الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 69، الدرس التاسع والستون:من( باب قول الله تعالى:ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ... دخلت في المنهيات وإلا بقيت من أقسام المباحات والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم التوحيد وأهمية إخلاص المحبة لله وحده، ويبين خطورة اتخاذ الأنداد من الخلق. يُوضح أن العبادة تعني غاية الحب والذل لله.
يناقش المقطع علامات المحبة الشركية وتأثيرها على سلوك العبد، ويقسم المحبة إلى ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة في الله، والمحبة الشركية.
يُفصل المقطع أربعة أقسام للمحبة: محبة الله، محبة مع الله، محبة لله، ومحبة طبيعية، ويوضح تصنيف المحبة الطبيعية حسب النية.
يُبيّن أن المباحات تصبح محرمة إذا حالت دون طاعة الله وتسببت في نقص التوحيد والإيمان، ويُشدد على أهمية عدم الانشغال بالمباحات عن أوامر الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد، في كتابه المسمى بالقول السديد في مقاصد التوحيد. قال قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها، بحيث تكون سائر محاب العبد تبعا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه. سبق معنا أن العبادة هي غاية الحب والذل، فالعبادة تعرف بتعريفين: باعتبار الفعل، وباعتبار المفعول. فباعتبار الفعل غاية الحب والذل التي يكون بها القيام بالعبودية لله عز وجل، فينقاد بالطاعة ويبتعد عن المعصية، كما قال الإمام بن القيم رحمه الله: «وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ مَقْرُونَيْنِ بِالأَمْرِ لَا بِالهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ». وبهذا الاعتبار يتبين أن إخلاص المحبة لله هو من كمال تعبد العبد لربه، وأن من قصرت محبته قصرت عبادته، والأمر كما ذكر رحمه الله في هذا التفصيل. وأما العبادة باعتبار المفعول فهو ما عرفه شيخ الإسلام: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. قال رحمه الله: ومن تفريعها وتكميلها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده. إذا كان العبد قد عبد ربه جل وعلا بغاية الحب والذل، فهو كما سبق ستكون المحاب تابعة لمحبة الله، وعند ذلك يتحقق الحب في الله والبغض في الله، والمعاداة والمعاداة في الله سبحانه وتعالى. وإذا قصرت عبودية العبد لربه سبحانه وتعالى بقصور معنى المحبة والتذلل لله والخضوع، فإنه سيقصر كذلك أمر الحب الذي هو تبع لحب الله، فربما قدم بعض محابه على ما يحب الله، فعند ذلك ينقص الولاء والبراء والحب في الله والبغض في الله، فهما أمران متلازمان. قال: أما اتخاذ أنداد من الخلق يحبهم كحب الله، ويقدم طاعتهم على طاعة الله، ويلهج بذكرهم ودعائهم، فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وصاحب هذا الشرك قد انقطع قلبه من ولاية العزيز الحميد وتعلق بغيره ممن لا يملك له شيئا. وهذا السبب الواهي الذي تعلق به المشركون سينقطع يوم القيامة أحوج ما يكون العبد لعمله، وستنقلب هذه المودة والموالاة بغضا وعداوة، كما أخبر الله عز وجل في الآية: ﴿اتَّبَرَأَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، فيحصل التبرأ لأنها محبة كانت على كذب وعلى غير حقيقة وصدق، فلذلك يحصل التبرأ يوم القيامة، بينما هو يظن أن تلك المحبة تنفعه، ولكنها لا تنفعه إذ الجميع عبيد لله سبحانه وتعالى، فتبقى عبودية الرب سبحانه وتعالى، فيتبرأ المعبود من العابد، ويتبرأ المحبوب محبة شركية من المحب بتلك المحبة الشركية. وكما ذكر رحمه الله أن معنى أن معنى هذه المحبة أن يلهج بذكره أعظم أو مثل ما يكون لله، فمن جعل حب غير الله كحب الله أو أعظم فقد وقع في الشرك، وهذا له علامات، فمن علاماته ما يظهر على اللسان، فقد تجد مثلا بعض من عبد غير الله ولو زعم أنه لا يسجد له، لأن معنى العبادة كما تقدم الخضوع والذل، ليس شرطه الركوع السجود، خضوعه وذله لغير الله أعظم من خضوعه وذله لله، فصارت عبادته لغير الله أعظم. مثاله بعض عباد القبور، ربما إذا ذكر الله سبحانه وتعالى لا يجل قلبه، وإذا ذكر الذي يعبد من دون الله حصل له من المسكنة والخضوع والذل أعظم مما يكون لله، ولذلك يجد في نفسه ميلا إلى من يعبده من دون الله أعظم من ميله إلى الله، ويجد في نفسه ميلا لكل ما يتعلق بذاك المحبوب حفظه، من أعظم هو لله، فلذلك لا يفتقد في مواضع محبوبه بتلك المحبة الشركية من زيارات ومن كذلك، ربما وقت طواف أو نذور أو غير ذلك، وفي مواضع طاعة الله يفتقد، وربما وصل بهم الأمر أنه إذا استغاث استغاث بمحبوبه أعظم مما يستغيث بالله. فتجد أن أحدهم إذا استغاث بدل من أن يقول: يا الله، يقول: يا ابن علوان، يا فلان ابن فلان، وغير ذلك ممن عبد من دون الله، حتى بالحلف ربما تجرى بعضهم فحلف بالله كاذبا، ولكنه لا يتجرى أن يحلف بمحبوبه ومعبوده الذي أشرك به كاذبا، فيحلف بغير الله وهو على وجه التعظيم. ولما علم بعض من أصابتهم تلك اللوثة الشركية من عباد القبور وأربابها صاروا يستحلفون بتلك المعبودات من دون الله، ويعرف بعض العامة في بلادنا هذه أنهم كانوا يستحلفون بالله وبالنبي وبابن علوان أو فلان فلان من من يعبد من دون الله، وهذا هو عين الشرك، وإنما صدر ذلك لحصول المنازعة في المحبة التي هي معنى من معاني الشرك. قال رحمه الله: وعلم أن أنواع المحبة ثلاثة أقسام: الأول محبة الله التي أصل الإيمان والتوحيد على ما تقدم ذكره. قال: الثاني المحبة في الله، وهي محبة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ومحبة ما يحبه الله من الأعمال والأزمنة والأمكنة وغيرهم، وهذه تابعة لمحبة الله ومكملة له، وهذا هو الحب لله وفي الله، فكل ما سوى الله يحب لله، ولهذا فإن تلك المحبوبات تتفاوت بحسب حب الله عز وجل. فأنت تحب الأنبياء والمرسلين كما أمرك الله، وتحب أولي العزم بحب زائد تلك الرسل، فضل بعضهم على بعض، وتحب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص بحب زائد، وهذه المحبة تبع لما علمت من أمر الله عز وجل في ذلك. وهكذا الأعمال، أنت تحب الصلاة والصيام والصدقة، وتقدم الفرائض على النوافل، كل ذلك تبعا لمرضات الله سبحانه وتعالى، والأزمنة والأمكنة، فتحب أزمنة العبادات كلها، وتقدم ما أمرت بتقديمه مثل عشر ذي الحجة وعشر ليالي رمضان وغير ذلك، وهكذا الأمكنة مثل المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى. قال: الثالث محبة مع الله، وهي محبة المشركين لآلهتهم وأندادهم من شجر وحجر وبشر وملك وغيرها، وهي أصل الشرك وأساسه، وهذا هو المقصود بهذا الباب التحذير من هذا النوع الثالث من المحبة، وهي المحبة الشركية التي يكون فيها مضاها لمحبة الله ومناده له، فمن أحب غير الله كحب الله أو أعظم فقد وقع في الشرك. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، ومن باب أولى أن يكون أعظم من حب الله. قال: وهنا قسم رابع، وقوله: وهنا يحتمل أنه يضاف لهذه الأقسام الثلاثة، ويحتمل أنه يلحق بالقسم الثالث، وكلا الأمرين وارد، فهو أحد الأقسام الثلاثة رابعها، وهو كذلك يدخل فيه معنى ما قد يقع فيه الشرك، فمن الشرك الأصغر المبالغة في هذه المحبة حتى تنافي حب الله. قال: وهنا قسم رابع، وهو المحبة الطبيعية التي تتبع ما يلائم العبد ويوافقه من طعام وشراب ونكاح ولباس وعشر وغيرها، وهذه إذا كانت مباحة فإن عانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب العبادات، وإن صدت عن ذلك وتوصل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات، وإلا بقيت من أقسام المباحات، والله أعلم. وتقدم معنا أن هذا النوع من المحبة الذي لا اختيار لصاحبها معه يُعذر فيها الإنسان، وأما ما كان معه اختيار لصاحبه فهذا الذي لا يُعذر فيه الإنسان، فالإنسان فطر على حب الطعام والشراب واللباس وغير ذلك مما ذكر رحمه الله، لكن إذا صار حب هذه المباحات يزاحم حب الله ومرضاة الله، فهنا وقعت معنى المحبة الشركية، لكنه ليس شرك أكبر، وإنما الشرك الأصغر. فكل ما يفضي للشرك الأكبر على القول الصحيح هو الشرك الأصغر، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، ومن هذا المعنى المبالغة في هذه المحبوبات الطبيعية، فإذا حصل فيها المزاحمة لحب الله فهذا ينقص التوحيد وينقص معه الإيمان. وإذا أداها على الوجه الذي أمره الله، فجعلها تبعا لمرضاة الله، على العكس أجر كما ذكر رحمه الله، فإن بعض المباحات تنقل الطاعات باحتساب النية فيها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، فقالوا: يا رسول الله، أيأتي أحد شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَفَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ»، فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن احتساب المباحات يكون فيها أجر. حتى قال عليه الصلاة والسلام في الصدقة: «مَا تَجْعَلُ فِي فِي أَمْرَأَتِكَ»، سواء في السراء، ما تأكله امرأتك إذا احتسبت فإنه لك فيه أجر، أو فسر ما تضعه بيدك في في امرأتك فهو كذلك لك فيه أجر على كلا المعنيين، إذا احتسب الإنسان المباح فإنه يكون له فيه أجر. وهكذا كذلك ضده، إذا صارت المباحات تصد عن طاعة الله صارت محرمة، وليس هذا فحسب، بل أنقصت التوحيد، وكذلك خدشت في الإيمان. طيب، نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.