كتاب الإيمان 5

كتاب الإيمان 5

الدرس في كتاب الإيمان 5، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بيان الإيمان وأعماله الموجبة لدخول الجنة

أورد المؤلف أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي بين فيها أعمال الإيمان التي تدخل صاحبها الجنة، مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصلة الرحم. هذه الأحاديث متفق عليها بين البخاري ومسلم.

أهمية التوحيد وأداء الفرائض واجتناب المحرمات

الأحاديث الثلاثة تبين الإيمان الذي يدخل به إلى الجنة، وتتحدث عن أهمية التوحيد وأداء الفرائض واجتناب المحرمات. الإيمان يتضمن النفي والإثبات ويشمل أداء حقوق الخلق مثل صلة الرحم.

وجوب تعلم الفرائض والسؤال عن الدين

يجب على المسلم السؤال عن دينه ولا يكتفي بأداء ما يعلم، خاصة في زمن كثر فيه الجهل. صدق المسلم في أداء الفرائض يجزئه ويكون سببًا لدخول الجنة.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. قال عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ما له، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرب ما له»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتُصل الرحم». درها، قال: كأنه كان على راحلته. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان»، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق لذكره للأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وكما مر معنا التبويبات تبويب الإمام مسلم، والألفاظ ألفاظ الإمام البخاري. فهذا الحديث حديث أبي أيوب، أخرجه الإمام البخاري كما أشار في كتاب الأدب في باب فضل صلة الرحم، قال رحمه الله: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني ابن عثمان وهو عمر قال: سمعت موسى بن طلحة عن أبي أيوب، فذكر الحديث بلفظه. وهكذا رواه الإمام مسلم في أوائل كتاب صحيحه في نفس الباب الذي بوّب به المؤلف رحمه الله هذا الباب، فالتبويبات تبويبات صحيح مسلم التي بوّب بها النووي وغيره: «باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة». وهكذا حديث أبي هريرة أخرجه الإمام البخاري في كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، قال رحمه الله: حدثني محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة عن يحيى بن سعيد عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه. وأخرجه مسلم بهذا اللفظ كذلك في صحيحه «باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة». وهذان الحديثان اتفق البخاري ومسلم على إخراج أصلهما، وانفرد الإمام مسلم رحمه الله بحديث ثالث، وهو ما جاء من حديث جابر بن عبد الله قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن قوقل فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال، أدخل الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». وفي لفظ آخر للإمام مسلم قال: أفرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات وصمت رمضان، وفي لفظ ثالث للإمام مسلم زاد: ولم أزد على ذلك شيئًا، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «نعم»، يعني إذا لم يفعل شيئًا زائدًا عن هذه الفرائض والوقوف عند المحرمات. هذه الأحاديث الثلاثة فيها مجموعة من المسائل من أهمها ما بوب به المؤلف رحمه الله هذا الباب، وأصله تبويب في صحيح مسلم، ففيها بيان الإيمان الذي يدخل به إلى الجنة. فالمراد بالإيمان الذي يدخل به إلى الجنة كما جاء في الأحاديث الأخرى، ما جاء مفصلًا هاهنا، وبه يعلم خصال الإيمان الأخرى، وهي أصول الإيمان من الفرائض التي يجب أن تمتثل، وهكذا المحرمات التي يجب أن تجتنب. وأول هذه الفرائض توحيد الله عز وجل، وأول هذه المحرمات الشرك بالله سبحانه وتعالى، ففي حديث أبي أيوب الأنصاري وحديث أبي هريرة: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا». وفي أن الإيمان بهذا الدين كله نفي وإثبات، إثبات لما يجب ونفي عما يحرم، فكما أنك توحد الله فكذلك لا تشرك به، وكما أنك تطيع الله فكذلك لا تعصه. فمن أراد دخول الجنة فعليه الإتيان بالنفي والإثبات، طاعة لا معصية فيها، وتوحيد لا شرك فيه، لأنه لو أشرك أحبط عمله، «ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون»، ولو أطاع ثم عصى خدش بذلك طاعته. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل أمة يدخلون الجنة إلا من يأبى»، قال: «ومن أبى يا رسول الله؟»، قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». ففيه كذلك فضل التوحيد وأهميته وخطر الشرك وعظيم ضرره. وفيه من المسائل كذلك أن من أعظم خصال الإيمان التي يدخل بها الجنة أداء فرائض هذا الدين، من أداء الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وأداء الزكاة، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا. فعدم ذكر الحج في هذه الأحاديث الثلاثة ليس لأنه ليس مفروضًا، ولكن أجاب العلماء بأحد أجوبة ثلاثة، أولها أنها كانت قبل فرض الحج، لأن الحج فرض في السنة التاسعة، وقيل: الثامنة. وثانيها أن هذه الأحاديث ذكرت ما يستوي فيه أكثر أهل الإسلام، والحج ليس يستطيعه كل الناس، فيكون ذاك حكم خاص لمن يستطيعه. والجواب الثالث أن هذه الأحاديث ليس فيها استيعاب كل خصال الإيمان التي يدخل بها إلى الجنة، ولكن فيها ذكر أهم أصول الإيمان التي بها يكون دخول الجنة. وكل الأجوبة يصح إيرادها في هذا الموضع. وفي قوله بحديث أبي أيوب: «وتصل الرحم»، إشارة إلى أن مما يدخل الإيمان كذلك أداء حقوق الخلق، وهذا مثال يعرف به كل ما كان بمعناه. فالشرع لا يجمع بين مُفترق، ولا يفرق بين مجتمع، فإذن من أعظم ما يدخل الجنة أداء حق الله، وأول حق الله التوحيد، وأداء حقوق الخلق، ومن أول حقوق الخلق صلة الرحم. ويتغاوت الخلق أولوية بحسب القرب، الأقربون أولى بالمعروف، ولهذا كان حق الوالدين أعظم الحقوق من حقوق بني آدم بعد حق الله، ولهذا قرن الله عز وجل بين حقهما بحقه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وهكذا قل في سائر حقوق بني آدم. وفيه كذلك من المسائل أهمية العلم ومجالسه والسؤال فيه، فانظر إلى هذه الفوائد التي تصل إلينا إلى هذا الزمان، في هذا الزمان، وهذا بفضل العلم والسؤال عنه. وهكذا كذلك تعرف أهمية العلم في حياة المسلم، فإنه يزداد زكاة وبصيرة، ويجد عونًا في السير إلى الله عز وجل بالتفقه والتعلم والاستبصار. وفيه كذلك من المسائل ما يجب على المسلم من السؤال عن دينه، فلا يكتفي المسلم بأداء ما علم من الدين، بل يجب عليه أن يسأل كذلك، لأنه ربما يجهل ما فرض عليه. فإذا كان هذا بزمن النبي عليه الصلاة والسلام والوحي ينزل، فكيف بنا ونحن في هذا الزمان وقد كثر الجهل وقل العلم، وكذلك دواعي السؤال تعددت مع كثرة الفتن والشبهات والشهوات. فمن أراد السلام لدينه كان عليه أن يسأل في أمر دينه، وتثبت فيما يعبد به ربه سبحانه وتعالى. وفي قوله في حديث أبي أيوب: «درها»، قال بعض العلماء: قيل أن المراد به أي أترك الناقة تمشي، أي أن الرجل جاء على ناقة، فسأل سؤاله بعد أن انتهى من السؤال أمره أن يترك الناقة ويمشي. وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده ناقة، فأوقفها الرجل، فسأله، فبعد أن انقضى سؤاله قال: «درها»، وهذا هو الأصح، فقد جاء في صحيح مسلم في رواية له أن الرجل أخذ بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من سؤاله والجواب عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «دعي الناقة»، فإذا قوله في آخر الحديث: «درها»، أي أترك الناقة ودعني أمشي، أي بعد أن فرغ السؤال والجواب. وفي رواية حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: «والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا»، فيه جواز الحلف بهذه الصيغة، والحلف على العلم، وهكذا كذلك الاقتصار على الفرائض وأنه يجزئ المسلم. واستدل به بعض أهل العلم على عدم فرضية ما لم يذكر في هذه الأحاديث، وليس على إطلاقه، لأن بعض الفرائض كان فرضها بعد هذه الأحاديث، فهذه الأحاديث كانت في أول الإسلام. ويؤيده ما تقدم معنا في سؤال الرجل الذي جاء يسأل عن من دعاهم إلى الإسلام وما فرض عليهم في دين الإسلام. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن فرائض الدين لا تعرف بأحاديث الأحاديث، بل تعرف بجملة الأحاديث والنظر فيها، فكل ما دل على أنه فرض من الأحاديث فهو فرض، وإن لم يأتِ ذكره في الأحاديث الأخرى. وهذا هو مقتضى التسليم لما جاء في كتاب الله، وعموم ما صح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد يصح الاستدلال به على ما لم يرد صريحًا، فنعم. وأما ما ورد فيه الأمر الصحيح، فلا شك أنه لا ينبغي أن يلغى ذاك الصريح الصحيح بمثل هذه المجملات التي ليس فيها صراحة نفي ما سواها. وكذلك هناك قواعد دلت عليها الأدلة الشرعية: المثبت مقدم على النافي، ومن علم حج على من لم يعلم. وفيه كذلك من المسائل بيان أن من صدق في أداء الفرائض أجزأه ذلك، وكان سببًا لدخول الجنة، ولا يعني ذلك اكتفاء المسلم بها، لأنه قد يحصل منه تقصير. وأول ما تكمل به الفرائض النوافل، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه البشارة لهذا الرجل أنه من أهل الجنة، أي الأعرابي السائل، ففيه فضل هذا الأعرابي وصدق بعض الأعراب، وأن ما ورد في حق الأعراب ليس على إطلاقه، فإنه قد يوجد فيهم من هو خير من كثير من أهل القرى. ولكن لما كان غالب حال الأعراب الجفاء والبعد عن العلم والجهل، كانوا مظنة الكفر والنفاق، وهذا هو ما ورد في قوله سبحانه: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾. وفي حديث جابر بن عبد الله كذلك بيان أن الذي يدخل الجنة لا ينحصر بهذا المذكور، ففي قوله: «أحللت الحلال وحرمت الحرام»، بيان أن المقصود هو الاستجابة لكل أمر والوقوف عند كل نهي، والسنة يفسر بعضها بعضًا. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.