الدرس في شرح الأصول الثلاثة 7، الدرس السابع : (8 ذو القعدة 1431هـ) (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم ... اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحنيفية تعني عبادة الله وحده والإخلاص له، وهو ما دعا إليه إبراهيم عليه السلام وجميع الرسل. الإخلاص في العبادة هو أساس الحنيفية وملة إبراهيم.
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة وأعظم ما أمر الله به، ويجب النفي والإثبات في التوحيد لتحقيقه. الشرك هو أعظم ذنب عصي به الله ويجب تجنبه.
يناقش المقطع مسألة قبول عرض المسؤولين لتخصيص مصلى مع وجود خلافات عقائدية، ويبين أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح في هذه الحالة. يوصي بالصبر حتى يتيسر إنشاء مسجد مستقل.
المقطع يتضمن دعاء للتوفيق في أمور الدين والدنيا. الدعاء هو وسيلة للتقرب إلى الله والاستعانة به في جميع الأمور.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فاتتمة لما سبق ومواصلة في القراءة في هذا الكتاب العظيم المسمى بثلاثة الأصول، وما اشتهر باسم الأصول الثلاثة للشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: اعلم أرشدك الله لطاعته، أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ومعنى يعبدون: يوحدون. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. هذه الفقرة، كما نرى وتقدم في درس سابق، هي تبع لما سبق ذكره في الدرس السابق، فهو لاحق بالمسألة الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحّد الله، لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله. وهي من المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها والعمل بها. فإن من معنى الولاء والبراء أن يعلم المسلم حقيقة التوحيد وأعظم ما أمر الله به، وهكذا كذلك خطر الشرك، وبه يعرف ما يقتضيه الولاء والبراء في هذا المقام. وابتدأ هذه الفقرة رحمه الله بقوله: اعلم أرشدك الله لطاعته، كما تقدم تمهيداً وتوطئة لما سيذكره، وتلييناً للقلوب وإظهاراً لفسن السريرة. وكما تقدم في عبارات نحوها أن العلماء ذكروا أن هذا مما يستدل به على حسن سريرة المؤلف، رحمه الله. وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله، ما حرصهم على العلم وبذله، كذلك يحرصون على الأدب والتخلق به. وأن يحرصوا كذلك على بذل الوسائل الحسية والمعنوية والعلمية والعملية في جذب قلوب الناس إلى الحق والهدى. فإن المدعو إذا سمع مثل هذه العبارة وهذا الدعاء، علم أن من يدعوه لا يحقد عليه ولا يكره له الخير، بل هو حريص على إيصال الخير إليه ومبهر لسلامة سريرته له. ولذلك فهو يدعو له، والرشد هو وضع الشيء في موضعه، ومنها يسمى الرشيد رشيداً، فمن يحسن التصرف ويضع الشيء في موضعه فهو الرشيد. فقوله رحمه الله: اعلم أرشدك الله لطاعته، أي وفقك وأعانك أن تلهم رشدك، أي أن توفق إلى وضع الشيء في موضعه في مسألة طاعته سبحانه وتعالى، وذلك بسلوك الحق واجتناب الباطل والضلال والغي. وقوله رحمه الله: أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين، إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبو الأنبياء، إمام الموحدين بسابقته وتقدمه عليه الصلاة والسلام، وبعظيم ابتلائه. فذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تنبيه لمن لم يعرف فضله أن يعرفه، ومن عرفه أن يتأكد عنده. ومن كذلك عرفه أن يضيف إليه أن دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تختلف عن دعوته عليه الصلاة والسلام. ومعنى الحنيفية أي دعوة التوحيد التي هي حقيقة ملة إبراهيم ودينه الذي دعا الناس إليه، وهو عبادة الله عز وجل بالإخلاص له وحده، بحبه والتوجه إليه وعبادته وحده لا شريك له. وفي مقابل ذلك بالكفر بما سواه وترك عبادة غيره، وكذلك عدم الالتفات بل وبغض كل ما يعبد من دون الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وهذا يدل أن ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام ما هو إلا تكملة وصلة لما جاء به إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فالحنيف هو المائل من الباطل إلى الحق، والحنيفية هي دعوة الرسل جميعاً بالميل عن الشرك وأهله والإقبال على التوحيد وأهله، وهذا هو المقصود. وقوله رحمه الله تعالى: مخلصاً له الدين، الدين يتناول كل ما أمر الله عز وجل به من أمر ونهي وقول وفعل، بل كل ما يكون عليه الناس ينبغي أن يكون لله خالصاً، أقوالهم وأفعالهم، الأوامر والنواهي، حتى المباحات يتعبدون لله عز وجل بها. ولهذا أدخل العلماء المباح في جملة التكاليف الشرعية التي أمر العباد بالتعبد لله عز وجل بها. وهذا الفرق بين الموحد وبين الكافر والمشرك والمنافق، أن الموحد دان لله عز وجل في كل شيء. وقوله: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، التأكيد لهذه الخصيصة والعمومية هذا المعنى الذي هو دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام جميعاً. وقوله: كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، استدل بهذه الآية، وقد تقدم معنا معنى العبادة أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وقوله: ومعنى يعبدون يوحدون، جاء ذلك عن ابن عباس في تفسير الآية. وقوله رحمه الله: وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، هذا التعظيم علم بدلالة الشرع، وهكذا كذلك العقل الصحيح والفطرة، بل والحس. فإن من تأمل الأدلة الشرعية علم أن أعظم ما أمر الله به التوحيد، ولهذا كان هو مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، بل بها يدخل المسلم وبها يخرج من هذه الدنيا. كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وهو أعظم ما يسأل عنه العبد في الدنيا وفي الآخرة، وأول منازل الآخرة القبر. وفي حديث أسماء في صحيح مسلم أن العبد يسأل: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأعظم ما أمر الله به التوحيد، والتوحيد عبادة، بل من أعظم العبادات وفريضة من أجل الفرائض. فهي تتناول كل العبادات والطاعات تدخل فيها، فمن كمل توحيده كمل طاعته، ومن نقص توحيده قل طاعته. وقوله: وإفراد الله بالعبادة، يعني حقيقة التوحيد أن يفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وهذه العبادة كما تقدم متضمنة لمعنى المحبة والتعظيم. فيفرد سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فيثبت له كل كمال وينزه سبحانه وتعالى عن كل معاني النقص والعيب. وهذا من معاني إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، فلا يشرك معه أحد، لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا صالحاً من الصالحين. بل العبادة تكون لله عز وجل وحده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وطاعته جل وعلا، تدخل في أحد المعاني الثلاثة المتقدمة. فإذا علمنا ذلك تحقق ما أشار إليه رحمه الله من أن في مقابل ذلك أعظم ما نهى عنه الشرك. ومعنى الشرك: النصيب، وهو أعظم ذنب عصي به الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. بل قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فإذا كان هذا في حق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهم المنزهون عن معصيته، فضلاً عن الشرك به، ومع ذلك توعد بهذا الوعيد، فمن دونهم من باب أولى. وإن دل ذلك على شيء، دل على أنه أعظم الذنوب على الإطلاق، ولهذا تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة في النهي عن الشرك والتحذير منه. وهو من أعظم الحقوق التي يعتد بها على حق الله سبحانه وتعالى، ولهذا تبتدأ الحقوق بالتحذير من هذا الانتهاك العظيم، وما أكثر الآيات في هذا الباب. وقوله: «واعبد الله ولا تشرك به شيئاً»، وبه نعرف كما تقدم بدروس سابقة أن التوحيد حقيقته نفي وإثبات، ولا يتم توحيد موحد إلا بالنفي والإثبات. فإذا لم يتحقق النفي والإثبات لم يتحقق التوحيد، ولهذا كانت كلمة التوحيد نفي وإثبات: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. فتنفي العبودية والألوهية ومعاني الربوبية والتعظيم عما سوى الله، وتثبتها لله عز وجل وحده. فمن عبد الله وعبد معه غيره لم تنفعه عبادته لله، ومن زعم أنه موحد لله وقد وقع في عبادة غيره، فهو كاذب في ذلك الادعاء، وحاله كحال المشركين. فلا يتم التوحيد ولا تتحقق العبادة إلا بالكفر عما سوى الله وعبادة الله عز وجل وحده والإيمان به واستكمال معاني طاعته. ثم قال: والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، أي جمع بين العبادة والنهي، الأمر بالعبادة والتوحيد، والنهي عن الشرك. وهذه الآية تسمى بآية الحقوق العشرة، لأنه ذكر فيها الحقوق، وتقديم هذا الحق دل على أولويته وأهميته، وأنه أعظم الحقوق كما تقدم. فهو أعظم ما أمر الله به، والشرك أعظم ما نهى عنه سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. الآن ننظر إلى سؤال أرسل به الإخوة، يقول السائل: عندنا مسجد واحد في المدينة، والحمد لله، مع الإخوة أنشأنا جمعية إسلامية بهدف إنشاء مسجد في الضفة الأخرى من المدينة، بحاجة المسلمين إلى مصلى قريب لمساكنهم، وكذلك لكثرة الشباب في المنطقة، وهم في أمس الحاجة إلى من يقربهم من دين الإسلام ويبعدهم عن الإجرام وتناول المخدرات. ولا يفوت أن يشير إلى أن المسجد الأول يبعد عن الضفة الأخرى بحوالي خمسة كيلومترات، وبعد أول لقاء مع المسؤولين في الولاية اقترحوا علينا أن يعطونا مكاناً للصلاة بشرط أن يكون تابعاً للمسؤولين في المسجد الكبير لعلاقتهم الوثيقة بهم. السؤال: هل يمكننا قبول هذا العرض لضم المصلى تحت مسؤولية المسجد الأول؟ علما أن لنا خلافات دائمة مع المسؤولين في مسائل العقيدة والمنهجية، وكذلك لمحاربتهم الدعوة السلفية بنشر الأكاذيب والافتراءات، وكذلك لنصرتهم لجماعة التبليغ والإخوان في أكثر من موقف. وبعد التشاور مع الإخوة اختلفنا في هذه المسألة، فالبعض يقول بقبول الاقتراح وبذلك نكون قد قضينا مصلحة لسكان المنطقة، والبعض الآخر يقول بعدم قبول هذا العرض، وبالرفض، لأن قبول هذا العرض سيجعل المصلى الجديد فرعاً للمسجد الكبير، وبذلك ينقلون كل معتقداتهم وانحرافاتهم إلى الشمال. بل الصبر والتعاون فيما بيننا في إنشاء مصلى ولو متواضع دون طلب المساعدة من أي كان، مع العلم أن الأمر لن يكون سهلاً دون طيب خاطر. أنصح الإخوة القائمين على الدعوة في المنطقة أن يجلسوا فيما بينهم ويتفقوا على النظر في هذه القضية بمراعاة المصالح والمفاسد فيها. فإن وصلوا إلى حل فالحمد لله، وإن اختلفوا فيصيغوا سؤالاً باتفاق الجميع يكون فيه الوصف الصحيح للمسألة، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فالظاهر والله أعلم أن درء المفاسد في مثل هذه الحالة أولى من جلب المصالح، فكونه سيكون تبعاً ومقيداً بالمسجد المذكور، وأن المسجد يتسلط عليه بعض من لهم عداوة لأهل الدعوة السلفية، وكذلك ميل لأهل الأهواء، فهذا خطر وضرر. بل ربما ينسب من في المسجد إلى هذه الجماعة، فيكون في هذا سوء الظن بهم، مع ما فيه من استعمال هذا المسجد في نصرة تلك النصرة الباطلة، وغير ذلك مما يترتب من تسلط أمثال هؤلاء على مثل هذا المسجد. لكن لو أمكن أن يكون بحكمة ورحمة ورفق، ولي إقناع المسؤولين بأن يكون مسجداً ولو صغيراً بعيداً عن أي تبعيات، حتى لا يلحقكم شيء من جريرة هذه التبعيات، فإن تيسر وإلا صبرتم حتى يتيسر في وقت لاحق. وكما تعرفون هذه الكراسي ما تدوم لأحد، فالمجالس البلدية إن كان فيها أحد متعاطف اليوم، لعله غداً يزول هذا المتعاطف ويأتي غيره، فتصبرون قليلاً خير من إقامة مسجد تكون فيه مفاسد وتسلط أمثال هؤلاء. والله تعالى أعلم، وإن كان هناك وصف آخر يحتاج أن ينضاف فكما قلت: الأولى أن يجتمع الجميع ويصاغ سؤال فيه الوصف الدقيق الصحيح الموافق للواقع في هذه القضية، وهكذا في غيرها من القضايا. وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً.