الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 57، الدرس السابع والخمسون:من( قال أبو داود رحمه الله:حدثنا أبو توبة أخبرنا معاوية ... فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة غزوة حنين ودور أنس بن أبي مرثد في الحراسة ليلًا، حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحراسة وأخبره بما سيحدث غدًا. تحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوة.
يُظهر الحديث مشاورة النبي لأصحابه وحرصه على رفع معنويات الجيش، كما يبين شجاعته وحنكته في الحرب. يتضمن فضيلة أنس بن أبي مرثد الغنوي ويشير إلى تأييد النبي بالوحي والإلهامات الغيبية.
يؤكد المقطع على أهمية الجمع بين العمل بالأسباب الشرعية والقدرية في حصول المحبوب ودفع المكروه. يشدد على ضرورة امتثال الأوامر الشرعية وطاعة الأمراء في طاعة الله مع الأخذ في الاعتبار الوسائل المعاصرة.
الصلاة قائمًا مأمور بها شرعًا، لكن يرخص للمجاهد في صلاة الخوف أن يصلي راكبًا أو ماشيًا حسب الضرورة. تُؤخذ الرخصة بقدر المضرة الحاصلة بسبب الخوف، وردت صفات كثيرة لصلاة الخوف في الشرع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: قال أبو داود، رحمه الله: قال حدثنا أبو توبة، قال: أخبرنا معاوية -يعني ابن سلام- عن زيد -يعني ابن سلام- أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني السلولي أبو كبشة، أنه حدثه سهل بن الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم حنين، فأطنبوا السيرة حتى كانت عشية. ومعنى أطنبوا، يعني أطالوا. قال: فحضرت صلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم -يعني قبائل هوازن كاملة-، قال: بضعنهم ونعمهم وشائهم. ومعنى الضعن، يعني النساء والأطفال، والنعم الإبل، والشاء جمع شاه، وهي الغنم. قال: اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله» -يعني هذا الذي رأيته لا يخوفك، بل هو بإذن الله تعالى سيكون غنيمة للمسلمين-. قال: ثم قال: «من يحرسنا الليلة؟» قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: «أنا يا رسول الله»، قال: «فاركب»، فركب فرسًا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني طلب منه أن يحرس حراسة خاصة، لأنه أمره بركوب الفرس-، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استقبل هذا الشعب» -والشعب الوادي بين الجبلين أو الجبال- قال: «حتى تكون في أعلاه» -وأعلاه طرفه من الجهة الأخرى، وقد يكون المقصود أن يرتقي مكان العلو فيه، وهذا الظاهر-، قال: «استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةِ» -أو وَلَا نُغَرْنَ، إِمَّا مِنْ الغِرَّةِ، يعني الغفلة، لا يأتين العدو من جهتك على غفلتنا، أو من الإغارة، أي لا يغير علينا العدو ونحن كذلك في غفلة في هذه الليلة من جهتك-، والمعنى: إن رأيت تحرك العدو إلى جهتنا، فأسرع في إخبارنا وإبلاغنا بذلك. قال: فلما أصبحنا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: «هل أحسستم فارسكم؟» -يعني هل وجدتم منه خبر أو جاءكم هو بخبر-، قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه -يعني ما وجدنا منه شيء، والمعنى أن الأمر على ما هو-، قال: فتوب بالصلاة -والمعنى أذن بالصلاة، وقيل التثويب الأذان، وقيل القول فيه الصلاة خير من النوم خاصة-، واستدل بعض أهل العلم بهذه اللفظة على أنه يقال في صلاة الفجر في الأذان الثاني، وبعضهم قال: بل هو في الأذان الأول لما جاء في الأدلة، مع ما جاء من أمر وتعليم بلال به، فإن بلالًا كان يؤذن بليل -يعني في الأذان الأول-. قال: فثوب بالصلاة، فثوب بالصلاة مبني للغائب أحسن، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلم، فقال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم». وهذا هو الشاهد من الحديث، مع قوله: «أن ذلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله»، فإنه أخبر بأمر غيبي، فوقع بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال: «فقد جاءكم فارسكم»، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، وقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت، اطلعت الشعبتين كليهما، فنظرت -ومعنى الشعبتين أي جهتي الوادي من طرفيه-، فقال: فنظرت فلم أر أحدًا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل نزلت الليلة؟» قال: لا -يعني هل نزلت عن فرسك، وفي هذا التأكد من أنه أدى المهمة على أحسن ما يكون، فإنه لم ينزل ليرتاح، بل بقي على فرسه كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس على الفرس-، قال: لا إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة. ومعنى مصليًا، أي مصلي فريضة، لأن الظاهر أنه خرج قبل غروب الشمس ورجع بعد صلاة الفجر، وهذا معناه أنه أدركته ثلاث صلوات: المغرب والعشاء والفجر، وهو على الفرس. وفيه دليل على جواز النزول من الفرس ولو كان حارسًا، ما دامت المضرة ليست متحققة ولا غالبة، ليؤدي الصلاة الواجبة وهو قائمًا -أي وهو كونه قائمًا على الأرض-. قال: إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة، ومعنى قاضيًا حاجة، أي ما يحتاجه الإنسان من بول أو غيره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أوجبت» -يعني وجبت لك الجنة-، قال: «فلا عليك ألا تعمل بعدها». وفي هذا فضيلة هذا الفارس، رضي الله تعالى عنه، أرضاه، وهو من ذكر في أول الحديث: أنس بن أبي مرثد الغنوي. هذا حديث عظيم، أورده شيخنا، رحمه الله، في سياق ذكره للأدلة على كونه عليه الصلاة والسلام قد أيد بمؤيدات تدل على صدق رسالته ونبوته. ومن ذلك إخباره بأمر غيبي، فيقع بمثل ما أخبر. ووجه الشاهد في هذا الحديث ثلاثة مواضع: أولها كون جيش هوازن غنيمة للمسلمين، فوقع بمثل ما أخبر. وثانيها إخباره بقدوم الفارس، فوقع بمثل ما أخبر. وثالثها تبشير أنس بأنه قد أوجب، فوقع بمثل ما أخبر -يعني مات وهو على الإسلام والسنة، وهو على الخير الذي تركه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم-. وفيه مسائل أخرى كثيرة، من أهمها في هذا الحديث ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من أمر مشاورته لأصحابه. وهذا كثير، فقد كان عليه الصلاة والسلام كثير المشاورة لأصحابه في أموره العامة والخاصة. وهنا انظروا هذه المواضع كيف كان يشرك أصحابه، رضي الله تعالى عنهم، في أمور كثيرة، ومنها ما سمعناه بهذا الحديث الطويل. وفيه كذلك من المسائل ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من الشجاعة والحنكة في الحرب، عليه الصلاة والسلام. فإن الله جل وعلا قد جمع له أمر النبوة، وهكذا كذلك أمر الدنيا بما تقوم به لأصحابه، رضي الله عنهم، أو يقوم لأصحابه الدين. وهذا منه ما أيد به عليه الصلاة والسلام بالوحي، ومنه من الكمال الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا يصطفي ربنا جل وعلا من خلقه ما يشاء، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى وتعالى عما يشركون. ومن ذلك كذلك حرصه عليه الصلاة والسلام على رفع معنويات الجيش. وهكذا ينبغي أن يكون الأمير، ومن كان بمعناه ممن يتولى ولاية عامة أو خاصة على المسلمين في مواجهة العدو، سواء أكان بأمر حسي أو أمر معنوي، سواء أكان بأمر عملي أو أمر علمي، فإنه يحتاج أن يرفع معنويات الأتباع لما في ذلك من قوتهم، وكذلك حصول الإقدام منهم. وهذا منه كذلك -أي في هذا الحديث- كونه قال لهم عليه الصلاة والسلام: «أن هذا غنيمة». وهكذا كذلك فيما كان عليه عليه الصلاة والسلام من العمل والأخذ بالأسباب، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دونه من باب أولى أن لا يعتمد على الأسباب الشرعية والأخبار القدرية من دون عمله بالأسباب الحسية القدرية. بل المسلم يجمع بين العمل بالسببين الشرعي والقدري، سواء في حصول ما يحب أو في دفع ما يكره. وهذا الذي يحب شرعًا أو يحب فطرة، فإنه ينبغي أن يفعل الأسباب الشرعية والقدرية لتحصيل المحبوب ودفع المكروه. فإن ذلك مما حث عليه الشرع بالأدلة العامة والخاصة، وكان عليه فعل نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا منه -أي من ذاك الكثير-، فانظر كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما أخبر به وما كان عليه من حسن الظن بالنصر وأخذ جيش العدو غنيمة، لم يترك العمل بالأسباب، بل أمر فارسًا -وليس حارسًا عاديًا، بل فارسًا- أن يذهب ويتتبع أمر العدو. وليس هذا فحسب، بل حراسته بالقرب من العدو، ليس يحرش الجيش، وإنما يحرس الجيش من بعد. وفيه كذلك هذه الفائدة الحربية في أن الجيش لا يكتفى بحراسته من قرب، بل كذلك يحرس من بعد، لأن حراسته من بعد أدعى في إبعاد الشر عنهم ودفع ما قد يكون من مكر الأعداء. فإن ذلك منه. وإذا كان هذا في ذاك الزمان بهذه الأسباب الحسية، فإنه في هذا الزمان تستعمل كل الوسائل المعاصرة في حراسة المسلمين وديارهم، كالوسائل الحديثة الحاسوبية وغيرها، مما يكون فيه حراسة المسلمين وأماكنهم عن بعد، فهذا مطلوب. وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن ينظروا إلى هذا المعنى الذي دلت عليه الأدلة الشرعية، وكان عليه هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، فيعمل بمثلها، وما هو من باب أولى، خصوصًا وقد تمكن الأعداء في هذا الزمان من أشياء كثيرة ووسائل متنوعة. كان ينبغي في المقابل أن يكون أهل الإسلام عندهم مثل ذلك وزيادة، أولًا بما أمر به الشرع، وثانيًا بما يكون به كذلك تمام الأخذ بالأسباب. وفيه كذلك من المسائل ما ينبغي أن يكون من الامتثال من الراعي للمرعي فيما يكون به نصرة الإسلام والمسلمين. أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يركب، ركب، ما قال لما ولا قال كذلك شيئًا آخر قبل أن يركب، امتثل الركوب أولًا. قال: «من يحرسنا الليلة؟» قال: «أنا»، قال له: «فاركب»، فركب فرسًا، ولم يقل لماذا، ولم يذكر أي معنى من المعاني الذي يكون به التأخر عن امتثال الأمر. وهكذا ينبغي أن يكون في الجيش، ينظر في امتثال الأوامر بما يكون به تحصيل مصالح المسلمين. وهكذا كذلك فيه من المسائل ما سمعنا في قضية التثويب للأذان. وفيه من المسائل كذلك ما ينبغي من كمال الامتثال من تطبيق المأمور به على أكمل وأوسع معانيه. فإنه أمره بالركوب، ثم استفسر منه هل نزل عن ذلك المركوب. وبه يعلم أن من أمر بأمر، وجب عليه امتثاله على أوسع معانيه وعمها. فإذا كان هذا هو الركوب، فهو في غيره كذلك. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وفيه كذلك العمل بالعلل والأخذ بها. فإن هذا الصحابي لم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلع إلى الشعبتين، أمره بالحراسة، وفهما رضي الله عنه أن المقصود من ذلك هو النظر في كون الأعداء يقترب منهم أحد إلى جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتهد، فطلع إلى الشعبتين كليهما، فنظر فلم ير أحدًا. وهذا يدل على أن ديننا دين الحكمة. وفيه كذلك تصحيح مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة العلل والتعليل، وردًا على الجبرية والظاهرية: الجبرية في من ضل في باب القدر وفي باب الاعتقاد، والظاهرية الذين ضلوا في باب الفقهيات. وأخيرًا فيه وجوب طاعة الأمير في طاعة الله. وهكذا كذلك امتثال المأمور الشرعي فيما لا يعارض أو لا يعاربه ما هو أعظم أولى منه. فالصلاة قائمًا مأمور به شرعًا، ورخص للمجاهد في صلاة الخوف أن يصلي راكبًا أو ماشيًا. فإذا لم يكن الخوف متحققًا أو غالبًا، بقيت صفة الصلاة على أصلها. وإذا كان خلاف ذلك، فإنه يؤخذ بالرخصة بقدر تلك المضرة. وعلى هذا يفهم ويعمل بما ورد من رخص في صفات صلاة الخوف. وقد وردت فيها صفات كثيرة. طيب وخير، فيه فضل هذا الصحابي الجليل أنس بن أبي مرثد الغنوي، رضي الله تعالى عنه. وإلى هنا والله تعالى أعلم.