرة ساعة، النهار المعتدل اثنتي عشرة ساعة، فكان بقي من الشمس في وقت الحديث كما أخبر الراوي ما أن تغرب الشمس أقل من ساعة. ومعناه أن الباقي أقل من العشر من عمر هذه الدنيا، وهذا ما يثبته العلم الحديث. فاتفق علماء الفلك والعارفون بأمر جريان التغيرات على هذه الأرض أن هناك علامات كثيرة موذنة ومؤشرة بظهور خراب عظيم في نظام هذه الكواكب، بل ونظام الأرض. ومن ذلك حصول هذا الانشقاق، فوافق العلم الحديث ما أخبر الله عز وجل به. وهذا لا يمكن لنبي أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يأتي بمثل هذه المعلومة، فعلم أن مثل هذا لا يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. وهذه كذلك زيادة التأكيد في صحة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، هذا الذي قاله كفار قريش، فأخبر الله عز وجل به قبل قولهم لعلمه سبحانه وتعالى أنهم سيقولون ماذا سيقولون ذلك. وهذا الذي قاله المشركون، قالوا: «سحرنا محمد» صلى الله عليه وسلم، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر أعينهم وأن القمر لم ينشق، حتى سألوا المسافرين والناس الأبعدين فأخبروهم بصحة وقوع شقاق القمر. وقوله: «يعرضوا ويقولوا سحر مستمر»، قال: أي أنه دائم. والمعنى أن هذا لم يكن، ولكن الواقع أنه كان، بل كما جاء في حديث أنس كرر ذلك مرتين، كرر ذلك مرتين تأكيدا لهذه الآية وصحة وقوعها. وهكذا كذلك الآيات بعدها كلها في مخاطبة المشركين وتخويفهم بما يكون من أمر الساعة وما بعدها، وكيف يكون حالهم إذا لقي الله سبحانه وتعالى. وقوله: «كل أمر مستقر»، قال: من الخير والشر مستقر بأهله في الجنة أو النار. ومعناه ما يكون من فعل المشركين في تكذيبهم وعنادهم وغير ذلك من أذية المؤمنين، وما لحق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو مما سيقابلون به يوم القيامة حين يستقر الناس كل بعمله إما إلى جنة وإما إلى نار. وقوله: «ولقد جاءهم من الأنباء»، أي من أنباء الأمم السابقة، كما قال: أخبار إهلاك الأمم المكذبة. وهذه كذلك أخبار حق وصدق، وكلها آيات في صدق ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. لأن لهذا العذاب والعقاب سببا وهو تكذيب الرسل، فتوعدتهم الرسل إن لم يستجيبوا لأمر الله ودعوة الله أن يصيبهم عذاب الله وعقابه، فاستعجلوا العذاب والعقاب فأتاهم فأتاهم عذاب الله وعقابه بغتة وهم لا يشعرون، كما أخبرنا الله عز وجل. وسيأتي في الآيات القادمات ما يجلي ويوضح ذلك في أخبار الرسل مع أممهم عليهم الصلاة والسلام. وهكذا كذلك ما ذكر من الآيات ذكر رحمه الله تفسيرها على وجه اختصار وهو ظاهر. وقد انتهى الوقت، وبهذا نكتفي. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.