الحذر من فتنة الدنيا

الحذر من فتنة الدنيا

المحاضرة بعنوان الحذر من فتنة الدنيا، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

الحذر من فتنة الدنيا وتقديم الآخرة عليها

يحذر الشيخ عبد الرحمن بن مرعي العدني من انشغال المسلمين بالدنيا وجعلها الهدف الأسمى، مؤكداً أن الواجب جعل الدنيا تابعة للآخرة والعمل للدار الباقية مستدلاً بآيات قرآنية توعد المتقين بالنجاة والسعادة الأبدية.

التحذير من الغفلة عن الآخرة وضرورة الاستعداد لها

يشترك المؤمن والكافر في ملذات الدنيا لكن الآخرة مخصصة للمؤمنين المتقين، ويحذر الله من الغفلة عن الآخرة ومن فتنة الدنيا والشيطان داعياً إلى محاسبة النفس والاستعداد بالعمل الصالح قبل الموت.

العمل الصالح هو الوحيد النافع عند الموت والقيامة

المال والذرية والقبيلة لا تنفع الإنسان عند نزول الموت بل ينفعه فقط ما قدمه من عمل صالح، وهو الذي يحدد مصيره في القبر ويوم القيامة وعلى الميزان والصراط ودرجات الجنة.

دعاء الختام والتمني بدخول الجنة

يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يجعل الحاضرين من أهل الجنة، ثم يحمد الله ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الحذر من فتنة الدنيا، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. نعم، إخواني في الله، مما أنصح نفسي وإخواني وعبادي وأبنائي، حفظ الله الجميع، أننا لا نتشاغل بهذه الدنيا ونتنافس من أجلها، وتكون أكبر همنا ومبلغ علمنا وأسمى أمانينا. فهذه المشكلة العظيمة التي ابتُلي بها كثير من المسلمين أنهم جعلوا الدنيا هي الأساس، وجعلوا الدين هو الفرع. فأهم شيء عند كثير من الناس هو صلاح أمر الدنيا، فإن صلحت أمور الدنيا فهذا هو المقلوب؛ فإذا أمكن بعد ذلك صلاح الدين فهذا الحمد لله عند كثير من الناس، ولكن الأهم عندهم هو صلاح الدنيا، فيجعلون الآخرة ويجعلون الدين تابعاً للدنيا. والمفروض أننا نجعل الدنيا تابعة للدين وللآخرة، لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، وكأنه يخاطب رجلاً مقبلاً على أمر آخرته فيذكر: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. فمشكلة وقع فيها كثير من الناس: تجد من الصباح إلى المساء تجد الأقوال، تجد الأفعال، تجد الأحوال إنما في خدمة الدنيا، وهناك الغفلة عن الموعد والمورد، وهناك عدم المحاسبة للنفس، وهناك عدم الاستعداد للقاء الله تبارك وتعالى، وهناك التفكير في المستقبل الدنيوي وليس هناك تفكير في المستقبل الأخروي: كيف يسعد في دنياه، وكيف يصل إلى المناصب، وكيف يحصل الحطاب، وكيف يأكل ويشرب، وكيف يلبس ويركب، وكيف يتمتع، وكيف يدخر لأسرته، وكيف يوقي لأولاده. هكذا صار تفكير كثير من الناس للأسف الشديد. مع أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه الكريم أنه إنما جعل هذه الدنيا ممراً للآخرة ومزرعة للآخرة، وأخبر عز وجل في كتابه الكريم أنه يدعو عباده إلى عمارة آخرتهم: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. مع أن المستقبل بيد الله سبحانه وتعالى، ومن اتقى الله وراقبه واستقام على دينه وأدى أمره وانتهى عن نواهيه فالله سبحانه وتعالى لا يضيعه أبداً، لأنه القائل عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. نعم، عباد الله، فينبغي أن نعيد النظر في هذا الأمر، وأن نجعل هممنا، وأن نجعل أعظم أهدافنا: كيف ننجو غداً، وكيف نسعد غداً، وكيف نبني لتلكم الدار الباقية وتلكم الحياة المستمرة التي هي حياة أهل الإيمان والتقوى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. الآخرة عند ربك للمتقين. أما الدنيا فيشترك في نيل حبوبها والتمتع بملذاتها والوصول إلى شهواتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصالح والطالح. ولكن الآخرة جعلها الله عز وجل خالصة لأهل الإيمان والتقوى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فيا عبد الله، يا عبد الله، احذر أن تكون من المحرومين، أن يكون حبك من حياتك إنما لأجل الدنيا، ثم تكون من الخاسرين، ثم تكون من الخاسرين، ثم تكون من النادمين الذين أخبر الله عز وجل عنهم في كتابه الكريم أن الواحد منهم يقول متحسراً ومتندماً يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. ما هذه الحياة التي تمنى هؤلاء المقصرون أن يكونوا قد قدموا لها؟ إنها حياة الآخرة. الآخرة، عباد الله، فيها الأهوال، وفيها الشدائد، وفيها الكروب، وفيها السعادة والشقاوة، وفيها الربح والخسارة، وفيها الارتفاع والانخفاض، وفيها التفاوت بين الناس. فالآخرة تحتاج إلى عمل، الآخرة تحتاج إلى بذل وتضحية، الآخرة تحتاج إلى يقظة، الآخرة تحتاج إلى استعداد. لن تصل إلى سعادة الآخرة بالتكاسل والتواني والغفلة والزهد في الآخرة والإقبال على الدنيا. بل إذا أردت أن تكون من السعداء، فخير عيش وصل إليه السعداء يوم القيامة بما قدموه في هذه الحياة الدنيا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فهكذا، عباد الله، نحن حقيقة كلنا إلا من رحم الله نشترك في الغفلة، بين مستقل ومستكثر. والله عز وجل يحذرنا من فوق سبع سماوات فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. الله سبحانه وتعالى يحذرنا من فوق سبع سماوات من فتنتين عظيمتين صدتا كثيراً من الناس عن الاستعداد للقاء الله، وطال بها أو بهم الأمل: فتنة الدنيا وفتنة الشيطان. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. فع علينا عباد الله جميعاً، رجالاً ونساء، صغاراً وكباراً، فقراء وأغنياء، مسؤولين وغير مسؤولين، أن نتقي الله عز وجل في أنفسنا، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نستعد للقاء ربنا. هل تؤمن بالجنة؟ هل تؤمن بالنار؟ هل تؤمن بالقبر؟ بعذابه ونعيمه؟ هل تؤمن بالوقوف في العرصات؟ هل تؤمن بالميزان؟ هل تؤمن بالصحف؟ هل تؤمن بالصراط؟ هل تؤمن بالجنة؟ هل تؤمن بالنار؟ إذا كان الجواب نعم، فما هو الاستعداد الذي قدمته؟ هل أنت مستعد للقاء الله؟ هم أنك تموت غداً؟ افرض أنك تموت بعد غد؟ هل أنت راضٍ عن نفسك؟ هل تحللت من المظالم؟ هل استعددت بالإيمان والعمل الصالح؟ أم أننا في غفلة؟ أم أننا في تنافس في الدنيا وفي إعراض عن الآخرة؟ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. لن ينفعك أحد إذا نزل بك الموت وحال الأجل، وانقطعت الأيام، وانقطعت الأنفاس. الغني لا ينتفع بغناه، والثري لا ينتفع بثروته، وصاحب الذرية والقبيلة والعشيرة لا ينتفع بقبيلة ولا عشيرة ولا أولاده ولا زوجه ولا أقاربه ولا جيرانه ولا أصدقائه. ما الذي ينتفع به الإنسان إذا نزل به الموت وحال الأجل؟ إنه ينتفع بعمله الصالح الذي قدمه، والذي بادر إليه، والذي حرص عليه. هذا الذي تنتفع به في قبرك، وهذا الذي تنتفع به يوم بعثك ونشورك، وهذا الذي يفوز به الفائزون، ويترقى به المترقون في درجات الجنة: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. فانظر يا أخي: أن سبب السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا بسبب الإيمان والعمل الصالح، وهكذا سبب السعادة والنعيم في القبر، وهكذا في العرصات، وهكذا السلامة من الشرور والمهلكات حينما تتطاير الصحف، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله وراء ظهره. وهكذا حينما ينصب الميزان، ميزان العدل، ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين. وهكذا المرور على الصراط: فمنهم من يمر كالبصر، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالخيل، ومنهم من يجري جرياً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم مكردس في النار، ومنهم مخدوش ناج. فتأمل يا عبد الله في هذه المواقف. وهكذا السعادة الأبد في الجنة، فإن أهل الجنة حتى لو دخلوها فإنهم يتفاوتون فيها بمقدار إيمانهم وعملهم الصالح. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: «إن أهل الجنة لا يتراءون أهل الغرف فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في السماء لتفاوت ما بينهم». انظر يا مسلم، يا عبد الله، حتى أهل الجنة يتفاوتون في مقدار النعيم. إن أهل الغرف... إن أهل الجنة لا يتراءون أهل الغرف فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في السماء. أنت في الأرض تنظر إلى الكواكب، هي ضخمة وكبيرة، لكن لبعد المسافة تراها كالنقطة. وهكذا أهل الجنة يتفاوتون، فمن أهل الجنة من ينظر إلى أهل القصور العالية والمراتب الرفيعة كما ننظر في الدنيا إلى هذه الكواكب الضخمة كأنها نقر، كأنها ذر. «إن أهل الجنة لا يتراءون أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغابر في السماء لتفاوت ما بينهم». قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». بشارة لأهل الإيمان، ليست أهل المراتب العالية فقط لأهل... للأنبياء، الأنبياء في أعلى المراتب، ولكن فضل الله يأتي من يشاء، حتى أهل الإيمان والعمل الصالح بإيمانهم وصلاحهم وتقواهم وإخلاصهم يرفعهم الله سبحانه وتعالى الدرجات العاليات. فع علينا عباد الله أن نتنافس في ذلك، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، ولا ننشغل وننخدع بمال ولا بنين. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. أسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة قدير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.