شرح مختصر شعب الإيمان 18

شرح مختصر شعب الإيمان 18

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 18، 32-الإيفاء بالعقود . 33-تعدد نعم الله عز وجل وما يجب من شكرها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيفاء بالعقود و النذر و العهود

الإيفاء بالعقود من شعب الإيمان ويشمل العبادات و المعاملات، والغدر و الخيانة من صفات المنافقين. الوفاء بالعقود ضروري في العلاقات بين الناس.

العلاقة بين الوفاء بالعقود وشكر نعم الله

الوفاء بالعقود مرتبط بشكر نعم الله، والشكر يحتاج إلى شكر لكونه نعمة من الله. يجب الاعتراف بنعم الله والوفاء بالعهود مع الله و مع الناس.

أثر شكر الله على النعم وجزاء الكفر بها

شكر الله يزيد النعم، وكفرها يؤدي إلى زوالها. الإنسان مطالب بالرضا بقضاء الله وشكره على النعم الدينية و الدنيوية.

تفسير أبيات الشكر لله تعالى

المقطع يفسر أبياتاً حول شكر الله على القضاء، ويشير إلى وضوح معانيها مع وجود تفاصيل أخرى في مواضع أخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله تعالى: الثاني والثلاثون من شعب الإيمان الإيفاء بالعقود، لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله. وقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾، وقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾، وقوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ الآية. ولحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صحيح البخاري: «لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان». وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر». وحديث عقبة بن عامر الجهني في صحيح مسلم: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج». ذكر رحمه الله من شعب الإيمان الإيفاء بالعقود، وأدخل فيها كل معنى فيه عقد. وذكر كلام ابن عباس رحمه الله بتفسير الآية: يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن فكله من العقود. فأنت مأمور بوفاء ما عهدت الله عز وجل عليه مما أخذ على هذا الإنسان من عبادة الله جل وعلا والاستمساك بشرعه. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح في أخذ الميثاق من ذرية آدم ما يدل على هذا المعنى العام. فكل ما أمرك الله من الواجبات هو مما يدخل في هذه العقود، وما حرم عليك من تركها. وكذلك كل ما جعل في دين الله عز وجل. ثم ذكر النذر، يعني إيفاءه مما يتأكد بالنص الخاص والنص العام. فقد جاء فيه نص خاص: ﴿يوفون بالنذر﴾، ﴿وليوفوا نذورهم﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أوفي بنذرك». ونحو ذلك من الأدلة. وجاء فيه النص العام وهو الإيفاء بالعقود، وهذا من العقود؛ لأنه عقد عقده المسلم على نفسه. إذ معنى النذر إلزام النفس. فنذر على نفسه بكذا وكذا أن يفعل أو يترك، فعليه أن يوفي بهذا النذر إذا كان طاعة لله. وأما المعصية فلا يوفى به، لا وفاء لنذر في معصية الله، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث. وهناك تفاصيل كثيرة في أحكام النذر محلها الفقه. ولكن المقصود ها هنا أن يعلم أن هذا من مواضع شعب الإيمان، فالإيمان يزيد بأدائها وينقص بالتفريط فيها. فإن كان واجبا فنقصانه ليس نقصان الكمال المستحب، ولكن نقصانه نقصان الكمال الواجب. كما أن من العقود والعهود أعظمها وهو توحيد الله سبحانه وتعالى، ومن العقود والعهود ترك الشرك، فكله يدخل في هذا العموم. ثم ذكر العهد، سواء ما كان بين العبد وخالقه وربه سبحانه وتعالى، أو العهد فيما بين الإنسان وغيره من الناس، حتى ولو كان كافرا. فإن الإسلام يأمرك بوفاء العهد للكافر، ولا يجوز نقض العهود. وذكر آيتين في هذا المعنى: ﴿ومنهم من عاهد الله﴾، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وكذلك: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ آية سورة النحل. وكذلك العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهو يتناول جميع معاني العهود. ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود: «لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان». والغدر هو الخيانة، فالخيانة لا تجوز، محرمة، وهو نوع من أنواع نقض العهود والمواثيق. سوى أكان العقد والعهد والميثاق قد كتب أو تلفظ به أو لم يتلفظ به؛ لأنه قد يكون غير متلفظ به. فمثلا البيع والشراء بين الناس نوع من العقود، ولو لم يتلفظ الناس بعقود البيع، لكنه معنى من معاني العقود. فإذا حصلت الخيانة فيه هو نوع من الغدر. «لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان». اللواء مثل ما نقول نحن العلم، معروف اللواء في اللغة، لكن بعض الناس اليوم ربما ما يعرفه. فيرفع هذا اللواء فيعرف به أن فلان خائن خان في اليوم الفلاني فلان ابن فلان بكذا وكذا، فضيحة عظيمة أمام جميع الخلائق. بل صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لكل غادر لواء يوم القيامة ينصب له عند استه في مؤخرته»، فيكون فضيحة عظيمة أمام جميع الخلائق. تنصب له هذه الراية أنه غدر فلان ابن فلان بكذا وكذا. هذا غير ما عده الله من عظيم عذابه وعقابه للغدر والخيانة. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخيانة حتى لمن خانك، كما ثبت في السنن في حديث أبي هريرة: «ولا تخن من خانك». ولا تخن من خانك؛ قد يظن بعض الناس أن الخيانة تقتضي العدل بأن يخان من خانك، وهذا ليس بالصحيح. وأما معنى «وجزاء سيئة سيئة مثلها» يعني فيما أذن الله به، مثل الضرب الجروح قصاص، القتل لمن قتل قتل عدوان. وكل هذا يرجع إلى ولي الأمر، لكن الخيانة لا، لا يجوز، ولا تخن من خانك؛ لأن الخيانة خلق لم يجوز أن يتخلق به المسلم، فهو مع حرمته الشرعية يعتبر دناءة لا تليق بخلق المسلم. ولهذا الرجل إذا استقامت فطرته وكمل عقله لا يستعمل الخيانة، ممكن يأخذ حقه بالقوة، ولكن لا يأخذه بالخيانة. أما بالخيانة لا، ما يرضى به؛ لأنه يرى أنها دناءة، فلا يجوز للمسلم أن يتصف بهذه الصفة. وذكر حديث عبد الله بن عمر بالصحيحين: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر». فهذه صفات المنافقين، فلا يجوز للمسلم أن يتصف بها. الكذب في الحديث، والغدر في العهد، وإخلاف الوعد، والفجور في الخصومة. والفجور في الخصومة يعني ما يكون من قول وفعل منافي للعدل، فيكون فيها تعد خلاف العدل. بعضهم يفجر بلسانه يسب ويشتم، وتخرج منه كلمات قبيحة. ما كأنه هذا الذي تعرفه إذا خاصم فجر. وبعضهم يكذب ويفتري ويختلق التهم. وبعضهم ربما يتناول أفعالا فيها فجور، سواء بالمخاصم أو بقرابته. مثل حال بعض الناس من أهل الجهل ممن فيهم أخلاق الأعراب، ربما كما أخبرنا بعض القبائل يقطع أذن حمار فيذهبون يقطعون أذن الصبي من القبيلة الأخرى، هذا فجور، فجور في الخصومة. وبعضهم ربما يعتدي فيقتل عشرة. فمع ما فيه من إثم القتل العدوان، في هذا الخلق الذي هو من خلق المنافقين الفجور في الخصومة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. والشاهد منه: «وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف». هذا فيه معنى الوفاء بالعقود وعدم نقضها. وهذا عام كما تقدم فيما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى عليه، أو ما يتعلق كذلك بحقوق الناس. وسواء كانت الحقوق كما قلنا ملفوظة، مكتوبة، أو كان مما جرى بها العرف. بعض الناس يقول: «التجارة حرب المؤمنين»، ينسبونه حديثا كذبا على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام. كيف حرب المؤمنين؟ يعني غش، كذب، افعل ما تفعل من الحرام، خلاص هذا حلال. حرب المؤمنين. ربما يبيع لك شيئا مغشوشا، فإذا جئت إليه: اتق الله يا فلان، إيش فعلت؟ لماذا غششت؟ يقول: «البيع والشراء حرب المؤمنين». سبحان الله، انظر كيف الشيطان يحلل لهم الحرام بهذا الغدر والخيانة. أو ربما يقول لك: أنت ما سألت، ولا تكلمت، ما يجب علي أن أسأل. الأمانة في البيع والشراء مطلوبة، وعدم الأمانة من الخيانة، ومن الكذب، ومن نقض العهد، وغير ذلك من المعاني الدميمة. فالإنسان الشريف، فضلا أن يكون مسلما، يترفع عن هذه الأخلاق؛ فهي أخلاق رديئة لا يتخلق بها إلا سقط الناس. وأنا الفطر السليمة والعقول المستقيمة لا ترتضي مثل هذه الأخلاق الدنيئة. المسلم ينبغي أن يكون أعلى بالتخلق بالأخلاق الكريمة التي أمر بها هذا الدين. ثم ذكر حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، وهو كما ذكر في صحيح مسلم: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج». وفيه تأكيد شروط النكاح. والنساء ضعيفات، ويقع في حقهن من الظلم والعدوان ما الله به عليم. وسواء كانت هذه الشروط شروطا ملفوظة أو مكتوبة، أو كانت قد جرى بها العرف، أو أمر بها الشرع، فهذا مما يجب الوفاء به. ومما يعظم بعض الناس قد يظن أنه لا بد أن يكتب أو يتكلم به أبدا، ما يلزم. إذا جرى به العرف أو عموم الشرع أمر به، يكفي. أن يكون شرطا. أنت تزوجت هذه المرأة بالشروط الشرعية، والشروط العرفية التي لا تخالف الشرع، والشروط الملفوظة المنطوق بها. كلها تدخل في الشروط التي تجب عليك، فعدم وفائك بها يعتبر من أعظم الذنوب، خصوصا في مثل هذا الحق، فيجب الوفاء به كله. ويدخل كذلك في هذا سائر العقود الأخرى كما مر. فالأمر عام: ﴿أوفوا بالعقود﴾. قال رحمه الله تعالى: الثالث والثلاثون من شعب الإيمان: تعديد نعم الله عز وجل، وما يجب من شكرها، لقوله تعالى: ﴿قل الحمد لله﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. وقوله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، وقوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾، وغير ذلك مما من الله تعالى على عباده وذكرهم بها في كتابه. ولحديث أبي ذر في صحيح البخاري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل قال: باسمك موت وأحياء. وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور». وحديث صهيب رضي الله عنه بصحيح مسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». وبه قال البيهقي: أخبرنا الحافظ، قال: أنبأنا الحافظ أبو عبد الله، قال: أنشدني أبو عبد الله بن أبي ذهل، قال: أنشد أبو الحسن الكندي القاضي، قال: إذا كنت في نعمة فرعها؛ فإن المعاصي تزيل النعم. قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت الحسين بن يوسف القزويني، قال: سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق، قال: سمعت الجنيد، قال: سمعت السري يقول: الشكر نعمة، والشكر على النعم نعمة إلى ألا يتناهى الشكر إلى قرار. ومعناه: كون الرب سبحانه وتعالى وفقك لشكر نعمه هو هذا يحتاج إلى شكر. وكونك تستمر بالشكر يحتاج إلى شكر. وكونك لا تنساه بالشكر يحتاج إلى شكر. فإذا إلى ما لا نهاية من الشكر يحتاج الرب سبحانه وتعالى. قال: وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله في أول كتاب الرسالة: الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمه من نعمه إلا بنعمة منه. وهذا بمعنى ما تقدم. فأنت لا تشكره إلا بنعمة أخرى، وهو أن أعانك على شكره. قال: توجب على مؤدي ذلك الشكر. وبه قال: أنبأنا البيهقي، قال: أنبأنا أبو القاسم، قال: أنبأنا أحمد بن سلمان، قال: أنبأنا ابن أبي الدنيا إلى آخره. يعني عن الشافعي رحمه الله، قال: فأنشدنا محمود الوراق: لئن كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف يصح الشكر إلا بفضله. وإن طالت الأيام واتصل العمر إلا مست بالسراء عما سرورها وإن مست بالضراء أعقبها الأجر. وما منهما إلا له فيه منة تضيق بها الأوهام والبر والبحر. والمعنى: نعم الله لا تعد ولا تحصى. ومن ذلك أن توفيقه لشكره هي نعمة تستوجب الشكر. وكيف يصح الشكر إلا بفضله؟ يعني كيف تستطيع أن تشكره إلا بأن وفقك لهذا الفضل؟ فهي نعمة أخرى تحتاج إلى شكر. وإن استمررت تشكره فكذلك، هذه نعمة أخرى أن وفقك وعانك على الاستمرار على شكره. فهو يستحق الشكر ما دام النعم واصلة والشكر واقع، فكله نعم من الله سبحانه وتعالى تستحق الشكر. حتى إذا مست الضراء، فضلا عن السراء، فهو كذلك مما يستحق الشكر عليه. ووجه ذلك كما ذكر هنا موضع من مواضع شكر الرب سبحانه وتعالى على الضراء، وهو ما يعقب ذلك من الأجر، فهو يستحق بهذا الشكر. وهناك مواضع أخرى هي من معاني الشكر في الضراء، وهي ما جعل الله في الضراء من معرفة الرب سبحانه وتعالى والتذكير به. كم من إنسان غافل يتعض إذا مسته الضراء. وكذلك ما يكون من تكفير السيئات ورفع الدرجات مع تلك الأجور. وما يكون كذلك للعبد من حسن معرفة نفسه وإصلاحها، وحق خالقه سبحانه وتعالى وتأدية ذلك. ولهذا قرب العبد من ربه في الشدائد أكثر من قربه في ماذا؟ في النعم. ففي النعم يغفل إلا من رحم الله، كثير من الناس إلا من رحم الله. وفي الشدائد يرجعون في الغالب، فيكون هذا من نعم الله. وقوله: «وما منهما إلا له فيه منة» يعني مما يقتضي الشكر السراء والضراء. «وتضيق بها الأوهام والبر والبحر» يعني لعجز وضعف هذا الإنسان، يظن أن ذلك سبب يقتضي الضيق، وليس كذلك. ولهذا كان الناس مع البلاء أربعة أقسام: صاخق وهو المذموم، وصابر وهو الناجي المأجور، وراض وهو أحسن درجة من الصابر، يزداد له الفضل، وشاكر وهو أعلى هذه المراتب الأربعة. قال رحمه الله: وأخبرنا من غير رواية البيهقي جماعة بيتين فقط: إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فما لي عذر غير أني مقصر. وعدري إقراري بأن ليس لي عذر. يعني نفس الأبيات رويت بوجه آخر. وهذه الشعبة من شعب الإيمان كما رأينا في شكر نعم الله سبحانه وتعالى وتعدادها. فالإنسان يعجز عن عدها، فضلا عن شكرها. أي نعم الله. والله يقول: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ يعني فضلا عن شكرها. إن الإنسان لظلوم كفار. وقال سبحانه: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾. وذكر الآيات كما رأينا في الأمر بالشكر: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾. ومنه قوله سبحانه: ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾. فشكر الله سبب لزيادة النعم، وكفره سبب لزوالها وذهابها. انظر إلى قوم سبأ كيف لما كفروا بدلهم ربهم سبحانه وتعالى جنتيهم بجنتين أخرتين تختلف تمام الاختلاف عما كان لهم من نعمة. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. حتى النعم الدينية إذا لم يشكر الرب سبحانه وتعالى عليها نزعها منهم. فالقرآن في آخر الزمان حين لا يعمل به الناس ويهجرونه يرفعه الله من الأرض بموت حفظته. وكذلك زوال الصحف من الأرض، حتى الكعبة حين يهجرها الناس ولا يعبدون الله جل وعلا كما أمرهم، فعند ذلك يسلط الله عليها من يهدمها. وهكذا قل في سائر النعم. إذا لم يشكر الله عز وجل بأداء حقه فيها، فإنه ينزعها ويحرم الناس منها. حتى لذة الحلاوة، حلاوة الإيمان، ولذة العبادة، ينزعها الله عن هذا الإنسان إذا لم يشكر الله عز وجل فيها. ومن شكر الله الإحسان في العبادة. وذكر أحاديث كما رأينا كثيرة فيها الإشارة إلى هذا المعنى. حديث أبي ذر في دعائه عليه الصلاة والسلام. وكذلك حديث صهيب. وهذان الحديثان فيهما معاني كثيرة من معاني الشكر، فهي من المعاني الكثيرة التي تدل على الشكر. والله عز وجل يشكر على سائر نعمه، فهو يحمد لكماله جل وعلا في نفسه، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ولعظيم إنعامه على خلقه، هذان سببان للحمد. ومن إنعامه على خلقه ما أنعم عليهم من النعم الدينية الشرعية، والنعم الدنيوية القدرية الكونية، فكلها من نعم الله سبحانه وتعالى التي تستحق الشكر. بل شكره على النعم الدينية أعظم من شكره على النعم الأخرى. ولذلك أن تقارن نفسك دائما بهذه النعمة النعمة الدينية، ولا تنظر إلى ما يفوتك من الدنيا. فإن فاتك شيء فانظر إلى من هو دونك، أحرى أن لا تزدري نعمة الله عليك. وأما في الدين فانظر إلى من هو فوقك، أدعى أن تحسن في عبادة ربك. وإذا فاتك شيء من الدنيا اعلم أن الله الكريم أعلم بما هو أصلح لك، فلعل ما اختاره ربك سبحانه وتعالى لك فيه الخير لك. فأنت تحمده على حسن قضائه ولطفه سبحانه وتعالى فيه، وتسلم له بأن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. ولا يعني ذلك أن لا تأخذ بأسباب الكمال، أنت تأخذ بالأسباب، لكن إذا فاتتك بعد بذل وسعك، فلا يصيبك شيء من التسخط على قضاء الله وقدره وعدم الرضا. بل ارض، ارض تمام الرضا، وسلم له سبحانه وتعالى، وفوض أمرك إليه. فربك جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار. وما يختاره الله لنا خير مما نختاره لأنفسنا؛ فهو وهبنا هذه الحياة من العدم، وهي نعمة بحد ذاتها. فإذا نزعها منك فقد أخذ حقه سبحانه وتعالى الذي أعطاك. فكيف وقد من عليك بأن متعك ما متعك في هذه الدنيا، ثم بعد ذلك اختار لك ما فيه الخير لك، وأنت لا تعلمه. فإذا تأمل مثل هذه المعاني الإنسان لم يزدري نعمة الله عليه، وعلم أن الخير فيما يختاره الله سبحانه وتعالى له، فلا يصاب بهم ولا ضيق ولا كذلك حزن، فضلا عن تصخم قضاء الله وقدره وعدم الرضا عن ربه وخالقه. بل هو راض عن ربه وخالقه تمام الرضا؛ لما يرى من تتابع عظيم نعمه عليه سبحانه وتعالى، ولعلمه أن ما يختاره الله جل وعلا له خير مما يختاره لنفسه. وكما تقدم لا يعني ذلك أن لا تأخذ بالأسباب التي تحصل بها هذه النعم الدينية والدنيوية، ولكن إن فاتك شيء منها فكن على هذا المعنى. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن» يعني أن هذا أمر عجيب لا يكون إلا للمؤمن. وذلك إذا امتثل شرع الله كيف فسره عليه الصلاة والسلام بقوله: «إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن». إذن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. فقوله «شكر» يدخل فيه معنى الشكر بالمعنى الشرعي العام، فيتضمن أداء ما يجب في هذه النعم الدينية والدنيوية. ليس شكر اللسان فقط، ولكن شكر اللسان والقلب والجوارح. أنت تشكر الله ليس فقط بأن تقول: الحمد لله، وتظن أنك قد أديت ما عليك لا، لكن قلبك مليء بالرضا، ولسانك كثير الثناء، وكذلك جوارحك كثيرة العطاء. فبهذا يكون منك الشكر، ولا تظن أنك بهذا أنت المان بل أنت مقصر، أنت مقصر فيما أعطيت. وكذلك إن أصابته ضراء صبرا فكان خيرا له. وليس ذلك إلا للمؤمن، يعني أن الصبر وهو أقل مراتب أهل الإيمان مع البلاء والضراء هو أقل ما يفعله، فيكون بذلك له فيه الخير. وبعض أهل العلم يدخل في معنى الصبر ما هو زائد عنه من باب أولى، كالرضا والشكر، وهذا أفضل. كونه يكون شاكرا هذا أفضل، فإن لم يستطع فراضيا، فإن لم يستطع فصابر. والفرق بين هذه الثلاثة أن الصبر هو أن لا يصدر منه ما فيه عدم الرضا بالقضاء لا في قلبه ولا في لسانه ولا في جوارحه. وكذلك الرضا أعلى؛ بأنه لم يصدر منه تسخط، فصبر، وحصل في قلبه رضا، وفي لسانه رضا، وفي جوارحه رضا بالتسليم لقضاء الله وقضائه. والشاكر زاد بأن عنده شيء من الشكر فوق الرضا. الرضا كأن تقول مثلا الصابر مثلا يقول: «إن أصابت المصيبة: إن لله وإن إليه راجعون»، هذا صابر، صبر. وإذا زاد على ذلك بأن حصل منه طمأنين في القلب، ليس بقلبه شيء، قد يكون الصابر في قلبه مدافعة. لكن الراضي طمأنينة، ليس في قلبه مدافعة، وفي لسانه الرضا بالقضاء: الحمد لله، الخير فيما يختاره الله لنا. وكذلك بجوارحه الرضا بما يدل على هذا الذي قاله بلسانه. والشكر أعلى من هذا، أن يكون منه ثناء باللسان مع ما في القلب مع ما في الجوارح. قد يقول: قال: هل يمكن أن يشكر الإنسان عند المصيبة؟ الجواب: نعم. لو لم يكن إلا من شكر الله على لطف القضاء، قد يحصل للإنسان حادث تقطع يده، تخرب سيارته. أول ما ينزل من السيارة يسجد لله شكرا، هذا شكر، أو ليس بشكر؟ شكر. هو يشكر الله سبحانه وتعالى أن لطف به بالقضاء، أن لطف به بالقضاء، هذا أعظم من الصابر ومن الراضي؛ لأنه صدر منه شكر بجوارحه يدل على ما في قلبه من الشكر، وما كذلك لا تلفظ به بلسانه من الشكر. فهو يشكر الله سبحانه وتعالى على القضاء. والأبيات معناها ظاهرة، وهناك تفاصيل كثيرة تذكر في غير هذا الموضع. وإلى هنا والله تعالى أعلم.