الدرس في شرح تسهيل الفرائض 6، تابع فروع تتعلق بأسباب الإرث . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح توريث الفروع والحواشي وولاء العتاق، حيث يرث من الفروع الذكور والإناث المباشرين ومن أدلى بذكر، ومن الحواشي الأخوات مطلقا وكل ذكر أدلى بذكر. يرث بالولاء المعتق وعصبته المتعصبون بأنفسهم.
يتناول هذا الفصل أسباب الإرث المختلف فيها بين العلماء، حيث يرى الجمهور أن أسباب الإرث ثلاثة، بينما يضيف شيخ الإسلام ابن تيمية أسبابا أخرى مثل الموالاة والمعاقدة والإسلام على يديه والالتقاط. يشرح آراء الفقهاء المختلفة حول توريث الموالاة غير العتق.
يناقش هذا الفصل مسألة توريث من أسلم على يديه إنسان، واختلاف العلماء في هذه المسألة، واستدلال بعضهم بآثار مروية عن الصحابة والتابعين، مع الإشارة إلى ضعف بعض الأحاديث المذكورة في هذا السياق وتضعيفها من قبل الإمام البخاري والإمام الترمذي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: «قال: والفروع كل من للشخص عليهم ولادة، كالأولاد وأولادهم وإن نزلوا، والوارث منهم كل من ليس بينه وبين الميت أنثى، كالأولاد وأولاد الأبناء. فأما من بينه وبين الميت أنثى كأولاد البنات، فمن ذوي الأرحام». وهذه القاعدة في توريث الفروع: أن من يرث من الفروع هم الذكور والإناث المباشرين، أي من الأبناء، ثم ما بعد ذلك، فكل من أدلى بذكر. وأما من أدلى بأنثى فإنه لا يرث. قد يقول قائل: لماذا لم يذكر هذه القاعدة في الأصول؟ الجواب: لأن في الأصول من يدل بأنثى ويرث، وهي الجدة أم الأم. الجدة أم الأم فإنها ترث مع أنها أدليت بأنثى وارثة. وقد ورثها الشرع. أما بنت البنت، بنت البنت فهي لا ترث؛ لأن الشرع لم يورثها. لأن هذا الباب توقيفي، وليس عقلي. قال -رحمه الله تعالى-: «فأما من بينه وبين الميت أنثى كأولاد البنات، فمن ذوي الأرحام». وسيأتي الكلام على ذوي الأرحام -إن شاء الله-. قال -رحمه الله-: «والحواشي فروع الأصول، كالإخوة والأعمام وأبنائهم وإن نزلوا. والوارث منهم الأخوات مطلقا. فأما غيرهن من إناث الحواشي، فمن ذوي الأرحام، كالعم والخال وبنت الأخ وبنت العم ونحوهن». الثاني: الإخوة من الأم دون فروعهم. الثالث: كل ذكر أدلى بذكر، كالإخوة والأعمام لغير أم وأبنائهم. فأما المدلي بأنثى كالخال والعم لأم وابن الأخت ونحوهم، فمن ذوي الأرحام. وهذا تنبيه كذلك في مسألة الحواشي ومن يرث منهم. أولا: قال: «الحواشي هم فروع الأصول». الأصول هم من الآباء والأمهات ومن علاء من الأجداد والجدات. ففروع هؤلاء الأصول هم الحواشي. فيدخل فيهم الإخوة والأعمام وأبناء الإخوة وأبناء الأعمام وإن نزلوا. وهكذا يدخل فيهم كذلك على معنى الحواشي عموما، بغض النظر من يرث ومن لا يرث، يدخل فيهم العمات، ويدخل فيهم الخالات، كما دخل الأعمام. دخل العمات، ويدخل فيهم الأخوال والخالات وأبنائهم كذلك. لكن بيّن الشيخ -رحمه الله- أن الذي يرث هاهنا الأخوات مطلقا. فأما غيرهن من إناث الحواشي، فمن ذوي الأرحام. وابتدأ بالأخوات؛ لأن أولا هذا من جهة الفرض، وثانيا لأجل أن يسهل التقسيم؛ لأنه يذكر القليل ثم الأكثر ثم الأوسع حتى ينضبط للطالب حصر الحواشي. فالأخوات مطلقا، ومعنى مطلقا: أي شقيقة أو لأب أو لأم. وسيأتي لأم فصل خاص لها. قال: «فأما غيرهن من إناث الحواشي، فمن ذوي الأرحام». قلنا: فروع الأصول. فالعمة من فروع الأصول. قال: «العمة لا ترث، والخالة لا ترث، وبنت الأخ لا ترث، ومن باب أولى بنت الأخت، وبنت العم لا ترث، ومن باب أولى بنت العم لا ترث». هذا في ذكر الإناث. فأما غيرهن من إناث الحواشي، فمن ذوي الأرحام. يعني لا يرثن. فانتهينا الآن إلى أن الإناث الوارثات من الحواشي هن الأخوات فقط لا غير. قال: «الإخوة من الأم دون فروعهم». وقوله: «الإخوة من الأم» يتناول الذكور ويتناول الإناث. أما الإناث فقد ذكرنا في قوله: «الأخوات». وهنا ذكر من باب التأكيد، ومن باب أنهم يدخلون تحت هذا كذلك المسمى. قال: «الثالث: كل ذكر أدلى بذكر، كالإخوة والأعمام لغير أم وأبنائهم». فابن الأخ يرث، وابن العم يرث. قال: «فأما المدلي بأنثى كالخال والعم لأم وابن الأخت ونحوهم، فمن ذوي الأرحام». إذن هذه قاعدة ثالثة في من يرث ومن لا يرث من الحواشي. قال -رحمه الله تعالى-: «الفرع الثالث: لا يرث بالولاء إلا المعتق وعصبته المتعصبون بأنفسهم، كابن المعتق وأبيه وجده وأخيه لغير أم ونحوهم». وذلك لأن الولاء يورث به ولا يورث. هذا قول جماهير العلماء. وقال شريح: إن الولاء يورث كما يورث المال، فلا يختص بالعصب المتعصبين بأنفسهم. وهو مروي عن الإمام أحمد. فلو مات العتيق عن ابن معتقة وابنة معتقة، فالمال للإبن فقط على قول الجمهور؛ لأنه عاصب بنفسه، وليس للبنت شيء؛ لأنها عاصبة بغيرها. وعلى قول شريح: المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. هذه المسألة تتعلق بالفرع الثالث من أسباب الإرث: التوريث بالولاء. وعلمنا هناك أن التوريث بالولاء هو التوريث بولاء العتاق خاصة، وهي نعمة المعتق على المعتق. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الولاء لحمة كلحمة النسب». وهذه العلاقة والعصبة التي تكون بين المعتق والمعتق هل تكون له لوحده؟ قال العلماء: تكون له وتكون لعصبته المتعصبون بأنفسهم. هكذا قال الجمهور. وقال بعض أهل العلم: بل هو له ولمن يرث منه بالنسب، أخذا بعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتقدم: حديث بن عمر: «الولاء لحمة كلحمة النسب». وأشار هاهنا أنه ذهب إلى هذا القول القاضي شريح، وروى ابن المنذر -رحمه الله- أنه قول مسروق وطاوس وجماعة، وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد. قال -رحمه الله تعالى-: «الفرع الرابع: ليس للميراث سبب غير هذه الأسباب الثلاثة عند جمهور العلماء». وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عند عدم الأسباب المذكورة أسبابا أخرى، وهي: الموالاة والمعاقدة والإسلام على يديه والالتقاط وكونهما من أهل الديوان. قال: «ويرث المولى من أسفل، وهو العتيق عند عدم الورثة». وقال له بعض العلماء... انتهى. وفي بعض ذلك أحاديث في السنن، منها: عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- آخى بين أصحابه، وكانوا يتوارثون بذلك حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، فتوارثوا بالنسب. رواه أبو داود والدارقطني، وفي سناده من فيه مقال. الثاني: عن قبيصة عن تميم الداري قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما السن في الرجل من أهل الشرك يسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته». رواه الخمسة وصححه وزرعة. وقال الشافعي: ليس بثابت. وقال الترمذي: ليس بمتصل. الثالث: عن واثل بن الأسقع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وابنها الذي لاعنت عليه». أخرجه الخمسة إلى أحمد. وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه الحاكم. وفي إسناد عمر بن ربيعة التغلبي، قال البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. قيل: تقوم به الحجة. قال: لا، ولكن صالح. الرابع: عن ابن عباس أن رجلا مات على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يترك وارثا إلا عبدا هو اعتقه، فأعطاه ميراثه. رواه الخمسة. وفي إسناده عوسجة، قال النسائي: ليس بالمشهور. وقال أبو زرعة: ثقة. وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها ما ترى، فإن بين هؤلاء وبين الميت من الصلة الخاصة ما يجعلهم أولى بميراثه من بيت المال الذي هو لعموم المسلمين. والله أعلم. حاصل هذا الفرع: أراد أن يشير الشيخ -رحمه الله- إلى بعض أسباب الإرث التي اختلف فيها العلماء. وهذهذا القسم الأول: يدخل في معنى الموالاة. وهو الذي تقدم معنى الإشارة إليه: الموالاة بغير نعمة العتق. فمنهم: موالاة الإسلام. ومنهم: موالاة المعاقدة. ومنهم: موالاة المناصرة. فما كان بهذا المعنى، فهذا قسم تدخل فيه هذه المعاني الثلاثة. وهذه المسألة: أي التوريث بالموالاة غير موالاة العتق، اختلف فيها أهل العلم. فذهب الجمهور إلى أنه ليس بسبب للتوريث. وذهب الحنفية، ووافقهم بعض أهل العلم: أنه يقع به التوريث. وذكر بعض أهل العلم: أن من قال بالتوريث ذكروا في ذلك شروطا. فالجمهور: الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. المشهور عنهم أنهم لا يورثون بهذا. وكذلك هو قول الثوري والأوزاعي والكثير من أهل العلم. والمشهور عن الحنفية: التوريث. وروي عن بعض أهل العلم التفصيل. كما روي عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول بالتفصيل. فقال: من جاء من أرض العدو فأسلم على يد رجل -يعني بالنسبة لمن يسلم أو تكون له موالاة نصرة- يقول: من جاء من أرض العدو فأسلم على يد رجل، فهو أولى به -يعني يحصل بينه وبينه توارث-. وأما الذمي فللمسلمين عموما. يعني الذمي إذا أسلم فلا تكون له نصرة لمن أسلم عنده؛ لأنه في أرض الإسلام. وسبب هذا التفريق: كأنه يرى أن نعمة الإسلام دخلت عليه بتعرفه على الإسلام من جميع المسلمين، بخلاف الأول. وهكذا كذلك بعض الحنفية يرون أن هذا الباب يحتاج إلى شيء من الشروط. ووضعوا شروطا. قالوا: التوريث بالولاء بهذا المعنى له شروط. من هذه الشروط: أن يكون هناك عقد بين هذا المورث والمورث الذي يقع بينهم الميراث، وأنه يذكر في هذا العقد الميراث والعقل -إذا كان هناك عقل- يعني عقل الدية؛ حتى يكون كأنه رجل من أهل تلك القبيلة التي منها هذا الرجل أو تلك الجماعة التي حصل معهم الحلف أو الموالاة. قالوا: والشرط الثاني: أن يكون مجهول النسب. وخالف في هذا بعض الحنفية، وقالوا: لا يلزم أن يكون مجهول النسب، يكفي أن يكون أسلم حديثا أو ماذا؟ جاء من بلاد ليست هي بلاد العرب -كما سيأتي-. والشرط الثالث: قالوا: أن لا يكون عليه عتاقة؛ لأنه لو كان عليه عتاقة، فولاء العتاقة أقوى من هذا النوع من الولاء. والرابع: قالوا: أن يكون حرا بالغا عاقلا؛ وذلك لأجل لا يلحقه شيء. فإن كان عبدا، فإذن سيلحقه ما يعارض ذلك من أمر العتاقة. وكونه بالغا: حتى يكون صحيح التصرف. وهكذا عاقلا. والشرط الخامس: قالوا: أن لا يكون عربيا ولا مولى لعربي. والسبب في هذا: قالوا: لأن تناصر العرب بالقبائل -كما سيأتي- معنا: أنه يحصل التوريث بأصل الرجل لأدنى قريب له. والسادس: أن لا يكون عقل عنه بيت المال. يعني لو قد جعل عقله لبيت المال، فكذلك ارثه لبيت المال. وولاؤه يكون للمسلمين عامة. وولاؤه للمسلمين عامة. ونحن نرى أن هذه الشروط وإن لم تذكرها هنا، فبعضها هو من المهم الذي يقتضيه قول من يقول بهذا القول. ولهذا فشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ألمح إلى ذلك في مواضع من كتبه إلى بعض أو إلى معنى هذه الشروط. فإذن على قول من يقول بالتوريث بالموالاة -سواء موالاة الإسلام أو موالاة النصرة والمعاقدة- فإنه يكون فيها شيء من هذه الشروط التي يكون بها حصول التوريث. وأن مثل ذلك أولى من توريث بيت المال. أو لمن توريث بيت المال. ويستأنس بهذا ببعض الآثار المروية في هذا الباب. فقد روي توريث من أسلم على يده إنسان عن عمر -رضي الله عنه- وابن مسعود. وجاء معناه عن الحسن وإبراهيم. وروي عن الحسن أنه كان لا يقول بذلك. أنه كان لا يقول بذلك. وأما الحديث التي أشار إليها، فحديث ابن عباس المذكور -كما قال- فيه ضعف؛ لأنه من رواية سماك عن عكرمة. ورواية سماك عن عكرمة مضطربة. والحديث الثاني: حديث قبيص عن تميم، فهو كذلك فيه ضعف -كما أشار إليه-. وقد بوب الإمام البخاري -رحمه الله- بابا في صحيحه، فقال: «باب إذا أسلم على يديه -يعني إنسان- هل يرث أو لا يرث؟ لم يذكر الجواب». قال: «وكان الحسن لا يرى له ولاية -يعني معنى أنه لا يورث- قال: وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الولاء لمن أعتق"». قال: «ويذكر عن تميم الداري رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم ذكر الحديث: حديث تميم الداري: "سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-..." إلى آخره». قال بعد ذكر الحديث: «واختلفوا في صحة هذا الخبر». ثم أورد حديث: «إنما الولاء لمن أعتق». إشارة منه إلى أن الصحيح -فيما يرى- أن الولاء لمن أعتق. وهذا ليس من هذا الباب. وهذا ليس من هذا الباب. فذهب هو إلى ما ذهب إليه أكثر أهل العلم في هذه المسألة. وكما قلنا: المسألة الخلافية. فمن أفتى فيها، فيحتاج أن يقيدها بشروط. فيقول: هو أولى من بيت المال. ونعمة الإسلام كنعمة العتق على من يقول بذلك. ولكن يحتاج أن يضع له شيء من الشروط. وأما حديث واثل بن الأسقع: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: تحوز المرأة ثلاثة مواريث...» مر معنا في درس الدرر: أنه حديث فيه ضعف. ولكن بعض معناه يصح. فابن الملاعنة: صح فيه حديث سهل بن سعد في الصحيحين. أي معناه. وهكذا كذلك العتيق: حديث عائشة وابن عمر في الصحيحين: «إنما الولاء لمن أعتق». واللقيط: جاء فيه أثر عمر -رضي الله عنه- وهو الذي بمقتضاه أفتى معه منهم: سفيان وإسحاق وغيرهم من أهل العلم. وسئل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن ذلك، فقال: لا أدري ما أقول. لكن قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الولاء لمن أعتق». هكذا رواية في مسائل أحمد وإسحاق. وفي مسائل عبد الله ابنه: أنه سئل وذكر له أثر عمر في هذا الباب: أنه قال عمر: «لك ولاؤه، وعلينا نفقته». فقال الإمام أحمد -رحمه الله-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق». كأنه يقف عند هذا الحديث المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: حديث عائشة وابن عمر. وهنا تنبيه: أن المروي عن سفيان هذا هو المشهور. وبعضهم عارض هذا برواية أخرى رواها عبد الرزاق: أنه قال في اللقيط: أن ماله لبيت المال. لكن وجهه ابن المنذر -رحمه الله- في كتابه «الإشراف»: أشار إلى أنه يحمل: أنه قبل أن يبلغ ذلك اللقيط. وأن هذا هو المروي. أي: أنه إذا لم يبلغ وتوفي قبل البلوغ، فإنه يكون لبيت المال. وأن هذا هو قول مالك والثوري والشافعي: قول مالك والثوري والشافعي. وأما حديث ابن عباس الأخير، فهذا الحديث كذلك فيه ضعف: «أن رجلا مات على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يترك وارثا إلا عبدا هو اعتقه، فأعطاه ميراثه». ومقتضاه: التوريث بالعكس. يعني من جهة مال السيد لمال المعتق الذي كان عبدا. وهذا لم يصح مرفوعا. لكن صحت فيه آثار. ولهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بالتوريث به. وأنه أولى من بيت المال -كما أشار شيخنا -رحمه الله تعالى- في هذا الفرع-. وبقي هنا فرعان: فرع الالتقاط، وفرع أهل الديوان. أما الالتقاط: فسبقت الإشارة إليه. وأما أهل الديوان: فالصحيح: عدم التوريث به. وأن رجوعه إلى بيت المال أولى من ذلك؛ إلا أن يكون هناك معاقدة ومحالفة وموالاة بالشروط التي أشار إليها الحنفية -كما ذكره صاحب «حاشية ابن عابدين» وفي «البدائع» وغيرها-. ومن يقول بهذا القول: تأتي عنده مسألة: هل يجوز نقل عقد الولاء؟ أشار الحنفية إلى أنه يجوز نقل عقد الولاء. يجوز نقل عقد الولاء بالرضاء أو بانتهاء مدة العقد. وكذلك تأتيه هنا مسألة: بالنسبة للمرأة التي يتبعها ولدها الذي هو مجهول الأب -كما مر معنا- ابن الملاعنة: يرث من أمه فقط. فكذلك ابن الزنا، وكل من كان بمعناه ممن هو مجهول الأب. وعلى هذا: إذا كانت المرأة لها ولاء، فهل ابنها إذا مات يرثه أهل الولاء؟ الصحيح: نعم. يرث أهل الولاء. على من يقول بالتوريث بالولاء. على من يقول بالتوريث بالولاء. وهنا تنبيه آخر: بالنسبة لحديث قبيص عن تميم: الشيخ الألباني -رحمه الله- يصحح هذا الحديث. وبمقتضى تصحيحه يكون فتواه: العمل بظاهر هذا الحديث. وهي فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-. ولكن كما سبق: الإمام البخاري أشار في تبويبه إلى تضعيف هذا الحديث. وأشير إلى تضعيفه كذلك بكلام الإمام الترمذي -رحمه الله-. نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.