الدرس في القواعد والأصول الجامعة 63، الدرس الثالث والستون : من : ( ومن أمثلة الأصل الثاني ... لم يكن له أن يصوم نفلاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم شرح القواعد الشرعية في حالة تزاحم المفاسد أو التعارض بين الواجبات والمستحبات، مع تقديم أمثلة على ذلك. يتم التركيز على ارتكاب أخف المفسدتين عند الضرورة وتقديم الواجب على المستحب.
يناقش المقطع التعارض في تطبيق الأدلة الشرعية في حالات الضرورة، ويشرح كيف يرخص الإسلام في بعض الحالات. يتم تقديم أمثلة على ذلك مثل وطء الزوجة الصائمة بدلاً من الحائض عند الضرورة القصوى.
عند تعارض الواجب والمستحب، يقدم الواجب على المستحب، كما يجب على المسلم أن يبدأ بصيام الفرض قبل النفل. يتم تقديم أمثلة على ذلك مثل تقديم صلاة الفريضة على النافلة وتقديم قضاء رمضان على صيام النفل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن مسعدي رحمه الله تعالى: قال في تتمة كلامي على القاعدة الثالثة والثلاثين: قال: ومن أمثلة الأصل الثاني: من اضطر إلى أكل المحرم ووجد شاة ميتة وصيدًا وهو محرم، قدم الصيد على الصحيح. وهذا المثال كذلك هو من الفرع الثاني للقاعدة أو الأصل الثاني. فإذا تزاحمت المفاسد، ارتكب أخف المفسدتين. إذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحد منها، ارتكب أخف المفسدتين. فإذا اضطر إلى أكل المحرم فوجد شاة ميتة وصيدًا، يقول: يقدم الصيد على الصحيح. ووقع الخلاف؛ لأن بعضهم جعل التحريم لأجل الإحرام والنسك أشد من التحريم لأجل الضرر. والصحيح ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى؛ فضرر الميتة أشد من ضرر الصيد. والقاعدة الشرعية أن دفع المضار تكون الأشد فالأشد، دفع المضار الأشد فالأشد. والعبادة إذا عارضها شيء مما فيه مضرة، فإنها تخفف. فلا يقال: هذه عبادة، وهذه مصلحة شخصية، وتقدم العبادة على المصلحة الشخصية. واضح؛ لأن الصيد محرم على المحرم، فلا يقال ذلك؛ لأننا وجدنا مواضع في الشرع فيها التخفيف في العبادات لأجل الضرورة. فرخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالخروج من الصلاة لقتل الحية وما كان بمعناها، ورخص ربنا جل وعلا بالحركة في الصلاة وتخفيف الصلاة لأجل الخوف. وهذا كله لأجل الضرر؛ فدل أن العبادات تخفف لأجل الضرر. فإذا كان كذلك، فما هو فيه ضرورة مثل هذه الضرورة من باب أولى. والله تعالى أعلم. قاله: يقدم ميتة الشاه على الكلب؛ لأن ميتة الشاه أخف ضررًا من ميتة الكلب. فميتة الكلب تجمع مع الميتة زيادة ضرر من جهة خبثها، وكذلك نجاستها على قول من يقول بالنجاسة. وهذا كله إذا لم يستطع أن يدفع المفسدتين جميعًا. وأما إذا استطاع أن يصبر أو استطاع أن يجد شيئًا آخر حلالًا، فالواجب عليه الحلال، ولو يأكل ورق الأشجار كما فعل الصحابة رضي الله عنهم. لم يجدوا طعامًا في بعض غزواتهم إلا أن يأكلوا أوراق الأشجار، أوراق الأشجار؛ حتى قال الصحابي: إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاه -يعني صار مخروجهم كمخروج الغنم بعر-؛ لأنهم جلسوا فترة يأكلون ماذا؟ الورق، ورق الأشجار. قال: ومن اضطر إلى وطء أحد زوجتيه الصائمة والحائض، وضع الصائمة؛ لأنها أخف، ولأن الفطر يجوز بضرورة الغير، كفطر الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد. وهنا في مثل هذه المواضع يجمع المجتهد الأدلة الشرعية: شيء بنصه، وشيء بمفهومه، وشيء بالقياس؛ حتى يرجح. وهذا نوع آخر من أنواع التعارض، لكن تعارض في تطبيق الأدلة، ليس تعارضًا في الأدلة، وإنما هذا باب آخر من التعارض، وهو التعارض في تطبيق الأدلة على واقع ما يبتلى به الإنسان. فقوله: إذا اضطر إلى وطء زوجته، وهذا نادر أو يكاد يكون غير موجود. لكن إذا وجدت الضرورة، صحيح، مثل إنسان جاء من سفر وبه شبق -شبق يعني شدة في الشهوة- وزوجته عنده زوجتان: زوجة صائمة وأخرى حائض، فماذا يصنع إذا لم يستطع الصبر وخاف على نفسه وعلى دينه؟ فقد رخص العلماء له بأحد أخف المفسدتين، وهو أن يأتي زوجته الصائمة. فذلك كما قال المؤلف رحمه الله: أولًا؛ لأن الفطر يجوز بضرورة الغير، بضرورة الغير. فالحامل يجوز لها أن تفطر لدفع ضرر ماذا؟ الحمل الذي في بطنها. والمرضع يجوز لها أن تفطر لدفع الضرر على الولد. قد تكون المرأة -وهذا تنبيه وملحظ لا ينتبه له الكثير من الأمهات- قد تكون المرأة قوية في نفسها، تستطيع أن تتحمل الصيام وتصبر، ولو كانت ترضع. لكن ينبغي أن تسأل نفسها: هل صبرها هذا لا يضر بالحمل ولا يضر بالمولود؟ فإن كان يضر بالحمل أو يضر بالمولود، فعليها أن تفطر، عليها أن تفطر؛ لأجل أن لا تضر بماذا؟ بالحمل، ولا تضر بالمولود. وهذا من رحمة الإسلام. فإذا كان كذلك، فقاس العلماء عليه كل ضرر كان بمعناه، ومنه هذه القضية وهذه المسألة. لكن ليس كل أحد يحك رأسه ويقول: أنا في ضرورة، لا. إذا وقعت مسألة مثل هذه المسألة التي ذكرها أهل العلم: ضرورة حقيقية كضرورة أكل الميتة، رجل خاف على نفسه الوقوع في الحرام، كمن لا يستطيع الصبر عن الأكل حتى حل له أكل الميتة، فكذلك تحله زوجته الصائمة، وهي أخف من الزوجة الحائض. قال: وكذلك علة أخرى، قال: لأن الفطر يجوز بضرورة الغير، كفطر الحامل والمرضع إذا خافت على الولد. وذكر علة أخرى، قال: ولأنها أخف. نعم، قال: ولأنها أخف. ووجه الخفة بذلك؛ لأن معاشرة الحائض فيه ضرر، بخلاف الصائم. الصائم فيه ضرر على العبادة، ليس به ضرر على الإنسان. وأما الحائض فيه ضرر على الإنسان، على المرأة وعلى الرجل؛ فلأجل هذا، ولأجل كذلك وجود القياس الصحيح في إباحة ذلك إذا وجدت الضرورة الحقيقية، قدم إتيان الصائمة على الحائض. لكن هذا كما قال المؤلف رحمه الله: ومن اضطر إلى وطء أحد زوجتيه، فإذا لم يضطر، فيصبر، ولو كان هو جاء مفطرًا، ولو كان جاء مفطرًا، يصبر. بل يجب عليه الصبر، ولا يجوز له أن يؤذي أحد الزوجتين. قال: ويقدم ما فيه شبهة على الحرام الخالص. كذلك من مسائل هذه القاعدة: يقدم ما فيه شبهة على الحرام الخالص. مثاله: اضطر إلى أكل أحد دجاجتين، اضطر. انظر، وقع في ضرورة لأكل أحد دجاجتين: أحدهما ذبيحة كتابي، لكنها مشكوكة في الذبح، ما تدري: هل ذبحت؟ هل قتلت بالكهرباء؟ مثل هذا الدجاج الذي يأتي إلينا، وذبيحة هندوسي أو ملحد لا دين له. فعندنا الآن شيء مشبوه، وشيء حرام خالص. فالذي لا دين له -مثل الكثير من الملحدين في العالم أو أهل الأوثان كالهندوس وغيرهم- هؤلاء لا تحل ذبائحهم بالمرة، فهو حرام خالص. وأما الكتابي الذي شككت في ذبيحته، فهو شبهة. فتقدم الشبهة على الحرام الخالص. وهكذا أمثلة أخرى كثيرة ممكن أن تذكر في مثل هذا الموضع. قال: هذا كله إذا ابتلي العبد بذلك -يعني إذا لم يبتلى- لا يكون دائمًا ما في حل إلا أحد هذين الأمرين، قد يوجد حل ثالث، وهو الصبر، وحل رابع، وهو الشيء الحلال. فإذا وجد الشيء الحلال، فعليه بالحلال. وإذا لم يوجد واستطاع الصبر، فالصبر واجب، الصبر عما حرم الله واجب. فإن لم يستطع الصبر، وكانت الضرورة، فهو كما ذكر المؤلف رحمه الله. قال: هذا كله إذا ابتلي العبد بذلك. والمعافى من عافاه الله. المعافى من عافاه الله. لا يظن الإنسان أنه بفعله أحد المفسدتين أنه قد فاز، لا. لكن يطلب المعافى، يحاول قدر المستطاع أن يسلم من المفسدتين ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. والإنسان لا يتمنى مثل هذا، بل يرجو أن الله عز وجل لا يبتليه ولا يصيبه بشيء من هذه المحرمات. قال رحمه الله تعالى: ومن أمثلة القسم الأول: إذا ضاق الوقت للصلاة أو أقيمت تعين المكتوبة -يعني إذا تعارضت الواجبات أو المصالح- كذلك قدم أشدهما مصلحة وأشدهما وجوبًا. فإذا ضاق الوقت للصلاة أو أقيمت تعين المكتوبة. مثال ضيق الوقت للصلاة: رجل قام قبل الفجر قبل طلوع الشمس بما لا يكفي إلا الوضوء وصلاة ركعتين، فهل يصلي ركعتين الراتبة للفجر؟ الجواب: لا؛ لأنه إذا فعل ذلك أشرقت عليه الشمس، إذن يقدم ركعتين الفريضة ويؤخر ركعتين الراتبة، يؤخر ركعتين الراتبة. ولا يستشكل بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين فاتتهم الصلاة، فقاموا على حر الشمس في بعض أسفارهم وغزو من الغزوات، فقام الناس على صوت عمر رضي الله عنه أرضاه، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يتوضوا وأن ينتقلوا ويرتحلوا من مكانهم، فصلوا النافلة -أي راتبة الفجر- ثم صلوا الفجر. لا يشكل هذا؛ لماذا؟ لأنه لا وجود للضيق، ما في وقت ضيق، بل الشمس قد أشرقت. فإذا أشرقت الشمس، خلاص تصلي النافلة ثم تصلي بعدها ماذا؟ الفريضة. تصلي بعدها الفريضة. وهكذا إذا أقيمت الصلاة، إذا أقيمت الصلاة تعينت المكتوبة. أنت في تحية المسجد، أقيمت الصلاة، فأحرص على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وترك هذه الصلاة التي أنت فيها؛ إلا إذا كنت تستطيع أن تجمع بين المصلحتين: كيف؟ بأنك تصلي، تكمل صلاتك وتدرك تكبيرة الإحرام، مثل أن تكون في الركعة الثانية أو في التشهد الأخير، فتدرك تكبيرة الإحرام، فنعم. قال: ومن عليه قضاء رمضان، لم يكن له أن يصوم نفلًا. كذلك ضاق عليك الوقت حتى جاء شعبان، وعليك قضاء من رمضان، أو على المرأة قضاء من رمضان، فلا تذهب تتنفل، تصوم الاثنين والخميس، وهي عليها صيام فرض، لا. بل عليها أن تصوم الفرض أولًا؛ وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يروي عن ربه عز وجل: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». فأحب ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى الفرائض؛ فينبغي أن تقدم الفريضة على النفل.