الدرس في كتاب الطهارة 54، الدرس الرابع والخمسون:من( الحديث الحادي والثلاثون:عن عبدالله بن عمر ... 4- كراهة نوم الجنب بلا غسل ولا وضوء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول جواز نوم الجنب بعد الوضوء، مع توضيح أن الوضوء مستحب وليس واجبًا. يُبين أن الكمال هو الاغتسال قبل النوم ولكن الاكتفاء بالوضوء جائز.
يتناول حكم نوم الجنب قبل الغسل، ويُبيّن أن نوم الجنب بلا غسل ولا وضوء جائز وليس مكروهًا لعدم وجود دليل شرعي على الكراهة. كما يبحث في مشروعية الوضوء قبل النوم للجنب.
يُبرز أهمية العلم والسؤال عنه دون حياء، ويُشدد على أدب السؤال بطريقة غير مباشرة عند الحاجة، مع جواز نشر العلم إذا كان فيه نفع مع الحرص على الستر. ينبغي للعالم أن ينشر العلم ولا يمنعه حياؤه من الإجابة على أسئلة الناس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الحادي والثلاثون، قال عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الغسل من كتاب الطهارة. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري في حديث 287، قال البخاري رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر: أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد. وليس في لفظ البخاري في هذا الموضع قوله: يا رسول الله. وقد أشار الحافظ في الفتح إلى أنها رواية النسائي، وهكذا وافقه مسلم، ورواه مسلم نحوه في حديث 306. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: كان الحدث من الجنابة عندهم كبيرًا، لذا أشكل عليهم هل يجوز النوم بعده أو لا؟ يعني أنهم هموا أن ينام الرجل منهم وهو على جنابة، فسألوا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إن أصابت أحدهم الجنابة من أول الليل، فهل يرقد وهو جنب؟ فأذن لهم صلى الله عليه وسلم بذلك على أن يخففوا هذا الحدث الأكبر بالوضوء الشرعي، وحينئذ لا بأس من النوم مع الجنابة. قال: ما يأخذ من الحديث: أولًا، جواز نوم الجنب قبل الغسل إذا توضأ. وهل يفهم منه وجوب الوضوء؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح أنه لا يجب، بل هذا إنما هو على وجه الاستحباب، ولا دليل على الوجوب، والأصل هو براءة الذمة من الوجوب. قال: ثانيًا، أن الكمال أن لا ينام الجنب حتى يغتسل؛ لأن الاكتفاء بالوضوء رخصة، الكمال أن لا ينام الجنب حتى يغتسل، هذا أفضل من هذا، الفضل يعني أن الفضل درجات، أن ينام الجنب وهو مغتسل هذا أفضل وأكمل، وأن ينام وهو متوضئ هذا كذلك أفضل، لكنه دون الذي قبله، وأن ينام من دون وضوء ولا غسل هذا جائز، ولكنه خلاف الأفضل. ويدل عليه كما قال بعض أهل العلم في حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح وهو جنب، ولم تذكر وضوءًا، وغيرها من الأحاديث مما يفهم منه هذا المعنى. قال: ثالثًا، مشروعية الوضوء قبل النوم للجنب إذا لم يغتسل، وهذا هو نفس الأول: جواز نوم الجنب قبل الغسل إذا توضأ، ولكن هنا يريد تعيين الوضوء. وهل هذا الوضوء وضوء كامل الصفات؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح أنه وضوء بكامل صفاته؛ لأن بعضهم قال: وضوء من دون غسل رجلين، وبعضهم قال: وضوء من دون استنجاء، يعني إذا كان هناك حاجة للاستنجاء، وغير ذلك مما ذكره. والصحيح أن ظاهر الوضوء هو بمعناه الشرعي، فيتوضأ وضوءه الكامل. قال: وهل هذا الوضوء ينتقض بنواقض الوضوء؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه لا ينتقض؛ لأنه أصلا ليس رافعًا للحدث، ولكنه مخفف له، ليس رافعًا للحدث، ولكنه مخفف له، فقالوا: على هذا لو أحدث المتوضئ فلا حاجة له لإعادة الوضوء؛ لأن الوضوء إنما هو للتخفيف، فقد حصل التخفيف، وهو لم يرفع حدثًا. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوضوء هو بكامل معناه الشرعي، فهو ينتقض بنواقض الوضوء، لكن لا يلزم من انتقاضه إعادته، وهذا هو الصحيح؛ لأن المقصود منه هو التخفيف لا رفع الحدث. قال: رابعًا، كراهة نوم الجنب بلا غسل ولا وضوء، والكراهة حكم شرعي ويحتاج لدليل، ولا دليل على الكراهة، والصحيح أنه لا يكره، بل هو جائز؛ فالنوم من دون وضوء ولا غسل مباح، وهو من الجائزات؛ لأن الأصل هو عدم التكليف، والنوم بوضوء هو أفضل وأكمل منه، والنوم باغتسال أفضل منه، لكن ليس عدم النوم من دون غسل ولا وضوء مكروهًا؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل هو أن الأفعال هي على الإباحة إلا أن يدل دليل شرعي فيضعها في أحد الأحكام الأربعة الأخرى، ولا دليل في هذا الموضع يدل على ذلك. وفي الحديث كذلك من المسائل: أهمية العلم والسؤال عنه؛ فهذا عمر رضي الله عنه من كبار الصحابة، ومع ذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذه المسألة، فما هو أولى منه من المسائل من باب أولى أن المسلم ينبغي أن يسأل عنه. وفيه كذلك من المسائل: أنه لا ينبغي أن يستحيا عن السؤال فيما يحتاجه المسلم، ولو كان من الأمور الخاصة، وما أثر الأحاديث أدل على ذلك، وسيأتي معنا نظائره مما يدل على هذا المعنى؛ فينبغي للمسلم أن لا يتردد في أن يسأل عن أحواله الخاصة إذا احتاج السؤال، ولا يمنعه الحياء من ذلك؛ لأن الحياء في هذا الموضع هو في الحقيقة خور، وليس هو من الحياء الممدوح؛ لأن الحياء الممدوح كله خير، وليس الخير يمنع من الخير. قال: وفيه كذلك أدب السؤال فيما يكون فيه تحرج من كشف صاحبه أن يذكر بغير تسمية وتعيين، وهذا من كمال ما ينبغي أن يحرص عليه. وفيه كذلك: أن من الأدب أن لا يظهر المرء أحواله الخاصة للناس، وإذا احتاج السؤال فليسأل بغير تعيين. مع أن هذا قد يكون هو مظنة أن هذا صاحب السؤال، لكن ليس بلازم، ولو كان، فظهور السؤال بهذه الصيغة هو الأكمل، وهو كذلك الأحسن بحق الجميع؛ فإذا احتاج الإنسان أن يسأل عن شيء من أحواله الخاصة، فلا ينبغي أن يقول: فعلت، قبلت، أنزلت كذا وكذا، وإنما الأكمل أن يقول: إذا وقع للرجل كذا وكذا، فماذا يصنع؟ ونحو ذلك من الأساليب التي يكون فيها تخفيف التصريح بصاحب السؤال. وفيه كذلك من المسائل: جواز نقل العلم للغير، ولو كان من الأحوال الخاصة، ما دام فيه نفع، فإن ذلك مما ينبغي أن ينقل، وكتمانه من كتمان العلم. هذه حالة من الأحوال الخاصة التي سأل عنها عمر رضي الله عنه، لكن لأن فيها فائدة، فأخبر بها ولده عبد الله بن عمر، وأخبر بها ابن عمر من بعده، فصار علمًا ينقل للناس. وهكذا أنت ربما تسأل عالمًا من العلماء مسألة هي من أمورك الخاصة، فلا بأس أن تجمع بين مصلحة نشر العلم، وكذلك مصلحة الستر، بأن تنقلها كمسألة علمية بدون تعيين صاحبها. قد تسأل المرأة عن أحوال خاصة لها، أو يسأل الرجل عن أمور خاصة به، ويحتاج الناس لجواب العالم في هذا السؤال، فلا ينبغي له أن يمنعه حياؤه وستره لخاصة حالته أن يمنع الناس من الفائدة في تحصيل هذا العلم؛ فكما بث العلم عمر رضي الله عنه، فكذلك أنت بث العلم الذي بلغك عن أهل العلم، ولو كان من أمورك الخاصة، لكن بدون تعيين صاحب القصة، كما وقع في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.