الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 4، الدرس الرابع:من( ولو وصى أن يصلي عنه بدراهم لم تنفذ وصيته ... وقد يتوجه في الوصية لمعين يقصد وصفه بفقر أو علم ونحو ذلك إذا أراد أن يصرف إلى مثله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الوصية بالصلاة عن الميت بدراهم لا تنفذ وتصرف الدراهم في الصدقة؛ لأن العبادات توقيفية ولا تقع فيها الإنابة. يستدل بذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
إذا كانت الوصية بمال أو عمل غير مشروع، فيجب تحويلها إلى أبواب الخير المشروعة مع مراعاة نية الموصي والشرع. يتم العمل على تنفيذ الوصية بما يوافق نية الموصي والشرع.
إذا كانت الوصية أو الوقف لشخص بناءً على صفات معينة، فإن تغير هذه الصفات يمكن أن يؤدي إلى تحويلها إلى شخص آخر يحمل نفس الصفات. العبرة هنا بنية الموصي أو الواقف.
ينبغي توجيه الصدقة للأقربين خصوصا إذا كانوا في حاجة، ويمكن تغيير الوصف الذي يستوجب الصدقة مع بقاء الأقارب كهدف للصدقة. الوصية للأقربين باب من أبواب الخير والبر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولو وصى أن يصلي عنه بدراهم لم تنفذ وصيته، وتصرف الدراهم في الصدقة، ويخص بها أهل الصلاة. والسبب في هذا أن الصلاة مما لا تقع فيها إنابة، وهذا الباب توقيفي. فالعبادات الأصل فيها التوقيف، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». فإذا أوصى بأن يصلى عنه بدراهم -يعني يترك أحد يصلي له- يقال: هذه الوصية خالفت السنة والشرع. لكن من باب الإحسان بهذا الميت، خصوصا أنه ربما يوصي بذلك لجهله وحبه في الخير، لكنه لم يدري أنه لا يؤتى من هذا الباب. قال: تصرف الدراهم في الصدقة، ويخص بها أهل الصلاة؛ لأنه يعينهم على الصلاة، أي من العباد الذين عرفوا باجتهادهم في هذه النافلة، وهذا العمل الصالح، فيعانتهم إعانة على أداء هذه الطاعة، فهو -بإذن الله- يناله هذا الأجر؛ «فله مثل ذلك، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى هدى كان له بمثل أجر من دعا، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». وهو أعان هؤلاء، فإن شاء الله له بمثل أجرهم. قال: ولو وصى أن يشترى مكانا معينا ويوقف على جهة بر، فلم يبع ذلك المكان، اشترى مكانا آخر ووقف على الجهة التي وصى بها الموصي. وهذا واضح كذلك، ومعناه أنه إذا فات المكان المعين فلا بأس أن يحول إلى غيره؛ لأن المقصود هو حصول الصدقة على ذاك العمل من أعمال البر. مثلا أوصى إنسان أن تشترى عمارة ماء وتكون وقفا للفقراء أو الأرامل أو الأيتام أو طلبة العلم أو غير ذلك من أبواب البر الكثيرة، فلم يبع صاحب تلك العمارة هذه العمارة، يشترى بهذا المال عمارة أخرى ويحصل فيها نفس المقصود الذي أراده هذا الموصي. قال: وقد ذكر العلماء: فيما إذا قال: بيعوا غلامي من زيد وتصدقوا بثمنه، فامتنع زيد من شرائه، فإنه يباع من غيره ويتصدق بثمنه. وهذا يشبه الذي قبله؛ إذا امتنع هذا الإنسان -ربما كان بينه وبين الميت كلام في شراء هذا الغلام أو ما كان بمعناه- مثلا سيارة أو غيرها، فأبى زيد أن يشتري، فليس معناه أن يعطل أمر الوصية، بل يباع من غير زيد، يشتريها أي إنسان آخر ويتصدق بهذا المال في المكان الذي أوصى به. قال: وَلَوَصَّ بِمَالٍ يُنْفَقْ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ، صُرِفَ فِي الْقُرَبِ. الوصية صحيحة، وتوجيهها بهذا المكان خلاف الأفضل، فيوجه إلى الأفضل؛ فهذا أنفع للميت. وأما إذا كان من المشروع المأذون فيه، ولكنه بين فاضل وأفضل، فالأصل إبقاء وصية الموصي، بخلاف المكروه والمحرم. يعني إذا ذكر المكروه فالمحرم من باب أولى. هل ينعقد في المحرم والبدعة؟ فيه قولان من أهل العلم: من يقول أصلا لا تنعقد الوصية في مثل هذا. ولهذا فإنه يجوز للورثة أن يأخذوا ما لهم، وهو بمثابة الحلف بغير الله؛ فالحلف بغير الله لا تنعقد ولا يستلزم فيه كفارة، وهكذا كذلك قاس بعضهم عليه مثل هذا. والأفضل والأكمل والأحوط -لا شك- هو تحويل هذه الوصية إلى غيرها من أبواب القرب والخير، خصوصا وأن أكثر من يوصي بهذا يوصي بجهل، يظن أن هذا باب من أبواب الخير. فمثال البدع والمحرمات: وصية بعض الناس لبعض القباب والزيارات الشركية، فمثل هذه الوصية باطلة. فالأحوط والأفضل تحويل هذه الوصية إلى باب آخر من أبواب الخير المشروع المأذون فيه، فتحول إلى أبواب بر وخير أخرى مأذون فيها. وهكذا كذلك يقال في المكروه كما ذكر الشيخ رحمه الله. قال: ولو وصى أن يحج عنه زيد تطوعا بألف، فيتوجه أنه إذا أبى المعين الحج، حج عنه غيره. وكذا لو مات أو مات الفرس الحبيس، صرف ما وصى به للنفقة عليه في مثله. ولو استغنى الموقوف عليه لفقر، رد الفضل في مثله. وهذه ثلاثة مسائل تشبه المسائل السابقة، وكلها تدور حول معنى عدم تعطيل الوصية إذا تعطل بعض أوصافها. فمهما أمكن إمضاء الوصية فيما يوافق نية الموصي، ما دام يمكن أن يكون كذلك فيما يوافق الشرع، فالواجب هو إمضاء الوصية. وهذا هو الواجب والأصل عدم تغيير الوصية إلا إذا خالف الشرع أو لم يمكن إنفاذها، فتغير إلى ما يوافق نية الموصي ويحصل به المقصود. وكذلك قال: ولو وصى أن يحج عنه زيد تطوعا بألف، فيتوجه أنه إذا أبى المعين الحج، حج عنه غيره. يعني مثلا أوصى بإنسان معين أن يحج عنه، رأى فيه خير وصلاح، يظن أنه أحسن من سيؤدي عنه الحج، فأبى هذا الإنسان -إما لعجزه أو لانشغاله أو لقلة المال الذي أعطي إياه- ما يكفيه. فيقول: يحج عنه غيره. وطبعا يحرص في هذا الغير أن تكون فيه الصفات الموجودة في زيد أو أحسن منه؛ لأن المقصود هو إنفاذ الوصية بما يكون فيه نفع هذا الموصي وموافقة نيته. وهكذا يقول: لو مات أو مات الفرس الحبيس -مات زيد- هل معناه أن لا يحج عنه؟ الجواب: لا، ينظر غير زيد. أو مات الفرس الحبيس: أوقف فرسا فمات هذا الفرس، فماذا يصنع؟ يمكن أن يحول في غيره إذا أمكن التحويل. قال: صرف ما وصى به للنفقة عليه في مثله. يعني إذا كان يمكن ذلك. وقوله: لو استغنى الموقوف عليه لفقر، رد الفضل في مثله. أوقف لإنسان معين، ولكن هذا المعين استغنى: فقير صار غني، أو كذلك يتيم كبر وصار غني ويستطيع أن يستغني بنفسه، لا يعني ذلك أن الوصية تنقطع، ترد على مثله. وهذه المسألة عكس المسألة التي سبقت فيما إذا كانت الوصية بحسب الأوصاف دون الأعيان فإنها تصح. وهكذا لو كانت لعين والمراد به الوصف، فاستغنى صاحب هذه الوصية الموصلة، فلا يعني انقطاع الوصية، بل تحول لغيره ممن هو مثله. وهذا يحصل كثيرا: يوقف بعض الناس مالا للأيتام مثلا، فيكبر الأيتام ويستغنوا، يسأل ورثته: كيف نفعل؟ الآن خلاص الأسرة هذه استكفت وأغناها الله، كيف الحل؟ الحل يحول إلى أسرة أخرى، إلى أيتام آخرين؛ لأن المقصود هو استمرار أجر كفالة اليتيم ونحوه، كذلك في غيره من أعمال البر الأخرى. قال: وقد يتوجه في الوصية لمعين يقصد وصفه بفقر أو علم ونحو ذلك، إذا رد أن يصرف إلى مثله. في نسخة: أراد. والصواب هذا إذا أراد أن يصرف إلى مثله. يعني العبرة بنيته، كيف نعرف هذا؟ إما أن يصرح بذلك أو تدل القرينة على هذا. فإذا كانت الوصية مثلا لأجل وصف الفقر أو العلم أو نحو ذلك، فمعناه إذا ذهب هذا الإنسان -مات أو استغنى أو ترك طلب العلم- ليس معناه أن تنقطع الوصية، ولكن معناه أن تحول إلى أناس آخرين عندهم هذه الأوصاف. وأما إذا أراد لإنسان بعينه، فممكن أن ترد بحسب نيته إلى من هو مثله في هذا العين. مثلا أوصى بوصية لأحد أبناء ابنته الذين فيهم معنى العلم -حرص على طلب العلم أو فيه شيء من الفقر- فكونه خص في أولاد ابنته دل على أنه يريد أن تكون الصدقة في الأقربين. يريد أن تكون الصدقة في الأقربين، خصوصا أنه قال: فقر أو علم. فإذا زال هذا الوصف، يبحث عن وصف آخر -باب من أبواب الخير والبر- في نفس الأقربين، في نفس الأقربين، ولو تغير الوصف -يعني لو تغير من فقر مثلا إلى علم أو من علم إلى فقر أو كذلك إلى أرملة أو نحو ذلك- ما دام كله من أبواب الخير والبر، وعلم من معنى الوصية أنه أراد في الأقربين، فإنه يكون كذلك. طيب نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.