تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خلق الإنسان والجن ومظاهر قدرة الله

يتناول خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجن من مارج من نار، ويشرح بعض مظاهر قدرة الله في الكون. يشير إلى أن خلق الإنسان والجن يدل على عظمة الله.

تفسير الآيات الكونية في سورة الرحمن

يفسر الآيات الكونية في سورة الرحمن ويشرح معانيها ودلالاتها مثل اختلاف المشارق والمغارب ومرج البحرين. يبين نعم الله تعالى على خلقه وكيفية التذكير بها.

نعمة الله في الماء واللؤلؤ والمرجان

يشرح نعمة الله في خلق الماء المالح والعذب وعدم اختلاطهما، واستخراج اللؤلؤ والمرجان. يبين الحكمة من تكرار التذكير بنعم الله في سورة الرحمن.

ختام بالتذكير بنعم الله وعبوديته

يختتم بالتذكير بنعم الله التي تستوجب تحقيق معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والقيام بعبوديته. يشير إلى أهمية الإقرار بنعم الله والامتثال لأوامره.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجن من مارج من نار، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ رب المشرقين ورب المغربين، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ قال المفسر رحمه الله: خلق الإنسان، آدم، من صلصال، طين يابس يسمع له صلصلة، أي صوت إذا نقر، كالفخار، وهو ما طبخ من الطين، وخلق الجن، أبا الجن، وهو إبليس، من مارج من نار، هو لهب النار الخالص من الدخان، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ رب المشرقين، مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ورب المغربين كذلك، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ مرج، أرسل البحرين العذب والملح، يلتقيان في رأي العين، بينهما برزخ حاجز من قدرته تعالى، لا يبغيان، لا يبغي واحد منهما على الآخر فيخلط به، فيختلط به، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ يخرج، بالبناء للمفعول والفاعل، منهما، من مجموعهما الصادق بأحدهما، وهو الملح، اللؤلؤ والمرجان، خرز أحمر أو صغار اللؤلؤ، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، لا نزال بهذه السورة العظيمة، والآيات الواضحات البينات العظيمات، في محاججة المشركين وتسلية المؤمنين، وهي سورة الرحمن، سورة مكية في أكثرها، كما تقدم معنا. وفي هذه الآيات ذكر الله عز وجل خلق الجن والإنس، وبعض بديع وعجاب مخلوقات الله سبحانه وتعالى، من آياته الكونية التي توجب ما توجبه فيما يتعلق بألوهيته، فآياته الكونية ومعاني ربوبيته فيها توجب معاني ألوهيته سبحانه وتعالى، والتصديق بآياته الشرعية. فلما كان الجن والإنس المخاطبون بالآيات الشرعية، ومنها هذا القرآن، ذكر الله عز وجل خلقهم ونشأتهم، وبه يعلم عظمة الرب الخالق لهم وافتقارهم إليه. فإذا كان هذا في أمر كونهم، فكيف في أمر ما أنزل الله عز وجل من شرع، وهو لهم كذلك؟ وابتدأ بخلق الإنسان للتشريفه، فجنس الإنسان أشرف من جنس الجن، كما دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. وأسجد الله عز وجل الملائكة، وكذلك الجن، لآدم، أبو الإنس، لشرف آدم. وهذا السجود ليس سجود عبادة، وإنما تحية وإجلال للتنبيه على الفضل. ولهذا وقع في نفسه أبي الجن، إبليس، الحسد، وكان منه ما كان من الكفر والحرب. وقال رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾، قال: طين يابس يسمع له صلصلة، أي صوت إذا نقر. هكذا بسر، وبسر بتفسير آخر: أي من طين لين كالصلصال، والصلصال معروف، وهو ما يكون من الطين وغيره من المتلاين الذي يسمع به المصنوعات كالفخار. قال: وما طبخ من الطين، ومعناه أنه طين مر بمراحل حتى كان خلق الإنس، فأصل النشأة من التراب والطين، ومر بمراحل حتى كان لحما وعظما. وهكذا كذلك الجن، والله عز وجل على كل شيء قدير. خلق الجن من مارج من نار، قال: هو لهبها الخالص من الدخان. وكل هذا معاني تقرب المعنى، وإلا فالأصل اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فلهذا قال بعض المفسرين: هو خالص النار، وبعضهم قال: لهب النار الخالص. فالمارج هو أحسن ما في النار، فخلق الجن من أحسن ما في النار، وخلق الإنس من أحسن ما في الطين، فأحسن ما في الطين هو الصلصال الذي يصنع منه الفخار. ولهذا تصنع منه المصنوعات، حتى ما يبنى فإنه يبنى مما هو بمعنى من أفخر الطين وأحسنه تلاينا. والمقصود كما تقدم معنا: أصل الخلق والنشأة، ثم مر بمراحل حتى كان الإنس والجن، ولله حكمة، وهو على كل شيء قدير. ولما كانت هذه آيات عظيمات، ختمت بهذه الآية التي فيها التذكير بنعمة الله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. وكما تقدم معنا في حديث جابر، في قوله عليه الصلاة والسلام حين قال لهم أن يقولوا، ومعنى الحديث: تذكيرا بنعمة الله لأنفسهم ولغيرهم، أنه يعظمون الله عز وجل على ما أنعم من نعم، فيقول من يسمع مثل هذه الآية: لا بشيء أو ليس بشيء من نعمك يا ربنا نكذب، فلك الحمد. ولهذا ختمت كل مجموعة من الآيات فيها شيء من نعم الله التي يذكر الله عز وجل بها في هذه السورة. وهي كما تقدم معنا من التذكير بالآيات الكونية ما يوجب التصديق بالآيات الشرعية، وكذلك من التذكير بمعاني ربوبيته ما يوجب معاني ألوهيته سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾، قال: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، وهكذا فسره أكثر المفسرين. وذكر المشارق والمغارب في آيات أخرى: هو ما يمر من مراحل للشمس من الصيف إلى الشتاء، والعكس في طلوعها وغروبها، فباعتبار هذه المراحل التي يمر بها تكون مشارق ومغارب، وباعتبار ما في الصيف والشتاء فهو مشرق ومغرب. وفي هذا منافع ونعم عظيمة، فمنه منازل النجوم التي تسير بسير هذه المشارق والمغارب. والله عز وجل خلق هذا الكون بنظام عجيب بديع، فيه من الحكمة والجمال، وكذلك المنافع الشيء العظيم. ولم يعلم الناس والبشر من هذه المنافع والنعم إلا بعضها، واختلاف الزروع والثمار، واختلاف الأهواء والأجواء، واختلاف ما في هذا الكون، اختلاف هذا الحساب النظام البديع العجيب الذي خلقه الله عز وجل بعظيم قدرته وقوته وحكمة عظيمة. فأنت ترى من الزروع والثمار التي تكون في الصيف ولا تكون في الشتاء، وترى كذلك من أصناف المطعومات والمأكولات والمشروبات التي تأتي في الصيف ما لا يأتي في الشتاء، وهكذا في المشارق والمغارب بين الصيف والشتاء، فإنه كذلك تغير هذا الحساب سبب لحصول نعم لا تعد ولا تحصى. فأنت لا تأكل البلح في الشتاء، فإنما تأكله في الصيف، وهكذا كذلك أنواع من الزروع والثمار، بل حتى من الحيوان، فمن الحيوان ما لا يرى إلا في الصيف فيصطاد فيؤكل، ومنه ما لا يرى إلا في الشتاء فيصطاد فيؤكل. وهكذا كذلك عافية الأبدان، فإن اختلاف هذه المشارق والمغارب سبب لاختلاف الهواء وتغير كذلك الطبيعة، فتنشأ منه صحة الأبدان وصحة الزروع والثمار، وغير ذلك من المنافع الكثيرة. وهي نعمة في ضمنها نعم لا تعد ولا تحصى، ولهذا خصها الله عز وجل بالذكر: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. حتى أهل الطب والصناعة، فإنهم ربما لا يستطيعون علاج بعض الأدواء إلا في مواسم خاصة، ولا يستطيعون صناعة بعض المصنوعات إلا كذلك في أزمنة خاصة، وكل هذا من نعم الله سبحانه وتعالى. ومرج البحرين يلتقيان، قال: أرسل البحرين العذب والملح، أو المالح، يعني البحر المالح والبحر العذب. ومعنى أن الجنس كل واحد يختلف عن جنس الآخر. وقوله: ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾، قال رحمه الله: في رأي العين، يعني في الظاهر أنهما يلتقيان، وفي الحقيقة كما قال سبحانه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، قال: حاجز من قدرته تعالى، لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به. وكل واحد يقف في حده، بل عند نزول الأمطار ترى هذا البرزخ واضحا جليا باختلاف لون الماءين: ماء المالح، ماء البحر المالح، وماء النهر الحلو. وهذا كذلك من نعم الله سبحانه وتعالى، فيبقى المالح على طبيعته، ينتفع الناس بمنافع الماء المالح. وللماء المالح من الطبيعة والآثار العظيمة التي يكون بها منافع لا تعد ولا تحصى لهذه المخلوقات، ومنها الإنس والجن. ولهذا ابتدأ ذكر الإنس والجن، لأن أول منتفع وأعظم منتفع من هذه المخلوقات العظيمة والنعم الجليلة، وما يتبع ذلك من آثارها الكثيرة، هم الجن والإنس، فكان أحق الناس أو أحق الخلق تأدية لمعاني شكر الله عز وجل ينبغي أن يكون هم، ولكن وقع التكذيب والكفر من الجن والإنس، ولم ينجح الكثير في الامتحان إلا من رحم الله، وقليل ما هم. وقوله: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾، قال: لا يبغي واحد منهما على الآخر، فيختلط به، يعني يبقى في مكانه. وكما ذكر في سورة الفرقان كذلك: أنه بقدرة الله جعل الله عز وجل بينهما حجرا محجورا، يعني كأنه بناء لا يتعدى أحدهم الآخر. وهذا كذلك بعظيم حكمة الله سبحانه وتعالى. وما أنت لو خلقت، وضعت ماءين متجانسين مختلفين في وعاء واحد، تختلط، ضعف إناء مصفح، ماء مالح وماء حلو، هل تستطيع تجعل بينهم فاصلا أبدا؟ حتى لو فعلت الفاصل، ثم نزعته، تختلط الماء المالح مع الحلو ولصار شيئا واحدا. فمن الذي استطاع أن يجعل هذا الحاجز والحجر المحجور بين هذا الماء الحلو وذاك الماء المالح؟ بل أعظم من هذا: يتدفق الماء الحلو فوق الماء المالح تدفقا عظيما، ربما يجرف الأشجار والصخور العظيمة، ولكنه لا يختلط بالماء المالح. والعكس: بعض المياه المالحة تدفق في وسط الأنهار، ومع ذلك لا تختلط بها، بل يبقى بينهما حاجزا وحجرا محجورا وبرزخا، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات. وهذا كذلك من نعم الله، ومن حكمة الله، ومن عظيم فعل الله الذي يدل على عظمة هذا الخالق العظيم سبحانه وتعالى. ولهذا كذلك لما في هذا من المنافع، خص بالتذكير بهذه النعمة بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. وبه نعرف الحكمة من تكرار هذه الآية بعد كل نعمة، للتذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى، ما يوجب الرجوع إليه في معاني ربوبيته وألوهيته، والإيمان بنعمه الكونية وكذلك الشرعية. وقوله: ﴿يُخْرَجُ﴾ أو ﴿يَخْرُجُ﴾، قال: للمفعول والفاعل، والمعنى أنها قراءتان، فقراءة نافع وابن عمر بالبناء للمفعول، وقرأ بقية السبعة للفاعل، يعني: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، ويخرج منهما. وكلاهما قراءتان سبعيتان مشهورتان. وقوله: ﴿مِنْهُمَا﴾، قال: من مجموعهما الصادق بأحدهما، وهو المالح، يعني: يخرج من اجتماع هذين الماءين هذه النعم، اللؤلؤ والمرجان. قال: خرز أحمر أو صغار اللؤلؤ. واللؤلؤ معروف، هي الكرات النادرة التي تتكون في المحار، وما كان بمعناه، وهو على الصحيح لا يختص بماء البحار، بل موجود في ماء البحار وماء الأنهار، بل يوجد من اللؤلؤ ما هو بري، كما هو مجرب ومعروف عند أهل المعرفة، ولكنه نادر. والمشهور ما كان من البحار، في البحار أو في الأنهار. والمرجان هو ما يستخرج من الصفائح التي تنبت في البحار أو في الأنهار، ويكون لها من الألوان الجميلة والأشكال البديعة ما يجعلها جميلة. وإذا قطعت صغارا وصارت أشكالا، صارت من الأحجار الكريمة التي يتغالى الناس في شرائها. وغلاء هذه الأحجار ليس فقط في جنسها، ولكن في ندرتها، لما كانت نادرة فإنها صارت ثمينة. وهل هي تنشأ من اجتماع الماء المالح والعذب أو غير ذلك؟ الله أعلم، ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على ذلك، لكن ما يدل عليه آيات القرآن وصحيح السنة: أنه يأتي من البحر، وهذا عام في البحر المالح والبحر الحلو، من الماء المالح والماء الحلو. فهو من نعم الله المستخرجة من هذه البحار، وفيه منافع عديدة مع ما فيها من الجمال. ولهذا ذكرها الله عز وجل، وقصها بالذكر، ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. كذلك ما تقدم، تذكيرا بنعم الله الموجبة لتحقيق معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والقيام بعبوديته جل وعلا. إلى هنا والله تعالى أعلم.