شرح العقيدة الواسطية للهراس 76

شرح العقيدة الواسطية للهراس 76

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 76، الدرس السادس والسبعون:(فمن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة ...يرجون منه حصول مطالبهم التي وعدهم بها على لسان رسوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث النزول ومعتقد أهل السنة

شرح شيخ الإسلام لحديث النزول وبيان معتقد أهل السنة والجماعة في صفة النزول. رد الفرية المنسوبة لشيخ الإسلام حول حديثه عن النزول أثناء خطبة الجمعة.

تفاصيل صفة النزول وخلو العرش

بيان أن نزول الله لا يماثل نزول المخلوقات، وآراء العلماء في مسألة خلو العرش من الله تعالى أثناء نزوله. جمهور السلف يرى أن العرش لا يخلو من الله.

إثبات صفة النزول لله تعالى

شيخ الإسلام يؤكد على إثبات صفة النزول لله تعالى كما ورد في الكتاب والسنة دون تحريف أو تعطيل. يجب التسليم بما جاء في الأدلة وإثبات الصفات لله تعالى.

حدود العلم والخوض في المجهول

ينبغي للمسلم أن يقف عند حدود علمه ولا يتكلم فيما يجهله. الخوض في المجهول غير جائز، والمسلم مسؤول عن سمعه وبصره وفؤاده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: فمن ذلك مثل قولي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «فمن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم» إلى آخره. الكلام على هذا الحديث من جهتين: الأولى صحته من جهة النقل. وقد ذكر المؤلف رحمه الله أنه متفق عليه، يعني في الصحيحين، وذكَره الإمام البخاري في صحيحه، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. بل جاء معناه عن عدد من الصحابة، جاء من حديث أبي سعيد وأبي هريرة معًا، ومن حديث أبي سلمة والأغر، ومن حديث كذلك جبير بن مطعم، وجماعة من الصحابة ذكرها، وأكثر من طرقها الإمام الصابوني رحمه الله تعالى في عقيدته. وأما معناه، فأحاديث كثيرة تدل عليه، أي إثبات العلو الذي فيه، فقد جاءت فيه أحاديث أكثر من ذلك. قال رحمه الله تعالى: ويقول الذهبي في كتابه «العلو للعلي الغفار»: إن أحاديث النزول متواترة تفيد القطع، أحاديث النزول والعلو كذلك كلها متواترة تفيد القطع. قال: وعلى هذا فلا مجال لإنكار أو جحود، يعني إنكار ما ورد من هذه الرواية وغيرها مما هو بمعناها، وقد صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام بأحاديث أخرى. فمن ذلك قوله: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» الحديث. فقوله عليه الصلاة والسلام «وإنه ليدنو» بهذا إثبات الدنو، وهو معنى قريب من النزول على ما يليق بجلال الله عز وجل وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، وهو الذي قرره العلماء سلفًا وخلفًا. وبه نعرف الخطأ وتلك الفرية التي نُسبت لشيخ الإسلام، وهو منها بريء، أنه حدث بهذا الحديث في منبره وهو يخطب الجمعة، وأنه قال: «ينزل» أي الرب تعالى الله عن ذلك نزولًا كنزول هذا، فنزل من على المنبر. وهذا كذب وافتراء على الشيخ رحمه الله. وقد رد العلماء هذه الفرية من أوجه كثيرة، وذلك على وجه الاختصار: أولًا من جهة ناقل هذه الفرية، فإنه ابن بطوطة الذي عرف في كتابه أنه رجل ليس بمأمون من جهة أولًا نقله، وثانيًا من جهة تدينه، فإنه صاحب أهواء، وكذلك تشنيع على المخالفين. ومما أكد به العلماء كذبه في هذا الذي افتراه على الشيخ أشياء كثيرة، منها ما ذكر من تاريخ دخوله، فإنه دخل كما ذكر في تسعة عشر من الشهر التاسع، يعني في رمضان من سنة ست وعشرين وسبعمائة للهجرة. وقد ذكر المحققون أن شيخ الإسلام سجن في شعبان من نفس العام، ولبث في سجنه حتى توفاه الله بعد سنتين من ذاك العام، يعني توفي في عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ودخل السجن قبل مجيء ابن بطوطة بشهر تقريبًا، فكيف يزعم أنه رأى شيخ الإسلام وأنه نزل من على المنبر وأنه قال ما قال؟ وهكذا كذلك ذكروا أشياء أخرى، فمما ذكروه أن الشيخ رحمه الله لم يكن يخطب في ذاك المسجد الذي زعمه، بل كان للشيخ درس في صباحه كما ذكر ذلك العلماء في ترجمته، منهم الذهبي وابن عبد الهادي وجماعة. وأما الخطبة فلم يكن يخطب، بل كان خطيب ذاك المسجد في تلك الفترة وذاك الوقت على وجه التحديد كما ذكروا جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني. ومما كذلك يذكر أن الرجل ذكر، أي ابن بطوطة في كتابه من الخرافات والأمور الباطلة وهكذا كذلك المكذوبة، ما يؤيد أن الكذب ليس ببعيد عن مثله. وأخيرًا أن في كتب شيخ الإسلام الكثيرة ما يرد هذه الفرية، وهكذا رد ذلك تلامذته والعلماء من بعده، لما علم عن شيخ الإسلام رحمه الله من استقامته في باب الاعتقاد خصوصًا في هذا الباب على وجه الخصوص، باب الأسماء والصفات. قال الشارح رحمه الله تعالى: الثانية ما يفيد هذا الحديث، وهو إخباره صلى الله عليه وسلم بنزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى آخره. ومعنى هذا أن النزول صفة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، فهو لا يماثل نزول الخلق، كما أن استواؤه لا يماثل استواء الخلق، بل نزولًا يليق بجلال الله عز وجل وعظمته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال رحمه الله: يقول شيخ الإسلام رحمه الله في تفسير سورة الإخلاص: «فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله بأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وهو هذا الحديث الذي تقدم، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وهو حديث عائشة الذي تقدم، وأنه كلم موسى بالوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، كما في الآيات التي تقدمت في مبحث الكلام، وأنه استوى إلى السماء وهي دخان كما تقدم في أدلة الاستواء، فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة»، يعني من المخلوقات، «حتى يقال ذلك يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر»، يعني لا يستلزم منه أن يكون حالها كحال ما يكون من أمر المخلوقين. فإن المخلوق إذا انتقل بفعله من موضع إلى موضع كان فيه كما قال تفريغ مكان وإشغال آخر، وهذا لأن المخلوق يحتاج إلى ذلك وهو يفتقر إليه. أما من خلق الزمان والمكان فهو سبحانه وتعالى غني عن جميع المخلوقات. ولهذا ذكر العلماء في مسألة نزول الرب جل وعلا مسألة الخلو: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ على ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول: أنه لا يخلو منه العرش مع إثبات النزول، وهو قول جمهور السلف، لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. والقول الثاني: أنه يخلو منه العرش، أي مع إثبات النزول، وهو قول عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده، ورد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وأطال فيه في كتابه العظيم «شرح حديث النزول». والقول الثالث: التوقف، لا يقول بخلو ولا يقول بغير خلو، وهو قول الحافظ عبد الغني المقدسي. وهذه الأقوال الثلاثة كلها قال بها كما ترون من أثبت النزول من أهل السنة، توقفوا في مسألة الخلو، توقف بعضهم ونفى بعضهم وأثبت بعضهم. والذي عليه كما ذكر شيخ الإسلام وغير واحد: جمهور السلف، أنه سبحانه وتعالى لا يخلو منه العرش، لأن أدلة إثبات العرش، أدلة استواء الرب جل وعلا على العرش باقية على أصلها، ولأن العلو صفة الذات، فهو في نزوله ومجيئه جل وعلا ينزل ويجيء بما يليق بجلاله وعظمته، ولا يستلزم ذلك أحوال المخلوقين، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. مع أن الواجب في مثل هذه المسائل التي لم يرد لفظها في الكتاب ولا في السنة أن نتوقف عن اللفظ، وأما المعنى فنفصل فيه، إن كان معنى حق دلت عليها دلالة الكتاب والسنة أثبتناه، وإن كان معنى باطل نفته أدلة الكتاب والسنة نفيناه. وهذه قاعدة ذكرها العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كل ما لم يرد به الدليل من الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالنزول صفة حقيقية لله عز وجل على الكيفية التي يشاء، فهو ينزل سبحانه وتعالى كيف شاء ومتى شاء. فالمعطلة نفوا النزول على قاعدتهم في نفي سائر الصفات الفعلية، ولذلك صار الكثير منهم يحرفون فيقولون بدلًا من «نزول الرب» ينزل أمره أو تنزل رحمته أو ينزل ملائكته. وهذا مردود بأدلة كثيرة، منها عين الدليل الذي حرف لفظه ومعناه بهذه التأويلات التي هي تحريفات. فمن الذي يقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» هل تقول ذلك الرحمة أو تقول ذلك الملائكة أو يقول ذلك أمره؟ كل هذا باطل، بل لا يمكن أن يكون إلا الله عز وجل. وهذا يرد قولهم في هذا وغيره مما يحرفون به هذا الحديث. وهكذا ربما يعترضون باعتراضات لا تليق بمسلم يجب عليه الاستسلام، فربما قالوا: يختلف الليل والنهار وقد يستمر، فكيف يكون النزول كذلك؟ وهذه يقال فيها ما قيل في مسألة الخلو، أن الله عز وجل أثبت لنفسه نزولًا يليق بجلاله وعظمته، فنثبته إثبات وجود لا نتعرض له بشيء، كما كان علماؤنا وأمتنا أمروا أن يمر كما جاء. فإذا أثبت الله لنفسه ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات لا تشبه الصفات، أي صفات المخلوقين، فإنه جل وعلا على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. فينبغي أن يكون المسلم مستسلمًا لما جاء في أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: فيثبتون النزول كما يثبتون جميع الصفات التي ثبتت في الكتاب والسنة، ويقفون عند ذلك، فلا يكيفون ولا يمثلون ولا ينفون ولا يعطلون. ويقولون: إن الرسول أخبرنا أنه ينزل، ولكنه لم يخبرنا كيف ينزل. وقد علمنا أنه فعال لما يريد، وأنه على كل شيء قدير. وهذا هو الواجب في حق المسلم التسليم بما جاءت به الأدلة، فكما أننا نثبت النزول في كل ليلة، نثبت الدنو كذلك في عشية عرفة على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظمته. وهنا ننبه أنه جاء في بعض ألفاظ حديث عائشة أنه «ينزل» عشية عرفة، وهذه اللفظة ضعيفة، نص العلماء على ضعفها. والصحيح ما ورد في صحيح مسلم من إثبات الدنو عشية عرفة، ليس النزول. وأما لفظ النزول فهو ضعيف، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: ولهذا ترى خواص المؤمنين يتعرضون في هذا الوقت الجليل لألطاف ربهم ومواهبه، فيقومون لعبوديته خاضعين خاشعين داعين متضرعين، يرجون منه حصول مطالبهم التي وعدهم بها على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام، كان أحب ما يحب من قيام الليل أن يقوم في الثلث الأخير من الليل، ولهذا كان يفعله في العشر الأواخر حين يحيي ليله عليه الصلاة والسلام. وكان يأمر أصحابه بذلك، إلا من عجز، فإنه يأمره بالوتر في أول الليل، وإلا فالوتر في آخره أحب، لما فيه من تحقق هذا الحديث العظيم الذي أثبت نبينا عليه الصلاة والسلام لفظه ومعناه. إثباته لا يستلزم منه نقصًا في حق الله عز وجل، بل يثبت إثبات وجود على ما يليق بجلال الله عز وجل وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. فإذا كان كذلك فنحن نثبته ونفوض كيفيته، يعني نقول: الله أعلم بكيفية ذلك، وهو سبحانه وتعالى أعلم بنفسه وبغيره، وأحسن حديثًا وأصدق قيلًا. فلا يجوز بعد ذلك الخوض فيما جهلناه، وحسب المرء المسلم أن يقف حيث وقف به علمه، وأن لا يتكلم عما يجهله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وما يورد من مسائل بهذا الباب، ينبغي للمسلم أن يقف حيث وقف به الدليل. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.