الدرس في كتاب الزكاة 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تطرق المقطع إلى أحكام زكاة الزروع والثمار، مبينًا الأصناف التي تجب فيها الزكاة ونصابها، والفرق بين الزكاة على المحاصيل التي تروى بكلفة وبغير كلفة. كما ناقش مسألة زكاة العسل واختلاف العلماء في وجوبها بناءً على صحة الأحاديث الواردة فيها.
ناقش المقطع مسألة تعجيل الزكاة ودليلها من حديث العباس بن عبد المطلب، وأيده بما في الصحيحين من حديث ابن عباس. كما أوضح أن العلماء أجازوا تعجيل الزكاة لولي الأمر إذا احتاج لذلك لنفع الإسلام والمسلمين.
تطرق المقطع إلى جواز دفع الزكاة للسلطان حتى وإن كان جائرًا، حيث تبرأ ذمة المزكي بدفعها إليه، مع مطالبته بتخفيف الظلم وإيصال الزكاة لمستحقيها.
ناقش المقطع شروط قبول العمل عند الله، حيث بين أن العمل لا يقبل عند الله إذا لم يكن على وجه شرعي، مستدلًا بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال التي لا توافق شرعه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. مر معنا في الدرس الماضي السلام على شيء من أحكام زكاة النبات، وكان مما أخذنا أن زكاة الزروع تجب في أصناف من الزروع. ما هي هذه الأصناف؟ والزبيب والتمر، نعم. ويلحق بها ماذا؟ ماذا يلحق بهذه؟ هذا الذي جاء فيها النص. وألحق بعض أهل العلم شيئًا دل عليه دليل، وهو الزورة، وحديثه ضعيف، ولكن قلنا: للحاق صحيح. لماذا؟ نعم. إيش الدليل عليه؟ الدليل عليه؟ نعم. هذا عام، لكن دليل أخص من هذا. لا، في دليل أخص. نعم. دليل أخص. نعم. قوله: «من التمر والحب» يشمل أنواع الحبوب التي تقتات، الحبوب التي تقتات. طيب. ومر معنا التفرقة في نصاب الزكاة: أنها خمسة أوسق وما زاد، وأن الذي يخرج العشر أو نصف العشر. وما هو الضابط في التفريق؟ نعم. الضابط في التفريق. نعم. كلفة وبغير كلفة. ما كان بكلفة ففيه نصف العشر، وما كان بغير كلفة ففيه العشر. طيب. ضربتم اثنين كيلو ونص في ثلاثمائة، بكم؟ حتى نعرف بالكيلو كم تقريبًا. من معه آلة حاسبة يحسب: اثنين كيلو ونصف في ثلاثمائة. ثلاثمائة خمسة أوسق كم كيلو؟ لأن بعض أهل العلم من المعاصرين جعلوا نصاب الحب سبعمائة كيلو، ونصاب التمر ستمائة كيلو، فرقوا بين نصاب الحب والتمر؛ لأن كيلة التمر ليست ككيلة الحب. وقد جرب الإخوان ووجدنا أن كيلة الحب أثقل من كيلة التمر. كم؟ سبعمائة وخمسين. طيب. فعلى مائتين وأربعين يكون سبعمائة وخمسين. بالنسبة للحب سبعمائة وخمسين. لكن الذي أذكره كان أقل من مائتين وأربعين من الفين وأربعمائة، أقصد يعني من ثلاثمائة وأربعين. أحمد الطيب لو موجود كان يذكر. سجل وزناها في رمضان قبل سنتين التمر والحب. ففيما أذكر أنه أقل من مائتين وأربعين، لكن أكثر شيء بالزيادة مائتين وأربعين. فإذا كان مائتين وأربعين فسبعمائة وخمسين. لكن الذي قربته جماعة من العلماء، وعليه فتوى أكابر العلماء: أن نصاب الحبوب بالكيلو سبعمائة كيلو جرام، وللتمر ستمائة كيلو جرام. طيب. قال رحمه الله تعالى: «ولا شيء فيما عدا ذلك كالقضروات وغيرها»، يعني لا شيء فيما عدا هذه المذكورات، وهي خمسة: الحنط والشعير والذرة والتمر والزبيب. وقلنا: يضاف أنواع الحبوب الأخرى إلى هذه الثلاثة المذكورة؛ لظاهر عموم حديثه بسعيد. وقد وردت آثار في حديث الخضروات: أحاديث ضعيفة وآثار ومراسيل كثيرة، بعضها مرسل صحيح، وبعضها فتوى صحابة، ليس بصحيح. والشاهد بمجموعه أثبت بعض أهل العلم هذا الحكم: بأن الخضروات ليس فيها زكاة. وهذا هو الصحيح: أن الخضروات ليس فيها زكاة. قال: ويجب في العسل العشر. وذكر في الشرح مجموعة من الأحاديث، وكلها لا تصح. وذهب جماعة من أهل العلم إلى تصحيح الحديث بمجموع طرقه، كما فعل الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. ودل عليه قول الشوكاني رحمه الله، وهو الذي أفتى به جماعة من أهل العلم، بل كثير من أهل العلم. وأشار إلى ذلك الترمذي رحمه الله في سننه: بأنه لم يصح في الباب شيء قوي. قال: «وقول جمهور أهل العلم على ذلك»، يعني أكثر أهل العلم على هذه الأحاديث الضعيفة. وبه كان يفتي أحمد وإسحاق وجماعة، وأبو حنيفة كذلك. وأما الإمام الشافعي رحمه الله، وجماعة من أهل الحديث، كانوا لا يرون الزكاة في العسل: أنه لا يجب في العسل شيء؛ لعدم صحة الحديث في ذلك. وقد حكى الترمذي رحمه الله تعالى عن البخاري تضعيفه لما ورد في الباب، وأن أحسن شيء في الباب -وهو حديث- الذي أشار إليه حديث: «نعم»، أشار إلى حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده. وحديث أبي سِيرة. وأحسن ما روي: حديث أبي سِيرة، وهو لم يصح. فقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه: أن أصح ما روي في العسل حديث أبي سِيرة، وهو حديث منقطع؛ فسليمان بن موسى لم يلق أبا سِيرة. قال: فهو منقطع كما ترى، يعني هذا أصح شيء، وهو منقطع. فلا يثبت في هذا الباب حكم. وهكذا كذلك روي نحو ذلك عن الإمام البخاري، فيما ذكره الترمذي في «العلل الكبير»: أنه سأل الإمام البخاري رحمه الله عن هذا الحديث، فأخبره: أن سليمان بن موسى لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث ليس بمحفوظ. وأما الأحاديث الأخرى فهي أشد ضعفًا. أشار إلى حديث عمر بن شعيب، عن أبيه عن جده، لكنه من طريق ابن لهيعة، وهو ضعيف، لا يصح تفرده. وهكذا كذلك الأحاديث الأخرى فيها ضعف، وبعضها ضعفه شديد. فالحاصل: أن الحديث لا يصح. ومع ذلك، فالأحوط أن لا نوجب على الناس شيئًا إلا بدليل صحيح صريح. ومن أحب أن يخرج لنفسه فليفعل. أما أننا نلزم الناس، فلا. لكن المال إذا دار عليه الحول، أو العسل إذا كان عروض تجارة -كما سيأتي إن شاء الله- فالصحيح أن فيه الزكاة. فعروض التجارة فيها الزكاة، سواء عسل أو عقار أو أي شيء، حتى لو كانت خضروات معروضة للبيع ومحفوظة في ثلاجات، فهي من عروض التجارة. إذا بلغت النصاب ففيها الزكاة، مثل خضروات معلبة مثلًا، أو خضروات في ثلاجات محفوظة، بلغت النصاب وحال عليها الحول، ففيها الزكاة؛ لأنها من عروض التجارة معروضة للبيع، فهي تزكى بزكاة النقدين: زكاة الذهب والفضة. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز تعجيل الزكاة». وهذه المسألة السابعة: يجوز تعجيل الزكاة. ودليله ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب، فيما رواه علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل منه صدقته، يعني صدقة عامين. وقد رُوي هذا الحديث، وفي بعض أسانيد ضعف، وروي مرسلًا، لكن بمجموع طرقه يشتد ويصير حديثًا حسنًا أو صحيحًا. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «صحيح ابن ماجة»، وأصله في الصحيح. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العباس -حين منعه أن يعطي من طلب منه الزكاة- قال: «هي عليَّ ومثلها معها». وفسر ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل منه زكاة سنتين. فلما ذهب إليه من ذهب من الصحابة يريدون الزكاة -وهو قد أداها- فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: «هي عليَّ ومثلها معها»؛ لأنه أدى زكاة سنتين. وهذا يؤيد ما روي من حديث علي رضي الله تعالى عنه وغيره: في أن العباس تعجل زكاة سنتين. ويدل ذلك على جواز تعجيل الزكاة. ولهذا قال العلماء: إذا احتاج ولي أمر المسلمين أن يتعجل الزكاة لسنة أو لسنتين أو لأكثر، فيجوز له أن يتعجل ذلك من التجار ونحوهم ممن تجب عليهم الزكاة؛ لما فيه نفع الإسلام والمسلمين. مثل: حصلت بالمسلمين مصيبة، فحث الناس على الصدقة، فتصدقوا، فلم يكفِ في دفع هذه الضرورة عن المسلمين. كوارث مثلًا حصلت، احتاج ولي الأمر أن يعين الفقراء والضعفاء، فحث على الصدقة، فاجتمعت الصدقة، لكن ما كفت. فهل يجوز له أن يتعجل الزكاة؟ الجواب: نعم، يجوز له أن يتعجل الزكاة لسنة أو لسنتين أو لأكثر؛ لأن هذا سيكون على وجه الإلزام، فيتعجل الزكاة لدفع هذه الضرورة عن المسلمين. وقد فعل ذلك عدد من أهل العلم وخلفاء وكذلك ولاة أمور المسلمين في سنوات متفرقة، كما أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم». وهذه المسألة الثامنة. ودليلها ما جاء في حديث معاذ، وبمعنى حديث عبد الله بن عباس: فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يخبرهم؛ لأن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. وقد وردت فيه أحاديث فيها شيء من التفصيل بما هو بمعنى ما في الصحيحين. وأشار إلى تلك الأحاديث المؤلف رحمه الله تعالى في شرحه. وما في الصحيحين يغني عن تلك الأحاديث التي بعضها فيها ضعف؛ فهو يدل على صحة هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرًا». يعني أن مالك المال إذا دفع المال إلى السلطان، فقد برئت ذمته؛ وذلك لأن هذا الذي أمر، وقد أدى ما أمره الله وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى. وأشار المؤلف في الشرح رحمه الله إلى بعض هذه الأحاديث، منها ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين. ففيه: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم». ومن الحق الذي على المسلمين لهذا السلطان -ولو كان جائرًا- أداء الزكاة. فجوره له، إلا أنه لا شك: إذا استطاع أن يخفف هذا الشر فهو مطلوب. فالله سبحانه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. مثلًا: فرض عليك أن تؤدي الزكاة، وأنت تعرف أن الزكاة هذه ما توضع في موضعها. فما أخذ منك أجزأك، وأبرئت ذمتك. ولا يلزمك أن تخرج مكانها أخرى. ولكن لا يعني ذلك أنك تتساهل في إعطائهم هذه الزكاة، وأنت تستطيع أن تخفف الشر. فإن استطعت أن تخفف الشر فخفف، بدل أن تعطيهم الزكاة كاملة، تعطيهم نصفها، ربعها، وتخرج الباقي في موضعه الذي أمر الله عز وجل به للمستحقين. ويجوز لك أن تحتسب هذا الذي أخذ منك من الزكاة. وإن أحببت أن تخرج مرة أخرى فهو جائز، وهو من زيادة الفضل والصدقة منك. ولكن لا يجب عليك. فرق بين أن نقول: لا يجب، وبين أن نقول: من أخرج فهو جائز، بل حسن. وهكذا كذلك ننتبه إلى أن بعض الذي يؤمر به قد يؤمر به على غير الوجه الشرعي. فإذا كان كذلك، فكذلك أنت مأمور أن تؤدي الزكاة على الوجه الشرعي. مثل: زكاة الفطر، تقتطع من رواتب بعض العمال نقدًا. والواجب في زكاة الفطر إنما هو الطعام. فإذا كان كذلك، فلا يجزئه على القول الصحيح، ولا تبرأ ذمته بهذا المال الذي يقطع. بخلاف لو كانت الزكاة زكاة مال، فالأمر يختلف. قلنا: يجوز وتجزئه، وهو مطالب أن يخفف الشرعي. لكن إذا كانت الزكاة زكاة فطر وأخرجت مالًا، فعليه أن يخرج مرة أخرى، ولا يجزئه الأول؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». حديث عائشة في صحيح مسلم، ورواه البخاري معلقًا. والحديث في هذا المعنى كثيرة. فالخلاصة هذا الذي سمعناه: أن الأصل أن الذمة تبرأ فيما أخذ منك ولي الأمر من الزكاة، إلا أنك مطالب بتخفيف الشر حتى لا تعين على الإثم والعدوان، وحتى تعين على إيصال هذه الزكاة إلى مستحقيها من الفقراء والمساكين ونحوهم. والثاني: أنه إذا وقع على وجه غير شرعي، فلا تجزئك ولا تبرأ ذمتك، وأنت تعلم أن ذلك لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف». وهذا ليس من المعروف. وهكذا: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.