التعليق على عقيدة السلف للصابوني 4

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 4

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مبحث القرآن كلام الله

يبدأ الشيخ بتوضيح اعتقاد أصحاب الحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويبين دلائل هذا الاعتقاد من الكتاب والسنة. يُؤكد أن من قال بخلق القرآن فهو كافر عندهم.

تفصيل عقيدة أهل الحديث في القرآن

يشرح المقطع اعتقاد أهل الحديث بأن القرآن كلام الله ووحيه، مستندين إلى دلائل الكتاب والسنة، ويؤكد أن القرآن نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غير مخلوق.

الاستدلال على أن القرآن غير مخلوق

يستدل العلماء على أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأدلة من الكتاب والسنة، ويعتبرون من زعم خلقه كافراً لأنه كذب بالقرآن والسنة وجعل صفة الخالق مخلوقة.

خاتمة وتأكيد على العلم عند الله

ينتهي الحديث حول موضوع القرآن كلام الله غير مخلوق، مع التأكيد على أن العلم عند الله تعالى، ويُتبع ذلك تمنيات بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -رحمه الله تعالى- تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بعد يدي بدء، نشكر للشيخين الفاضلين هذه النصائح النافعة وهذه التوجيهات الموفقة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيهما خير الجزاء، وأن يجعلنا وياهم مفاتيح خير، مغاليق شر وضير، وأن يعيننا وياهم على التعاون على البر والتقوى لما فيه الخير للجميع، اللهم آمين. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- مما ابتدأ ذكره في ذكر بعض الصفات مجملة، وفي ثنايا ما ذكر، ذكر -رحمه الله- القاعدة في إثبات الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تبديل، وعبر عنها بتعبير آخر، فقال: من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكيف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة. وعلمنا معنى هذه الألفاظ. ومر معنا أنه فرق بين التحريف والتبديل. فما هو الفرق بين التحريف والتبديل؟ التبديل تغيير اللفظ الكلي، مثل: استواء، استولاء. والتحريف مثل: نعم من نعم، هذا بالنسبة ليهود. لكن نريد باب الأسماء والصفات. استحضر شيئًا تحريفًا. نحن نريد ماذا؟ نريد ما يتعلق بالمعطلة من جهمية ومعتزلة. كيف؟ آه، وكلم الله، وكلم الله يعني أن موسى المتكلم. كذلك، ولكن في شيء آخر كذلك، كلم من التجريح كذلك، وهذا تحريف؛ لأن كلم ليس من التجريح. كيف عرفنا أنه ليس من التجريح؟ نعم، أنه أكد بالمصدر تكليما، أي من الكلام، وليس من الكلم؛ لأن مصدر الكلم إذا أراد به كلم، أي جرح، كان يقول: كلمة، وليس تكليما. ومر معنا مما ذكره -رحمه الله- كذلك قوله: ولا تغيير، ولا إزالة. ما هو الفرق بين التغيير والإزالة؟ التغيير: تغيير اللفظ، ويبقى المعنى. مثال: ليس لازم أن يبقى المعنى. تغيير اللفظ، والغالب معه إزالة المعنى. مثل: لما خلقت بيدي، غيروا هذا اللفظ، فقالوا: لما خلقت بنعمتي. وهذا تحريف من جهة التغيير؛ غيروا اللفظ، ولا دليل على هذا التغيير. والإزالة: مثال الإزالة؟ هم؟ من عنده مثال؟ إزالة: تعطيلها؟ ما سمعت؟ الساق كيف؟ ماذا؟ كيف أزالوها؟ إزالة: كيف أزالوها؟ مثل: نفي الاسم والصفة. فالمعتزلة يقولون: عليم بلا علم. يعني أزالوا اللفظ ومعناه. مثل الجهمية، أزالوا اللفظ والمعنى، فلا يثبتون اسم عليم، ولا صفة العلم. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: قال الشيخ أبو عثمان: «ويشهد أصحاب الحديث...». هذا أو الذي قبله؟ «وآيات الكتاب...». طيب. قال -رحمه الله تعالى-: «وآيات الكتاب وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح المنير الناطقة بهذه الصفات وغيرها كثيرة يطول الكتاب بإحصائها، وذكر اتفاق أئمة الملة وعلمائها على صحة تلك الأخبار الواردة بها، وأكثرها مخرج بالأسانيد الصحيحة في كتاب الانتصار...». وشرطنا في أول هذا الكتاب الاختصار والاقتصار على أدنى المقدار دون الإكثار برواية الأخبار وذكر أسانيدها الصحيحة عند نقلة الآثار ومصنفي المساند الصحاح الكبار. ومعنى أن بصد ما يذكر من أدلة ما ذكر يطول؛ لأنها دلائل كثيرة التي دلت على مباحث الصفات التي سبقت الإشارة إليها، ولأن هذا الكتاب كتابًا مختصرًا، فيكتفي بذكر بعض تلك الأدلة. ولذلك، حال إلى كتاب «الانتصار» الذي ذكر فيه الأدلة مبسوطة. ومضات هذه الأدلة كتب أكبر من هذا، مثل كتاب «شرح حصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للألكاء، وهكذا كذلك مثل كتاب «السنة» للخلال، وغيرها من كتب السنة والاعتقاد التي اعتنت بأدلة مسائل الاعتقاد بذكر تلك الآثار مسندةً مرفوعةً وموقوفةً ومقطوعة، وغير ذلك مما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الدين. قال -رحمه الله تعالى-: قال الشيخ أبو عثمان: وفي نسخة بحذفها قال: «ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم...». والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون، بشيرًا ونذيرًا، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وهو الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم أمته كما أمر به، كما أمر به بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾. فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه عز وجل. وفيه قال صلى الله عليه وسلم: «أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي؟». وهو الذي تحفظه الصدور وتتلوه الألسنة ويكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ وحيث تلي وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام وألواح صبيانهم وغيرها، كله كلام الله، كلام الله جل جلاله غير مخلوق. فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. جعل -رحمه الله- هذا الفصل في الكلام على مبحث القرآن. فقال -رحمه الله-: «ويشهد أصحاب الحديث...». وقد تقدم معنا أنه يسرد في هذه الجمل من مسائل الاعتقاد عقيدة أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح، بما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. فمما يعتقدون ويشهدون -والشهادة هو عقد وتأكيد المشهود به وإشهاره- فشهادة أصحاب الحديث هو ما يعتقدونه ويقرون به ويعلنون به، مما هو من مسائل الاعتقاد العظام، يعني مما وقع الاتفاق واشتهر أنه عقيدة أهل الإسلام. وفي هذا فائدتان: الفائدة الأولى: أن عقيدة أهل التوحيد والإيمان عقيدة معروفة مشهورة، فهي شاهدة يشهدها الحاضر والغائب ولا تخفى. ولذلك يعبر عنها بالشهادة. والثاني: أن ما بسط في هذا الكتاب مما عبر به بهذا التعبير هي من المسائل المشهورة المتفق عليها. ومعناه: أنه قد توجد مسائل صغار وقع في بعضها شيء من الخلاف، ليس هي مما تعرض لها. وهذا يفيد طالب العلم أنه ينبغي في مثل كتب الاعتقاد الاعتناء بالفرق بين المسائل التي هي من أصول الاعتقاد التي اتفق عليها أهل الإسلام وأهل السنة والجماعة، أهل الحديث والأثر، وبين بعض المسائل الصغار التي قد يذكرها البعض، وربما بعضهم يشدد فيها، ولكنها ليس مما اتفق عليها. على سبيل المثال: مسألة من المسائل التي ذكرها بعض أهل الحديث والأثر واعتنوا بذلك ببعض الآثار، لكن على الصحيح لم تصح على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثل الآثار في إجلاس النبي صلى الله عليه وسلم على الكرسي، ونحو ذلك المروي عن مجاهد وغيره. إما شدد وشنع فيه بعض الأئمة، والمسألة في الحقيقة مما قد وقع فيه الخلاف، وليس هي من مسائل الاعتقاد الكبار التي يشهد عليها ويتفق عليها أصحاب الحديث والأثر. فننتبه لمثل هذا. وقوله -رحمه الله-: «ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه...». كلامه هذا دلت عليه دلائل الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِن أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فسمى القرآن كلامًا له سبحانه وتعالى. فالقرآن كلام الله تكلم به سبحانه وتعالى، وأنزله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكونه تكلم به جبريل، فهو ناقل لكلام الله جل وعلا. فالكلام ينسب لمن قاله ابتداء. فكونه نقل عن الله عز وجل عبر جبريل، ونقله النبي صلى الله عليه وسلم للناس من بعده، لا يخرج هذا أن يكون كلامًا لله. فالكلام يرجع لمن قاله ابتداء. ولهذا يقول أهل السنة والجماعة: منه بدأ وإليه يعود. أي ابتدأ الكلام من الله فيرجع إليه وصفًا. وكذلك صفة، فالله قاله ابتداء فيرجع إليه وينسب. فإذا تلي بالألسنة أو حفظ في الصدور أو كتب في المصاحف، لا يخرج ذلك كله أن يكون هو كلام الله الذي تكلم الله به ابتداء. مثل ما تقول: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». فإذا قلت أنت: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا حديث من؟ حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فكونك نقلت هذا الحديث، ونقله عنك أناس، ويتناقله الناس جيل بعد جيل، لا يخرج تناقل الناس هذا الكلام أن يكون كلامًا للنبي صلى الله عليه وسلم. فينسب الكلام لمن قاله ابتداء، فهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك كلام الله، فمن الخطأ أن يقال: أن المنقول الذي نقله جبريل أو نقله النبي صلى الله عليه وسلم هو حكاية عن كلام الله أو عبارة عن كلام الله. هذا تحريف لما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه، وأخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. الله سماه كلامًا له جل وعلا. ثم يأتي إنسان فيقول: إنما هو حكاية أو عبارة عن كلام الله. فيزعمون أن الموجود هو معنى اللفظ الذي تكلم الله به. وهذا كذب على الله وعلى كتابه وعلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فننتبه لهذا. فالقرآن كلام الله بنص القرآن ونص السنة. أما القرآن، ما سمعنا. وسيأتي من السنة ما يدل على ذلك في حديث جابر الآتي إن شاء الله. وقوله: «وكتابه...». لأن الله عز وجل سمى القرآن كتابه سبحانه وتعالى في آيات. «ووحيه...». كذلك سماه الله عز وجل وحيه. وحيه: فما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو كتاب الله. وقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث ابن عباس وغيره-: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي». فالقرآن كتاب الله. وهكذا كذلك «ووحي من الله...». أوحى الله عز وجل به الله عز وجل به جبريل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام، كما أخبرنا الله بذلك في آيات عدة. قال: «وتنزيله غير مخلوق...». يعني نزل به جبريل، كما في الآية التي ستأتي: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. هذا وصف ماذا؟ وصف القرآن. فالقرآن نزله الله، ومن الذي نزل به؟ «الروح الأمين»، أي جبريل عليه الصلاة والسلام، على من؟ على قلب نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونزل بلسان عربي مبين. فهذا هو وصف القرآن. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. أي القرآن. وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾. أي القرآن. وقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فالقرآن أنزله الله سبحانه وتعالى من عنده. فالله تكلم به ابتداء، وأنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عبر رسوله ومن اصطفى من ملائكته، وهو جبريل عليه الصلاة والسلام. وقوله: «غير مخلوق...». دلت أدلة الكتاب والسنة -وسيأتي معنا إن شاء الله- على أن القرآن كلام الله وكتابه ووحي وتنزيله غير مخلوق. واستدل العلماء بأنه غير مخلوق بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة. ومن هذه الأدلة من الكتاب قول الله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. ففرق بين الخلق والأمر. والأمر منه الأمر الكوني والشرعي. ومن الشرعي القرآن. فعلم أن الخلق غير الأمر. فالقرآن -وهو الأمر- ليس بمخلوق. وقد استدل الإمام أحمد -رحمه الله- بهذه الآية على أن القرآن ليس بمخلوق. وهكذا من السنة دلائل كثيرة. ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء: «أعوذ بكلمات الله التامات». فتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليم أمته بالتعوذ بكلمات الله، هذا يدل أن كلمات الله عز وجل ليست بمخلوقة؛ لأنه لا يتعود بمخلوق. لا يتعود بمخلوق. وفي المناظرة التي وقعت للإمام أحمد -رحمه الله- استدل كذلك بهذا الحديث على أن القرآن ليس بمخلوق. قال -رحمه الله-: «ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم...». لماذا كافر؟ لأنه كذب نص القرآن والسنة. كذب نص القرآن والسنة. ومن زعم أن كلام الله مخلوق، فقد وقع في الكفر من جهتين: الجهل الأولى: تكذيبه لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والجهة الثانية: أنه جعل صفة الخالق مخلوقة. جعل صفة الخالق مخلوقة. ومن جعل صفة الخالق مخلوقة، فقد وقع في الكفر والعياذ بالله. وقوله -رحمه الله-: «والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون، بشيرًا ونذيرًا...». إلى آخره. يريد أن هذا القرآن هو هذا الذي أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس. وكل هذا هو القرآن، وهو كتاب الله، وهو كلام الله، وهو وحي الله، وهو كذلك تنزيل الله الذي أخبر الله عز وجل به بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وقوله -رحمه الله-: «وهو الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم أمته كما أمر به...». بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾. يعني أن الله عز وجل أنزل عليه القرآن -كما مر معنا في الآيات الثلاث في ما سبق قريبًا- فأنزل عليه القرآن، وأمر بتبليغ هذا القرآن الذي أنزل إليه عليه الصلاة والسلام. فإذن القرآن الذي أنزل، وأوله سورة الفاتحة، وأخيره سورة الناس، كله منزل من عند الله، وكله كلام الله، ليس فيه شيء هو كلام جبريل، ولا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه شيء هو حكاية أو عبارة عن كلام الله، وليس هو من كلام الله، بل كل ما في ذلك الكتاب العظيم هو كلام الله سبحانه وتعالى وحده، ليس فيه شيء من كلام خلقه، ولا كذلك من أحرف أحد من خلقه. وقوله: «فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه عز وجل...». يعني فهذا الذي بلغ الناس به، وهو هذا الذي نتلوه بالألسن، ونحفظه بالصدور، ونكتبه بالمصاحف، كله كلام الله عز وجل. ثم استدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي؟». وهو حديث جابر بن عبد الله الذي جاء عند بعض أصحاب السنن: عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، والدارمي، وغيرهم. والبخاري في «خلق أفعال العباد»، وجماعة بأسانيد صحيحة. والشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: «أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي؟». وفي رواية: «إن قومي منعوني أن أبلغ كلام ربي، فهل من رجل يحملني لأبلغ كلام ربي؟». فسمى القرآن كلامًا لله عز وجل. فهذا هو الشاهد. وقوله: «وهو الذي تحفظه الصدور وتتلوه الألسنة ويكتب في المصاحف...». كيفما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ، وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم، وغيرها، كله كلام الله، كلام الله جل جلاله غير مخلوق. يريد -رحمه الله-: كيفما تصرف بهذا القرآن، فهو كله كلام الله. سواء كتب في المصاحف، أو تلي وقرئ بالألسن، أو حفظ في الصدور، أو كتب على الألواح، أيما كيفية تصرف به، فأصله كلام الله سبحانه وتعالى. فكله كما قال: كلام الله عز وجل غير مخلوق. أي هذا القرآن. وقوله: «فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم...». تقدم معنا لماذا هو كافر؟ لأنه كما تقدم: كذب بالقرآن والسنة، ولأنه جعل صفة الخالق مخلوقة. فلهذين السببين يصير من قال: أن القرآن مخلوق، كافرًا بالله العظيم. وسأتي معنا إن شاء الله التنبيه والتفريق بين فعل الفاعل وصفة المخلوق، وما كان من كلام الله المنقول الذي ينقله ذلك المخلوق. فنحن نفرق بين اللفظ والملفوظ، وبين القراءة والمقرؤ، وبين الكتابة والمكتوب. كما سيأتي معنا إن شاء الله. فالمقرؤ والمحفوظ والمتلو والمكتوب من القرآن، كله كلام الله. والتلاوة والحفظ والقراءة، وكل ما كان من فعل المخلوق، فهو مخلوق. وصفة المخلوق مخلوقة. وصفة الخالق ليست بمخلوقة. كما سيأتي معنا إن شاء الله في موضعه. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.