كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية  10

كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 10

الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 10، الدرس العاشر:من( ومن صام رجب معتقداً أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعزر ... ولا يكره صوم العشر الأواخر من شعبان عند أكثر العلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم صيام شهر رجب والأشهر الحرم

يناقش حكم صيام شهر رجب ويبين أنه يعتبر بدعة إذا اعتقد أنه أفضل من غيره، كما يوضح عدم جواز تخصيص الأشهر الحرم بصيام. نهى عمر رضي الله عنه عن صيام رجب ويضرب الصائمين فيه.

حكم نذر صوم شهر رجب وتحويله

يناقش حكم نذر صوم شهر رجب، حيث ذهب بعض العلماء إلى عدم انعقاد النذر، بينما ذهب معظمهم إلى وجوب كفارة يمين عليه، ويمكن تحويل النذر بصوم شهر آخر.

توجيهات حول صيام العشر الأواخر من رمضان

يفرق بين من يصوم العشر الأواخر تخصيصا لها فيحرم ذلك، ومن يصومها لغير تخصيص فلا يكره له ذلك، وتمت مناقشة التفاصيل المتعلقة بهذا الحكم الشرعي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن صام رجبا معتقدا أنه أفضل من غيره من الأشهر وعزر، وعليه يحمل فعل عمر، وفي تحريم إفراده وجهان»، هذه مجموعة مسائل تتعلق بالصيام رجب، وناسب ذكره كذلك في هذا الموضع والفصل؛ لأنه يتكلم على مسائل صيام التطوع. فيقول رحمه الله: «ومن صام رجب معتقدا أنه أفضل من غيره من الأشهر» أثم؛ لأنه وقع في التدين لله بما لم يتدين به المسلمون، ولم يؤذن لهم به، فهو وقع في بدعة من البدع. وقد نبه العلماء على هذا الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الناس، ظنا منهم أن رجب فيه فضائل، وفيه خصائص، والحقيقة أن رجب إنما كان شهرا تعظمه أهل الجاهلية. وألف العلماء في هذا مؤلفات، منها: «تبيين العجب فيما روي في فضل رجب»، وغيرها من المؤلفات فيما يتعلق بالإنكار. وعلى من جهل هذا المعنى، واغتر بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والمكذوبة التي رويت في فضل رجب، ولم يصح منها شيء، فإثمه لأجل بدعته، وتعزيره لأجل إصراره؛ فإنه إذا علم، وأصر، يعزر. وهذا التعزير قد يكون بالضرب، وقد يكون بغيره. وقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينهى عن صيام رجب، وكان يقول: «إنما كان -أي شهر رجب- شهرا تعظمه مضر في الجاهلية»، وكان يضرب الصائمين فيه. وهكذا كذلك روي عنه رضي الله عنه، أرضاه، كما ذكر ذلك خرشة بن الحر رحمه الله، قال: «رأيت عمر يضرب أكف المترجبين، ويقول: كلوا؛ إنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية». وهذا الأثر كذلك صح عن عمر، رواه بن أبي شيبة، والطبراني بإسناد صحيح. وهكذا كذلك روي عن ابن منصور بإسناد صحيح آخر: «أنه كان -أي عمر- كذلك ينهى عن صيام رجب»، فيقول: «رجب، وما رجب؟! إنما شهر كان يعظمه أهل الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ترك هذا التعظيم»، فأمر أهل هذا الدين أن لا يتابع أهل الجاهلية بتعظيمهم لشهر رجب. وروا بن أبي شيبة كذلك بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر: «أنه كان يقول حين رأى رجلا يصوم في رجب: صم، أفطر منه، وحذره من تعظيمه هذا الشهر»، وقال: «إنما كانت تعظمه أهل الجاهلية». وقد ذكر العلماء كراهة صيام رجب عن جماعة من السلف، منهم ما روي عن أبي بكر، وعن عمر، وابن عمر، وابن عباس. بل كان ابن عباس يكره أن يشبه بشيء من التعظيم، فيتخذ عيدا -يعني حتى ولو كان بغير الصيام- والآثار في هذا كثيرة، نص عليها أهل العلم في كتب متعددة في إنكار غلو الناس في شهر رجب. فالحاصل: لأجل هذه الآثار المروية، ولأنه لم يصح في فضلها شيء، قال رحمه الله: «أثم، وعزر». وقوله: «وعليه يحمل فعل عمر»؛ يعني في ضرب المترجبين؛ كان يضربهم على أكفهم، كما تقدم، ولكن ضرب غير مبرح، لا شك؛ إنما المقصود به الإنكار والتأديب. قال: «وفي تحريم إفراده وجهان»، والوجه -كما تقدم- هو التخريج على فتوى الإمام، ليس الرواية عن الإمام، مع أن الرواية -كما تقدم- قد تصح، قد لا تصح. والوجه: تخريج على فتوى الإمام. فقوله: «وفي تحريم إفراده وجهان»؛ أي وجه بتحريمه على ما تقدم، ووجه آخر بعدم تحريمه. لكن بعض أهل العلم حمل هذا الوجه إذا لم يكن تخصيصا له، ظنا أنه شهر فيه فضائل؛ فمن صامه -مثلا- ليس لأجل فضل رجب، ولكن -مثلا- وافق شيئا حصل له؛ مثلا امرأة قالت: «إن شفى الله مريضي، صمت الشهر القادم»، فوافق الشهر القادم شهر رجب؛ فهل يقال لها: «لا تصومي هذا الشهر لأنه شهر رجب؟» الصحيح أنه يؤذن لها بالصيام، ما دامت لم تقصد صيامه لأجل رجب. وإن كان الأفضل في حقها ألا تصومه؛ حتى لا يلتبس ذلك على الناس، فيظن أن هذا إقرار منها، ولمن أفتاها بجواز صيام رجب؛ فيحمل، فيحمل الوجه الآخر على هذا المعنى، وما كان بمعناه. ولا يمكن أن يحمل أبدا على أنه موافقة لمن يعظم شهر رجب. ولو صح هذا الوجه، لقيل: إنه خطأ؛ فكل يؤخذ من قوله، ويرد، إلا صاحب هذا القبر -كما أشار الإمام مالك-، وقاله رحمه الله تعالى. وكما تقدم: كان السلف ينكرون ذلك إنكارا شديدا؛ حتى أنهم ربما لم يأذنوا بصيام بعض أيامه؛ ليس فقط أن يصام كاملا؛ حتى بعض أيامه كانوا يكرهون ذلك؛ أي أن يصام منه شيء، ولم يرد في صيام شيء منه فضل. قال: «ومن نذر صومه كل سنة، أفطر بعضه، وقضاه، وفي الكفارة خلاف»، وهاتان مسألتان: المسألة الأولى: من نذر صوم شهر رجب كل سنة. وتأمل قوله: «كل سنة»؛ لأن قوله: «كل سنة» تأكيد أنه لأجل هذا الشهر بعينه، لا لأجل شيئا عارضا وافقه. وكما تقدم: من قصد الشهر لذاته، ظنا منه أن فيه شيء من الفضل؛ فإنه لا يقر على صيامه. وأما من وافق سببا عارضا، لم يقصد تعيين هذا الشهر؛ فيقال: الأفضل في حقه أن يصوم شهرا آخر، وإن صامه، فإن شاء الله، لا يلحقه ما يلحق المترجبين. ولما كان تخصيصه كل سنة فيه المعنى الأول، قال رحمه الله: إنه لا يصومه؛ بل يفطر بعضه؛ حتى لا يكون فيه استمرار صيام رجب. وكما تقدم: بعض أهل العلم يرى أنه حتى صيام بعضه، وتخصيص هذا البعض من رجب؛ لم يرد به شيء صحيح صريح؛ حتى يتعبد لله به. وسمعنا بعض الآثار المروية في ذلك. وأما ما روي عن ابن عمر: «صم، وأفطر، أو صوم، وأفطر منه»، فهذا المروي عنه رضي الله عنه، أرضاه؛ لا يعني أنه إقرار لصيامه تعبدا بفضله؛ ولكن معناه: إن كنتم صائمين، فصوموا ما صمتم، واتركوا ما بقي؛ حتى لا يشبه بشهر رمضان، وحتى كذلك لا يوافق أهل الجاهلية في ذلك. ولا شك أنه إذا وجد معنى التعظيم؛ فالأولى عدم موافقة المترجبين في هذا الباب. فإذن قوله رحمه الله: «أفطر بعضه»؛ معناه لمن يبتلى بصيامه. وربما قال: «أنا ما قصدت صيامه لأجل الشهر»، فيقال له: «إذن خالف المترجبين، ولا تصمه كاملا». على أن الأفضل الابتعاد عن هذا التخصيص. وقوله: «وقضاه»؛ لأنه نذر نذر بنذر؛ فإنه يقضي مكان الأيام؛ ليكمل صيام الشهر، ويخرج بعض الأيام؛ لأجل لا يوافق المترجبين؛ يعني -مثلا- لو صام عشرة أيام منه، وصام الباقي من شهر آخر؛ حتى لا يوافق المترجبين، ويقضي؛ لأنه نذر أن يصوم شهرا؛ فعليه أن يصوم شهر، والشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون. وقوله: «وفي الكفارة خلاف»؛ أي في كفارة هذا النذر خلاف؛ لماذا؟ لأن من أهل العلم من قال: هذا النذر لا ينعقد أصلا؛ لأنه نذر قام على خلاف السنة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، فإذن لا حاجة للكفارة. والنذر بمثابة اليمين؛ فكما أن اليمين على غير اسم الله لا تنعقد، ولا تكون فيها كفارة؛ قال من قال كذلك: النذر على غير ما أذن به في الشرع؛ فهو كذلك لا ينعقد؛ فلذلك ليس فيه كفارة. ومعظم أهل العلم قال: فيه كفارة؛ لأنه نذر نذرا لله عز وجل. ويمكن تحويل هذا النذر بصوم شهر آخر؛ فإذا لم يستطع، أو لم يرد؛ كفر كفارة يمين؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كفارة النذر كفارة يمين». وكلا القولين محتمل. وكما ترون: لم يرجح الشيخ رحمه الله هنا أحد طرفي أو أحد طرفي المسألة في هذا الموضع. فإن قيل: إنه يكفر احتياطا؛ كان له وجه. وإلا فالقول الأول هو الذي تقتضيه الأدلة؛ خصوصا إذا خص هذا النذر لأجل هذا الشهر. وكما تعرفون: الكثير من العوام إذا قيل لهم كذلك؛ ربما ما تطيب أنفسهم؛ فلذلك كونهم يكفرون؛ هذا هو الأحوط؛ حتى لا يكون ذلك سببا لرجوعهم إلى نذرهم الذي لا ينبغي إقرارهم على الوفاء به. قال: «وأما من صام الأشهر الحرم الثلاثة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصوم شهرا كاملا إلا شهر رمضان، وكان يصوم أكثر شعبان، ولم يصح عنه في رجب شيء»، وهذه مسألة أخرى، وهي في صيام الأشهر الحرم. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان يصوم من شهر محرم. وهكذا كذلك ربما صام بعض الأيام من الأشهر الأخرى. فمن خص هذه الأشهر الحرم بصيام، وتعبد لله به؛ فهو مخطئ؛ لأنه ليس هذا من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ بل لم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم شهرا كاملا قط. ولهذا روية آثار كثيرة عن عدد من الصحابة: أنه عن صيام شهر بأكمله؛ يعني إذا كان في غير رمضان. فقال الإمام الشافعي رحمه الله: «أكره أن يصام شهر بأكمله كما يكمل صيام رمضان». وجاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم»، ثم قالت: «وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيت بشهر أكثر صياما منه في شعبان». وهذا صريح بأنه لم يصم شعبان كاملا. وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام النهي عن صيام يوم الشك، بل والنهي عن تخصيص صيام النصف الثاني منه. فما روي: أنه صام شعبان في بعض الأحاديث الأخرى؛ فيحمل: أنه صام منه، وليس صامه كاملا. ولهذا تكاثرت الآثار المروية عن السلف، ومن بعده من التابعين، ولأئمة في النهي عن تخصيص شهر من الشهور بصيامه بأكمله؛ إلا أن يكون نذرا. ومع ذلك فهو نذر خلاف الصواب؛ فهو نذر خلاف الصواب؛ لأنه لم يكن من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. على أن النذر -كما تقدم- إنما هو يستخرج من البخيل، ولا ينبغي للمسلم أن يعامل ربه جل وعلا بالمقايضة: «إن شفيت مريضي، صمت كذا وكذا، أو تصدقت بكذا وكذا»، وغير ذلك؛ فكيف إذا انضاف معه معنى آخر، وهو أنه ليس من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام صيام شهر بأكمله؟ وقد روية آثار في هذا كثيرة؛ أي في النهي عن تخصيص شهر ما بصيامه بأكمله. وقوله: «ولم يصح عنه في رجب شيء»؛ يعني صيام شيء من رجب؛ أي عن النبي عليه الصلاة والسلام. وما ذكره من أنه لم يصم شهرا كاملا إلا شهر رمضان؛ كما تقدم الإشارة إليه في حديثه عائشة في الصحيحين. قال: «وإذا أفطر الصائم بعض رجب وشعبان؛ كان حسنا»؛ يعني الأفضل والأكمل أن لا يصوم شهرا كاملا؛ كما تقدم؛ حتى شعبان. وإن كان روية في بعض الأحاديث: أنه كان يصوم شعبان؛ فالصحيح: أنه لم يصمه كاملا؛ لحديث عائشة هذا، ولعموم الأدلة في هذا الباب. وأما رجب؛ فكما تقدم: لا ينبغي أن يصام كاملا؛ بل الأفضل والأحوط أن لا يصام؛ لأجل الظن أن فيه شيء من الفضل في صيام أيامه، أو بعض أيامه. قال: «ولا يكره صوم العشر الأواخر من شعبان عند أكثر أهل العلم»، وهذا يقيد فيما إذا كان هذا الصيام ليس لأجل هذا الشهر، وقربه من رمضان؛ فلو أنه وافق صياما يصومه الإنسان، أو كذلك كان له سبب عارض؛ لا لأجل كونه شعبان الذي يسبق رمضان؛ فإنه على ما كان عليه؛ لما تقدم من الأحاديث في هذا الباب. إلا أن يكون صوما يصومه أحدكم؛ فإذا كان لمثل هذا المعنى؛ فلا بأس. وإلا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن-: أنه «نهى عن صيام النصف الثاني من شعبان؛ يعني تخصيصه بالصيام». فتخصيص النصف الثاني من شعبان بالصيام؛ ليس من السنة؛ بل جاء في السنة الصحيحة الصريحة: النهي عن ذلك. وأما إنسان كان يصوم صوما، أو وافق سببا عارضا؛ فهو لم يصم لأجل معنى من معاني التخصيص؛ فلا شك أنه لا شيء عليه؛ لما تقدم. ولهذا كان الصحيح: التفصيل بين من يصوم العشر الأواخر لأجل التخصيص؛ فينهى عن ذلك، ويكره، وبين من يصوم ليس لمعنى التخصيص؛ فإنه لا يكره في حقه ذلك. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.