الدرس في كتاب الإجارة 1، كتاب الإجارة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإجارة عقد على عمل أو منفعة بأجرة معلومة وتجوز على كل عمل مباح. شروطها أربعة: معرفة المنفعة والأجرة، أن تكون في منفعة مباحة، والبعد عن شروط الخصومة.
عقد الإجارة جائز شرعاً ويشترط فيه تحديد الأجرة أو الرجوع للعرف. يجب أن يكون في المباح ولا يكون في غيره.
يناقش المقطع مكاسب محرمة مثل كسب الحجام وأجرة البغي ويوضح الأحكام الشرعية لها. يستند إلى أحاديث نبوية وآراء علماء.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الباقي لاحقاً والتأكيد على أن العلم عند الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الإجارة. قال: تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي، وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار، فإن لم تكن كذلك استحق الأجير بمقدار عمله عند أهل ذلك العمل. وغثبت النهي عن كسب الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، وأجرة المؤذن، وقفيز الطحان. ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن، لا على تعليمه. ويجوز أن تكري العين مدة معلومة بأجرة، ومن ذلك الأرض، لا بشطر ما يخرج منها. ومن أفسد ما استأجر عليه أو أتلف ما استأجره ضمِنه. هذه مجموعة من المسائل جعلها في هذا الموضع فيما يتعلق بأحكام الإجارة. فقوله: كتاب الإجارة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الإجارة. والإجارة لغة مأخوذة من معنى الاستئجار، أي الانتفاع في مقابل الأجرة. ومعناها في اصطلاح أهل العلم، وبموجب ما دلت عليه عموم أدلة الشرع، جعل مال معلوم لمن عمل عملًا معلومًا أو على منفعة في الذمة. فقوله: أهل العلم جعل مال معلوم، فيه بيان أن المال لابد أن يكون معلومًا، أي الأجرة، ولمن عمل عملًا معلومًا، أن يكون كذلك العمل الذي يكون في مقابل الأجرة معلومًا، حتى لا يقع معنا الغرر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. وعقود الإيجارة كما نرى من معاني البيوع، ولهذا أدرجت في كتاب البيوع، فهو نوع من البيوع. ولا يشكل عليه ما جاء في بعض الأدلة من جواز تحديد المدة والأجرة، ما عدم تحديد العمل، لأن هذا يرجع في العرف، وهو معنى أخص من الإيجارة، وهو ما يسميه العلماء الجعالة. وسيت إن شاء الله الإشارة إليها. فالجعالة معنى أخص من الإجارة، وفرق العلماء بفروق بين الإجارة والجعالة. ومن أهم تلك الفروق أن الجعالة أوسع من الإجارة، فتجوز على العمل المعلوم وعلى العمل المجهول، والمجهول يرجع فيه إلى العرف. وهكذا كذلك يجوز في القرب، وفي غير القرب. ومعنى القرب ما كان يتقرب به إلى الله من العبادات والطاعات، وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام عليه في بعض المسائل التي ستأتي معنا. وقولهم: عملًا معلومًا أو لعمل معلوم، كما تقدم الإجارة لابد من تحديد العمل، وإلا إذا قضى العرف بعدم التحديد، فإنه يرجع إلى العرف، كما أن الأجرة قد يسكت عنها فيرجع عند ذلك إلى العرف. وسأتي معنا بعض المسائل في ذلك. وقولهم: أو على منفعة في الذمة، فيه بيان أن الإجارة تنقسم إلى قسمين: إما أن تكون إيجارة على أمر معلوم، وهذا الأمر المعلوم قد يكون تحديده بالزمن، وقد يكون تحديده بالعمل. فمثلًا أنت تستأجر أجيرًا بالساعة، يوجد هذا أم لا؟ أو باليومية، واليومية في عرف الناس مثلًا من الساعة كذا إلى الساعة كذا، فهذا على أمر معلوم بالزمن. وقد يكون على أمر معلوم بالعمل، مثال الأمر المعلوم بالعمل أنواع الصناعات والمهن. فالنجار تتفق معه على أجرة لعمل دولاب، والحداد مثلًا لعمل صندوق، وهكذا أنواع الأعمال تكون هناك أجرة بحسب العمل في أمر معلوم، ليس مجهولًا. وقد يكون كذلك بالذمة، يعني إذا كان ليس على أمر معلوم، ولكن في شيء بذمته، أنت تطلب منه شيء معين، سواء هو عمله أو أتى به ممن عمله، فأنت تدفع له أجرة لذلك. وهذا قد يكون في الأعمال التي يحصل فيها شيء من الاستئمان، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. وقبل الدخول في مسائل الإجارة، نذكر ما ذكره أهل العلم، ونتذاكر جميعًا به من شروط الإجارة التي جمعها العلماء بموجب ما وقفوا عليه من الأدلة الشرعية. وجملة تلك الشروط على وجه الإجمال والاختصار أربعة. الشرط الأول من شروط الإجارة معرفة المنفعة، أي العمل. وكما قلنا الإجارة تختلف عن الجعالة. والشرط الثاني معرفة الأجرة، لأنه إذا لم يعرف الأجرة كان فيه معنى الغرر، وربما كان نوعًا من الميسر، ولهذا جاء في بعض الأدلة ما يدل على اشتراط ذلك. الشرط الثالث أن تكون الإجارة في منفعة مباحة، فلا يجوز عقد الإجارة في شيء محرم، وسيأتي معنا بعض العقود المحرمة. والرابع البعد عن كل شرط يوجب الخصومة، كل شرط يوجب الخصومة، مثل المدة في الصناعات، وسيأتي معنا إن شاء الله الكلام عليه. قال رحمه الله تعالى: تجوز أي الإجارة على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي. ودليل هذا الجواز الكتاب والسنة والإجماع. فمن أدلة الكتاب، وهي كثيرة، فيما أخبر الله عز وجل به على وجه الإقرار، أي في معنى الإجارة، ما ذكر في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع والد المرأتين. فقال الله عز وجل عنه: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾، ففيه مشروعية الإجارة، وأنه من العقود التي أقرها دين الله عز وجل، فهو في دين موسى عليه الصلاة والسلام الذي بعث به إلى بني إسرائيل، بعثه الله عز وجل به، وذكر في القرآن على وجه الإقرار، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا. وهكذا كذلك في السنة أدل كثيرة، وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم، وأجر نفسه. فقد ثبت بصحيح البخاري وغيره أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، حتى قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»، يعني على مال يسير لأهل مكة. وهكذا كذلك استأجر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا مشركًا كما في قصة الهجرة. فعقود الإجارة جائزة بأدل كثيرة من الكتاب ومن السنة، وقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع في ذلك. وأما قوله رحمه الله: وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار، فإن لم تكن كذلك استحق الأجير بمقدار عمله عند أهل ذلك العمل. فلما ورد في أدلة كثيرة من أمر إعطاء الأجير أجرته، وهذا فيه إشارة إلى تحديد الأجرة. وأشار الشارح المؤلف رحمه الله في شرحه إلى حديث أبي هريرة في البخاري وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه -وفي رواية- باع عبدًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره»، وهذا هو الشاهد. وقوله: لم يوف أجره، فيه أن الأجر يحدد، وهذا حديث في هذا الباب كثيرة. ولأنه كذلك قد دلت أدلة شرعية أخرى أنه لا يجوز عقود بيع الغرر، والإجارة من البيع، فلا يجوز أن يكون فيه جهالة، لما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: «نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع الحصاة، وبيع الغرر». و«بيع الغرر» كل بيع فيه جهالة. فإن جرى العرف على شيء فهو كما قال رحمه الله: فإن لم تكن كذلك استحق الأجير بمقدار عمله عند أهل ذلك العمل. مثلًا ركبت سيارة أجرة، ولم تتفق أنت وصاحب سيارة الأجرة بكم المشوار، حتى وصلت إلى المكان الذي تريد الوصول إليه، فقلت له: بكم؟ قال: بكذا، فاختلفتم أنت وصاحب سيارة الأجرة، لأنكم لم تتفقوا على شيء من أول الأمر. فهنا هل القول قولك أم القول قول صاحب السيارة؟ الجواب: القول قول العرف، يسأل أهل العرف: مثل هذا المشوار كم أجرته؟ وفي عرف الناس أنواع من تحديد الأجرة في مثل هذه المسائل. فربما بعضهم يقول: إذا كان داخل المنطقة الفلانية فهو مثلًا بثلاثمئة، وإذا كان إلى منطقة كذا فهو بأربعمئة، وإذا كان إلى أكثر فهو بخمسمئة أو ستمئة وهكذا. أو يكون هناك عرف مثلًا بالكيلوات، يعني بالمسافة. أو يكون هناك عرف كذلك بالوقت. فالمهم إذا كان هناك عرف فإنه ينبغي أن يرجع إلى هذا العرف. فكما أنه كذلك عند مثلًا أصحاب الأجرة في السيارات، فكذلك في الأعمال الأخرى. أخذت أجيرًا يحفر لك حفرة، ثم اختلفت أنت وإياه بعد انتهاء العمل. ففي مثل هذه الحالة يرجع إلى العرف، إن كان العرف يقضي أن مثل هذا العمل يكون باليومية، فيعطى بموجب ذلك. أو كان العرف يقضي أن هذا بالمتر، فإنه يعطى بمقتضى ذلك. وهكذا كل شيء يرجع فيه إلى العرف. ثم قال رحمه الله: وقد ثبت النهي عن كسب الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، وأجرة المؤذن إلى آخره. يشير بهذا رحمه الله إلى أن عقد الإجارة ينبغي أن يكون في المباح، ولا يجوز أن يكون في غير المباح. وهذا الذي أشار إليه رحمه الله، هل هو من المحرم أو من المكروه؟ الجواب: بعضه محرم، وبعضه مكروه، بمقتضى الدلالة عليه الأدلة. أما كسب الحجام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب. وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه سمى «كسب الحجام خبيثًا»، ولكن ثبت عنه كذلك عليه الصلاة والسلام أنه احتجم وأعطى الحجام أجرته. فلأجل هذا اختلف العلماء في أجرة الحجام، هل يجوز إعطاء الحجام أجرة؟ وهل يجوز اتخاذ الحجام وأخذ الأجرة؟ والصحيح في هذا جمعًا بين الأدلة، والقاعدة في هذا الباب: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. إذا ورد دليلان ظاهرهما التعارض، فكوننا نجمع بين الدليلين بجمع لا يحصل معه التعارض، ويكون معه إعمال الدليلين، أي العمل بكل الدليلين، أولى من أن نرجح أحد الدليلين على الآخر بغير موجب صحيح صريح. فلذلك كان قول من قال بالجمع بين هذه الأدلة الواردة في هذا الباب هو أولى الأقوال بالصواب، خصوصًا وأن عموم الأدلة تدل عليه. وذلك أن اتخاذ مهنة الحجامة والاكتساب بها مكروه شرعًا، لما في ذلك من الاكتساب بما قد يكون فيه الضرر، لأن الحجام يتعامل بالدم، والدم خبيث. قال العلماء: هل خبثه حسي أو معنوي؟ حين سماه النبي صلى الله عليه وسلم خبيثًا، هل حسي أو معنوي؟ قال بعضهم: معنوي، وذلك لأن الدم فيه معنى الاستخباث المعنوي. وقال بعضهم: بل كذلك الحسي، وهذا هو الصحيح، لأن المتعامل بالدم قد يضر نفسه به. وما أكثر انتقال الأمراض بوءاسطة التعامل بالدم. فلأجل هذا وغيره سماه الشرع خبيثًا. «كسب الحجام خبيث»، ومعنى التزهيد في اتخاذ الأجرة من هذه الطريق، بل ينبغي أن يبحث عن طريق آخر للأجرة. وكذلك قال بعض أهل العلم: أن هذا فيه أنه لا ينبغي أن تكون مشارطة في الحجامة، بل ينبغي أن يأخذ ما يتيسر. والصحيح أنه إذا جرى العرف بشيء فإنه لا بأس أن يجري على العرف، لحاجة الناس إلى ذلك. لأن الحجامة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أحد أسباب الشفاء». وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أن العلاج والشفاء في ثلاث، وذكر منها: «شربة العسل، وشرطة محجم». وهكذا كذلك الكي، فإنه مما قد يلجأ إليه في آخر الأمر. فالناس يحتاجون إلى الحجامة، ولهذا كان الصحيح أنه ليس بحرام، ولا ممنوع، ولكنه مستخبث، لما قد يكون فيه من الضرر، أي على الحاجم، ليس على المحجوم. ولهذا كان الجمع بين الأدلة الواردة هو هذا: أنه مكروه، وليس بمحرم. فإذن قرن المؤلف رحمه الله لهذه الأحكام الثلاثة في موضع واحد، ليس على إطلاقه، بل الصحيح التفصيل. ولهذا فصل رحمه الله في بعض كتبه الأخرى، بموجب ما سمعنا مما دل عليه الدليل في التفصيل في هذه المسألة. فهذا خلاصة ما يذكر في كسب الحجام، فهو خبيث، ولكنه ليس ممنوعًا. ولهذا أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس «الحجام أجرته». وكذلك فعل علماؤه اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما روي عن الإمام أحمد رحمه الله وغيره. وقوله: «مهر البغي»، المراد به الأجر التي تعطى الزانية على الزنى، فهذا محرم، وهو كذلك من العقود الباطلة، ومن المنافع التي لا يجوز عقد الإجارة فيها. وذكر العلماء حكمة في تسمية أجرة البغي مهرًا. قال بعض أهل العلم: هذا لأجل أولًا ما قد يرد من تسميته مهرًا، وأنه ليس بمهر. وثانيًا لأنه يدخل فيه ما كان أجرة للزنى، وما كان لو سمي مهرًا وأظهر بصورة النكاح، فهو كذلك لا يجوز. فدخل فيه نكاح البغي، فهو لا يجوز، لأن الله عز وجل حرمه. وهكذا كل حيلة استعملت على الزنى، وسمي ذلك الزنى بغير مسمى، حتى لو سمي مهرًا، فما دام أنه لبغاء وزنى فإنه لا يجوز. فالعبر بالحقائق لا بالمسميات، العبر بالحقائق لا بالمسميات. وهذا قد يقع كثيرًا في هذا الزمان الذي كثر فيه التحايل على الحرام، وهذا من سنة اليهود. والتحايل على الحرام لا يزيد الحرام إلا حرمة، لا يزيد الحرام إلا حرمة. فأجرة البغاء لا تجوز، وكذلك كل حيلة على البغاء، حتى ولو سمي مهرًا، فهو لا يجوز، ولا يزيد صاحبه إلا حرمة، فهو آثم مرتين: أولًا لوقوعه في الزنا، وثانيًا لتحايله على الزنا، وإظهاره إياه بصورة الحلال، وهو حرام. و«حلوان الكاهن» المراد به ما يعطى الكاهن لأجل كهانته، ويدخل في ذلك الهدية والأجرة، وهكذا الرشوة، وكل مال يُعطى لأجل الكهانة، قبل الكهانة أو أثناء الكهانة أو بعد الكهانة، مهما سمي من مسميات، فالعبر بالحقائق. لأن الكهانة محرمة في دين الإسلام، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن «حلوان الكاهن»، وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الذهاب إلى الكهنة والعرافين والسحرة، ومن كان على طريقتهم. وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا الباب: «من أتى كاهنة عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، هكذا رواه الإمام مسلم. وعند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة: «من أتى كاهنة وعرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». وقوله: «وعسب الفحل». وذكر في الحديث الذي أشار إليه في الشرح: «ثمن الكلب»، يعني شراءه، إذا اشتري، فلا يجوز الكلب أن يشترى، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى كذلك عن بيع السنور، أي القطة. قال العلماء: أما الكلب فلأجل خبثه، وحتى لا يحصل انتشاره والتعامل به، فإن الإسلام حرم اقتناء الكلب إلا لإحدى ثلاثة، وما كان بمعناها مما تدفع فيه مفسدة أكبر، ككلب الحراسة، وكلب الصيد والزرع. فما كان بمعنى ذلك مما تدفع به المضرة، فإنه أذن به في الشرع. ومع ذلك لا يجوز أن يباع لأجل هذا. وهل يجوز أخذ الأجرة على التعليم؟ اختلف العلماء في ذلك، وعموم الأدلة تدل على جوازه. وأما السنور وما كان بمعناه، فلأجل لا ينشغل الناس بشراء مال منفعة فيه. وقد مر معنا في أبواب سابقة الإشارة إلى هذه المسألة. فإذن «ثمن الكلب» المقصود به معنيان: المعنى الأول ثمنه في بيعه وشرائه، فهذا لا يجوز. والثاني في استئجاره إذا استؤجر، وهذا كذلك لا يجوز، حتى لا يحصل اقتناء الكلب وانتشاره، وفي هذا مضرة على المسلمين. وأما مسألة لأجل التعليم، فيما تكون به منفعة أو أجرة التعليم، في هذا خلاف. والصحيح ما دام أنه شيء أذن به الشرع، ولا يمكن التوصل إليه إلا بمن يتفرغ للتعليم، فهو مأذون فيه تبعًا للإذن باتخاذه كذلك. وقوله رحمه الله: «وعسب الفحل» المراد به تلقيح الفحل من بهيمة الأنعام وغيرها، مما هو بمعناه مما ينتفع به المسلمون. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لأنه معنى خبيث للاكتساب، وفي الاكتساب به مفاسد كثيرة، منها حرمان الناس، والواجب في هذا الباب هو تبادل المنافع. ومنها أشياء أخرى خبيثة تقع إذا حصل الاكتساب بهذا الطريق. فإن قال قائل: فإذا كان صاحب الفحل لا يطلب، فهل يجوز أن يُعطى؟ وهل يجوز أن يأخذ بغير شرط؟ الجواب: اختلف أهل العلم في هذا. ما دام أنه ليس هناك شرط، فمنهم من أجاز، ومنهم من منع. والأحوط ألا يأخذ شيئًا، خصوصًا إذا جرى العرف بشيء من ذلك. إلا أن يقول مثلًا: أنا ما أريد شيء، خذوه وأطعموه، فهذا جائز. و«الخراج بالضمان»، فكما أنهم ينتفعون به، فإنهم كذلك يطعمونه. فإذا كان كذلك فهذا جائز. وأما اتخاذ أجرة والتعارف على أجرة، ولو لم يشترط، فهذا خلاف الأولى، والأحوط في هذا الباب بعد ورود نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه. وأشار في الشرح إلى ما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثماني: الكلبي، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل». وبيّن رحمه الله معنى «عسب الفحل» في هذا الموضع. فلا يجوز للمسلم أن يتخذ هذا الباب سبيلًا للاكتساب والأجرة، لما سمعنا من معنى، ولمعاني أخرى كثيرة تحصل بها مفاسد إذا فتح هذا الباب. والشرع لم يحرم على الناس شيئًا إلا وفي تحريمه ما فيه مصلحة لهم في عاجل أمرهم وأجله. والله عز وجل حكيم لطيف بعباده، سبحانه وتعالى. طيب نقف عند هذا الحد، ونترك ما تبقى في درس لاحق، وإلى هنا والله تعالى أعلم.