الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 6، الأصول الثلاثة التي يجب على .الأصل الأول-معرفة الله تعالى. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع الأول الأصول الثلاثة التي يجب على كل مكلف معرفتها والعمل بمقتضاها، ويبين أهمية معرفة العبد لربه بكتاب الله وعلى لسان رسوله. هذه المعرفة ضرورية لعبادة الله على بصيرة ويقين.
يؤكد النص على أهمية معرفة الله تعالى ورسوله ودين الإسلام لتحقيق العبادة الحقة. معرفة الله تنبع منها خشيته ومعرفة حقوقه، ودين الإسلام يشمل عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وسلوك.
الخلق جميعًا مملوكون لله تعالى، يفتقرون إليه في الحياة ويرجعون إليه بعد الممات. نعم الله لا تحصى، وهو المختص بمعاني الربوبية في أفعاله وأسمائه وصفاته.
يتطرق المقطع إلى أن تفرد الله في ربوبيته يستلزم تفرده في ألوهيته. الإقرار بتفرد الله في ربوبيته يؤدي إلى الإقرار بتفرده في الألوهية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على الأصول الثلاثة: قال قوله رحمه الله: «فإذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها»، قال: أي إذا سألك سائل فقال لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على كل مكلف معرفتها والعمل بمقتضاها؟ وهو المراد بالإنسان، لأن المراد بالإنسان المكلف، وهو البالغ العاقل. وإن كان هذه الأصول وعلمها حتى الصبي. وفي هذا الإيراد أسلوب من أساليب التعليم، التعليم بطريق السؤال والجواب، فإنه أدعى لتنبه المعلم إلى ما يورد عليه من العلم، وكذلك لتشوقه لمعرفة الجواب وتهيئته لحفظه. وكذلك من فوائده ثالثًا: أنه كذلك سبب لضبط هذا العلم من قبل المعلم والمتعلم، فيضبط السؤال ويضبط الجواب. وهذه الأصول الثلاثة ليست هي كل واجبات الدين إلا شك، ولكن يرجع إليها واجبات وفرائض الدين يدخل فيها. ولهذا كان العبد إذا أدخل في قبره يسأل عن هذه الأصول الثلاثة، فهي أصول مأخوذة من ما ورد في صحيح مسلم وغيره من هذه الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها العبد إذا أدخل في قبره. قال رحمه الله: وقوله: «فقل معرفة العبد ربه»، قال: أي بما تعرف به إليه بكتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من وحدانيته وأسمائه وصفاته، يعني وحدانيته في ربوبيته وألوهيته، وهكذا في أسمائه وصفاته وما يسمى ويوصف به من الأسماء الحسنى والصفات العلى سبحانه وتعالى. قال: وهذا أصل الأصول، فيجب علينا معرفته لنعبده على بصيرة ويقين. ومن لم يعرف ربه سبحانه وتعالى لم يعبده وإن عبده بغير بصيرة ويقين. ولهذا كان المؤمن الذي يكمل في معرفته لربه سبحانه وتعالى أكمل المؤمنين تحقيقًا لعبادته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، لكمال معرفتهم بربهم وخالقهم سبحانه وتعالى. عرفوا فقر أنفسهم وضعفها وعجزها وحاجتها إلى خالقها وتقصيرها وتفريطها، وعظيم حق الله سبحانه وتعالى عليها. ونظروا إلى ربهم سبحانه وتعالى فعرفوا عظمته وكبير حقه سبحانه وتعالى، فأورثهم اعترافًا بنقص أنفسهم وإعظامًا لحق خالقهم، فكملت عند ذلك خشيتهم لربهم وخالقهم سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وقوله: «ودينه»، أي الذي تعبدنا به، وهو فعل ما أوجب علينا أن نفعله وترك ما أوجب علينا أن نتركه. وهذا أصل عظيم، فيجب علينا معرفته، وهو يحتاج لعلم كذلك. فهذا مما يجب تعلمه. ودين الإسلام يتناول عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وسلوك وأخبار، فنؤمن بالخبر ونصدق به، ونمتثل الأمر ونقف عنده، ونجتنب النهي ونجانبه. فإذا حققنا ذلك بتحقيق هذه الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة في هذا الدين، فنحن بإذن الله كنا من المسلمين المؤمنين. قال رحمه الله: وقوله: «ونبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم»، قال: فإنه الواسطة بيننا وبين الله عز وجل، ولا طريق لنا إلى ما تعبدنا به إلا بما جاء به صلى الله عليه وسلم. وهو وإن كان بشرًا، فأهمية معرفته من أهمية معرفة مرسله وما أرسل به، أي الله سبحانه وتعالى. قال: وذكر المصنف رحمه الله هذه الأصول الثلاثة مجملة، ثم ذكرها بعد مفصلة أصلا أصلا، تتميمًا للفائدة وتنشيطًا للقارئ، فإنه إذا عرفها مجملة وعرف ألفاظها وبطها، بقي متشوقًا إلى معرفة معانيها، وهي المقصود بهذه النبذة وما تقدمها من المسائل. قال رحمه الله: قوله: «فإذا قيل لك من ربك»، قال: هذا شروع في تفصيل الأصول الثلاثة التي تقدمت مجملة، ذكرها هنا مفصلة. فكأنه قال: الأصل الأول من أصول الدين الثلاثة التي يجب على العبد معرفتها، إذا قال لك قائل: من ربك؟ أي من خالقك ورازقك ومعبودك الذي ليس لك معبود سواه؟ وسمي يا الرب ربا لأن العباد مربوبون له، يدبر أمرهم، فيفتقرون إليه. فهو المالك، مأخوذ من معنى الملك. فكل الخلق مملوكون لله سبحانه وتعالى، خلقهم من العدم، ويفتقرون إليه في الحياة، ويرجعون إليه بعد الممات، فهو ربهم مالكهم ومدبر أمرهم. قال رحمه الله: وقوله: «فقل ربي الله الذي رباني»، أي فقل ربي هو الله خالقي ومالكي ومعبودي الذي أوجدني من العدم ورباني بالنعم الظاهرة والباطنة. فكل فعل من أفعاله مما رب به سبحانه وتعالى خلقه، فهو رب لخلقه جل وعلا. قال رحمه الله: وقوله: «ورب جميع العالمين بنعمه»، قال: أي أوجدهم من العدم وغذاهم بالنعم. ونعم الله لا تحصى، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فلله نعمة الإيجاد ونعمة التغذية وسائر نعمه الظاهرة والباطنة. قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، أي مضى عليه زمن طويل من العصور والدهور لم يكن فيها شيئًا مذكورًا. فخلقه الله أوجده من العدم، ثم رباه بالنعم، ثم دبر أمره سبحانه وتعالى ظاهرا وباطنا، ولم يزل كذلك حتى يرجع إليه سبحانه وتعالى. قال: والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: أي الحمد هو الثناء على المحمود بما يحبه وإجلاله وتعظيمه. والاسم الشريف، أي لفظ الجلالة، علم على ربنا تبارك وتعالى، لا يسمى به سواه. قال: والرب المالك والسيد، هذا معناه في اللغة. وأما في الشرع وما يتعلق بالله، فهو أوسع من هذا. فالرب هو الله المختص بمعاني الربوبية جل وعلا في أفعاله وأسمائه وصفاته، فهو المختص بذلك كله. قال: ولا يطلق إلا على الله تعالى. وإذا أطلق على غيره يطلق مقيدًا، فيقال: رب الناقة، أي مالك الناقة. وأما مطلقًا فلا يطلق إلا على الله سبحانه وتعالى. قال: وكل من سوى الله عالم، وجمعه عوالم وعالمون. فالوجود قسمان: رب ومربوب. فالرب هو المالك سبحانه، المتفرد بالربوبية والإلهية. والمربوب هو العالم، وهو كل ما سوى الله من جميع الخلائق. قال: وقوله: «وأنا واحد من ذلك العالم»، قال: أي وأنا أيها الإنسان واحد من جملتي تلك المخلوقات المربوبة، المتعبدة بأن يكون الله وحده هو معبودها وحده. فإذا تقرر ذلك، تقرر بعده أن يفرد الله سبحانه وتعالى في ألوهيته، لأنه المتفرد في ربوبيته.