شرح كتاب الطهارة 42

شرح كتاب الطهارة 42

الدرس في شرح كتاب الطهارة 42، الدرس الثاني والأربعين ( وإذا نوى بغسله الطهارتين أو الحدث ... التيمم لوقت كل صلاة حتى يدخل وقت الأخرى أعدل الأقوال ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الغسل وارتفاع الحدث

يتحدث هذا الفصل عن نية الغسل وتأثيرها على ارتفاع الحدث الأصغر والأكبر، ويبين آراء العلماء في ذلك. الغسل يمكن أن يجزئ عن الوضوء إذا نوى به رفع الحدث.

تعريف التيمم وأحكامه العامة

التيمم هو التعبد لله باستعمال التراب للطهارة، ويكون في حالات محددة مثل فقد الماء أو العجز عن استعماله. أعضاء التيمم هي الوجه والكفين.

شروط وأحكام التيمم التفصيلية

التيمم له شروط أربعة، منها العجز عن استعمال الماء لعدمه أو لمرض. يجب استعمال الماء في بعض أعضاء الوضوء إذا أمكن ذلك وتيمم للباقي.

حكم الجمع بين الوضوء والتيمم وتكرار التيمم

لا يجوز الجمع بين الوضوء والتيمم لأنهما عبادتان أحدهما بدل عن الآخر. ولا يلزم إعادة التيمم لكل صلاة ما لم يجد الماء أو يطرأ ناقض للوضوء.

التفريغ النصي الكامل

يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الطهارة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني والأربعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة: كتاب الطهارة للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، والتي قد قرأنا فيها عددًا من الأبواب والفصول، وآخر ما وقفنا عليه ما ذكر من صفة الغسل الكامل. قال -رحمه الله تعالى-: وإذا نوا بغسله الطهارتين، أو الحدث، أو أطلق؛ فالصحيح: أو أطلق؛ والمعنى: يجوز في الغسل دخول شيء معه، مثل الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر. وقد تقدم معنى أن الأفضل والأكمل فيه أن يسبقه الوضوء، ويجوز في الصفة الثانية للغسل أن لا يسبقه الوضوء، بشرط ألا يمس فرجه؛ لأن الغسل يغني عن الوضوء، بدون يغني عن الوضوء بشرط ألا يمس فرجه. وأما كون المكان يكون ليس فيه نجاسة، هذا لا شك أنه ينبغي أن يحرص عليه، ولهذا كان من صفة الغسل إذا كان حصل استنجاء في مكان الغسل أو قريب منه أن يبتعد، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يغسل رجليه؛ يجعل آخر شيء في الغسل غسل الرجلين؛ لأن الرجلين قد تلامس بقايا شيء من النجاسات، فيبتعد عن المكان الذي استنجأ واغتسل فيه خطوة أو خطوتين، ويغسل رجليه. لكن المراد هنا أن الغسل قد يغني عن الوضوء، وذلك إذا لم يمس فرجه فيه، وقد يدخل الغسل في الغسل إذا كان أحدهما غير مقصود؛ مثل غسل الجمعة مع غسل الجنابة؛ الصحيح أنهما يتداخلان؛ يغني غسل واحد عن هذين الغسلين. يغتسل للجنابة، وهو سيذهب للجمعة، ويحتاج إلى غسل من حضر الجمعة، فليغتسل، فإذا نوى بهذا الغسل هذين العملين جاز. وضابط تداخل الأعمال كما تقدم معنا في دروس سابقة: أن يكون أحدهما ليس مقصودًا لذاته؛ مثل تحية المسجد، وسنة الوضوء، وراتبة الظهر أو راتبة الفجر؛ فإذا صلى راتبة الظهر أو الفجر، ونوى معها تحية المسجد وسنة الوضوء جاز؛ صارت ثلاث أعمال في عمل واحد؛ لماذا؟ لأنه ليس مقصود لذاته حصول ركعتين بعد الوضوء، وركعتين إذا دخل المسجد؛ إنما المقصود حصول صلاة؛ فما دام صلى هذه الصلاة جاز أن يدخل فيها نية هذين العملين معها. بخلاف لو نسي أو انشغل عن راتبة الظهر القبلية، وأراد أن يصلي راتبة الظهر البعدية بنيتين؛ يدخل القبلية في البعدية، هذا لا يصلح؛ لماذا؟ لأن كل واحد من هذه الراتبة مقصود لذاته؛ فهو صلى صلاة واحدة، والمقصود أن يصلي صلاتين؛ فننتبه لهذا. وقوله -رحمه الله-: وإذا نوى بغسله الطهارتين، أو الحدث، أو أطلق؛ يعني لم يحدد نية، أو الصلاة؛ أراد بالغسل الصلاة، ونحوهما مما يحتاج لغسل وغسل أجزاء عنهما؛ معناه: المهم أنه يغتسل الغسل الشرعي، وينوي به حصوله. لكن هل يرتفع الحدث إذا لم ينو به رفع الحدث؟ في هذا خلاف؛ الصحيح أنه يرتفع؛ مثارة بنية الغسل ليوم الجمعة، ونسي أن عليه غسل الجنابة، فهل هذا الغسل يجزئه؟ في هذا خلاف؛ من أهل العلم من قال: غسل الجنابة عبادة يحتاج إلى نية، ومن أهل العلم من قال: هذا الغسل من باب التروك، وباب التروك: إزالة الأحداث، لا تحتاج إلى نية؛ فإذا حصل العمل حصل المقصود. والمراد: أن يغتسل بعد الحدث؛ حصل الغسل أو لم يحصل؛ حصل؛ فقالوا: بهذا أجزأه، وفي هذا خلاف؛ فالأحوط أنه ينوي في العبادات حتى يخرج من الخلاف، وإذا فعلوا فيه مشقة لا بأس -إن شاء الله-. قال -رحمه الله-: لا يجزئ الغسل عن الوضوء؛ يعني رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وقول لبعض أهل العلم؛ والصحيح: أن الغسل يدخل فيه الوضوء كما تقدم. قال: وقال في الاختيارات: وإذا نوى الغسل الحدثين، أو الأكبر، وأطلق، أو الصلاة، ونحوها؛ ارتفع؛ قاله الإسجي؛ وهذا يؤكد أن العبارة التي سبقت: أو أطلق؛ وليس: أو طلق؛ يعني في أول السطر: وإذا نوى بغسل الطهارتين، أو الحدث، أو طلق؛ فالصحيح: أو أطلق؛ كما في الاختيارات. وهذا مثل الذي قبله؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الاختيارات اختار: أن الغسل إذا نوى الحدثين دخل كلاهما في الآخر؛ ولكن قلنا: بشرط أن يكون أحدهما ليس مقصودًا لذاته؛ والغالب في أنواع الغسل هو كذلك. وقوله: أو الأكبر، وأطلق؛ الأكبر: يعني الغسل من الجنابة؛ فيدخل فيه الوضوء؛ أو الصلاة، ونحوها؛ أراد بالغسل الصلاة؛ يريد يصلي، والوقت حر، فاغتسل، وجعل هذا الغسل يدخل، ويكفي عن الوضوء؛ يجوز أو لا يجوز؟ في هذا خلاف؛ والصحيح أنه يجوز؛ ونحوها: يعني مما يحتاج لطهارة. قال: ارتفع؛ قاله الإسجي؛ يعني: هذا هو الصحيح؛ وهذا الكلام نقله صاحب الإنصاف -أي: المرداوي- -رحمه الله تعالى- عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ قال: وإذا تيمم للحدثين، وللنجاسة على بدنه؛ أجزأ عنهما؛ لما سبق. الحدثين: يعني الحدث الأصغر والأكبر، مع وجود نجاسة؛ أي: وإزالة النجاسة؛ الصحيح أنه يجزئ؛ لأن إزالة النجاسات من باب التروك؛ فذهاب النجاسة: ذهاب لحكمها. ودليله: ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في النعل، وفي طرف جلباب المرأة إذا أصابته نجاسة؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: يطهره ما بعده. مع أن الإنسان قد يمشي، ولا يدري أنه أصاب النجاسة أو لم يصبها؛ فيكفي أنه عند الصلاة ينظر في نعله: فيها نجاسة، فيها شيء، ما فيها شيء؛ يصلي يجوز؛ وهكذا المرأة: جلبابها طويل يسحب في الأرض؛ فإذا أرادت تصلي قبل أن تكبر تنظر في طرف جلبابها: فيه شيء؛ إذا ما فيه شيء؛ تصلي، ولا يضر أنها في الطريق مس بنجاسة؛ ما دام أن أثر هذه النجاسة في الحاضر ليس موجودًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: يطهره ما بعده. استدل العلماء بهذه الجملة: أن باب النجاسات من التروك الذي لا يحتاج إلى نية وقصد؛ بل هو حكم يدور بوجوده وعدمه؛ فإذا زال زال حكمه؛ إذا زال: أي النجاسة؛ زالت؛ زال حكمها. قال -رحمه الله-: وإن نوى بعضها؛ فليس له إلا ما نوى؛ لحديث: إنما الأعمال بالنيات؛ وفي هذا خلاف؛ يعني: اغتسل وتوضأ، ولكنه نوى الوضوء، ولم ينو الغسل؛ مثل ما تقدم: نسي؛ نسي أن عليه حدثًا أكبر؛ قام من النوم، وهو يعلم فيما سبق أن عليه جنابة، ولكن حين قام من النوم نسي؛ دخل ليتوضأ ويصلي الصلاة؛ فوجد الوقت حارًا؛ اغتسل؛ اغتسل وتوضأ، أو اغتسل بدون وضوء؛ على القول الراجح بأنه يغني عن الوضوء؛ أي: الغسل الكامل الصحيح؛ وذهب يصلي؛ وفي أثناء ذهابه تذكر أن عليه جنابة؛ هنا النية أثناء الغسل كانت لماذا؟ للصلاة والوضوء، ولم ينو رفع الحدث؛ فهنا يقول: ما دام النية غير موجودة؛ فلا يجزئ؛ هذا قول أكثر أهل العلم؛ لحديث: إنما الأعمال بالنيات. وذهب بعض أهل العلم: أن الغسل الشرعي إذا حصل زال الحدث الأكبر؛ وأنه لا يلزم تحديد النية فيه؛ وقلنا: هذه المسألة خلافية؛ فالأحوط والأكمل أن ينوي. قال: ويسن للجنب غسل فرجه؛ يعني قبل الاغتسال؛ ليزيل ما قد يبقى فيه من أثر الجنابة؛ وليس لأنه نجس؛ لأنه صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح من حديث عائشة: أنه كان يخرج إلى الصلاة، وأثر المني في ثوبه؛ ما كان عنده ثياب كثيرة؛ ربما يكون عنده ثوب واحد فقط؛ قالت عائشة: فإن كان رطبًا قشطته؛ يعني أزالته بشيء، وإن كان جافًا فركته؛ ويذهب ويصلي فيه؛ وفيه دليل أن ماء الرجل وماء المرأة ليس بنجس؛ ليس بنجس؛ لأن ما أصاب الثوب هو من ماء الرجل وماء المرأة؛ أي: المتزوج؛ فلم يغسله، ولم يأمر بغسله -عليه الصلاة والسلام-؛ فدل على طهارته؛ ولكن يزيله من جسده من باب إكمال الطهارة والتنقية. قال -رحمه الله-: والوضوء لأكل، ومعاودة وطء؛ الوضوء لأكل ورد فيه حديث، لكنه ضعيف؛ لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ومعاودة الوضوء؛ يعني من يريد أن يكرر الجماع؛ يجوز له ألا يتوضأ بين الجماعين، ولا يغتسل؛ ما دام أنه لا يحتاج إلى الصلاة؛ ولكن الأفضل والأكمل أن يفعل ذلك؛ لما يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: قوله: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود؛ فليتوضأ بينهما وضوءًا؛ وجاء في رواية يحسنها بعض أهل العلم: فإنه أنشط للعود. فالوضوء لا يرفع الحدث الأكبر، ولكنه يخففه؛ كما تقدم معنى فيمن عليه جنابة، وأراد أن ينام؛ فإذا كان الغسل يستطيعه يغتسل أفضل؛ إذا كان فيه مشقة فيتوضأ، أو كان كذلك فيه مشقة يتيمم؛ كونه ينام هو لا يريد يصلي؛ كونه ينام على تيمم أو وضوء أفضل من أن ينام من دون شيء. وكذلك العود؛ لكن العود يحتاج إلى الماء؛ لأن الماء له أثره في تنشيط هذا الإنسان؛ فيكون سببًا في نشاطه، وإزالة آثار الإعياء الذي به؛ ولهذا جاء في الرواية الأخرى: فإنه أنشط للعود. قال -رحمه الله-: لرجل دخول الحمام بسترة، مع الأمن من الوقوع في محرم؛ ويحرم على المرأة بلا عذر؛ الحمام؛ في زمن متقدم كان لا يسمى إلا على الحمامات المشتركة التي يذهب إليها لتغسيل البدن بالماء الحار والبخار؛ ولا يزال اليوم هذه الحمامات لا تزال موجودة؛ فهذه الحمامات في الغالب يقابل الإنسان فيها أناس يتساهلون في ستر العورات؛ الناس يتفاوتون في الديانة والأمانة والحياء والستر؛ فلأن الناس يدخلون على وجه جماعي وكثرة؛ فربما حصل التساهل في كشف العورات؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز للإنسان أن يدخل مثل هذا المكان. أما إذا دخل وهو مستتر، ولا يرى فيها عورات؛ مثل بعض الحمامات التي تكون إدارتها منضبطة؛ فتشترط أن لا يحصل فيها تكشف، أو يكون فيها خصوصية؛ تدخل، ولكن كل إنسان يدخل في مكان خاص مستتر لوحده؛ فمثل هذا جائز؛ وهو من المباحات؛ ولكن كما قال: يحرص على الستر. وذكر هذا؛ لأن الناس قد يحتاجون للغسل؛ فيه خصوصًا في أيام الشتاء؛ فالناس قد لا يستطيعون التسخين؛ فيسهل عليهم الدخول في مثل هذا المكان لتيسر الماء الساخن، ولوجود كذلك خدمة أحسن. ويحرم على المرأة بلا عذر؛ لما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن ذلك؛ بل جعل -عليه الصلاة والسلام- من علامات الساعة دخول النساء في آخر الزمان لمثل هذه الحمامات؛ كما جاء عن عائشة -رضي الله عنها-؛ وأنها لقيت نساء من أهل الشام؛ فلما أخبرت حذرتهم بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وأن هذا مما أخبر به أنه من علامات الساعة. والسبب: أن المرأة مطالبة بالستر أكثر؛ ولأن النساء بسبب قلة العلم والدين يحصل منهن التساهل في التستر في الغالب؛ لأن المطلوب ستره في جسد المرأة أكثر من المطلوب ستره في جسد الرجل؛ وحفظوا هذا؛ الجسد بالنسبة للمرأة مع مثل هذه الحال فيه مشقة؛ فلذلك يحصل التساهل بين النساء؛ فحرم الإسلام دخول المرأة لمثل هذه الأماكن العامة التي يحصل فيها تكشف. ولكن بعض العلماء استثناء: إذا كان هناك عذر؛ مثل بعض الحمامات التي يذهب إليها للعلاج؛ مثل بعض الآبار التي ماؤها كبريتي حار؛ فيذهب الناس للعلاج في هذه الحمامات من أجل هذا الماء الصحي الكبريتي أو نحوه؛ وهو حار؛ ولكن بشرط أن لا يكون هناك محرم، وأن يكون هناك الستر؛ مثل بعض الحمامات المرتبة النظيفة التي يكون فيها خصوصية للنساء؛ فتستتر المرأة، ولا تجد محذور شرعي؛ فهذا جائز. وهل إذا لم يكن هناك عذر يحرم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ فمن أهل العلم من قال: يحرم؛ لخشية حصول الفتنة، ولئلا تسن سن سيئة لغيرها؛ ومن أهل العلم من قال: يجوز؛ ما دام ليس هناك محرم، وهناك تستر؛ والصحيح: الثاني؛ ولكن إذا خشي الفتنة؛ فالأفضل تركه؛ ومثل هذه المسائل الخلافية التي يسع فيها الخلاف؛ لا ينبغي التجديد فيها؛ ما دام المحظور الشرعي غير موجود؛ ما دام المحظور الشرعي غير موجود. قال -رحمه الله تعالى-: باب التيمم؛ الباب؛ لغة: ما يدخل منه ويخرج؛ والمراد ها هنا: الدخول والخروج المعنوي؛ أي: هذا مدخل لمعرفة أحكام التيمم؛ والتيمم هو: التعبد لله -عز وجل- باستعمال التراب للطهارة على وجه مخصوص. وبعضهم ذكر هذه الصفة: بأن يضرب بكفيه الأرض، ويمسح بهما كفيه ووجهه؛ فأعضاء التيمم: الوجه والكفين؛ ليس كل أعضاء الوضوء؛ وأعضاء التيمم الذي يؤني عن الغسل: الوجه والكفين؛ وليس كل الجسد؛ فالتيمم ليس بديل مثلي وكامل عن الوضوء والغسل؛ وإنما بديل شرعي جعله الله -عز وجل- عن الوضوء. والتيمم في ثلاثة أحوال: الحال الأولى: إذا فقد الماء؛ والحال الثانية: إذا عجز عن استعمال الماء؛ الحالة الثالثة: إذا لم يستطع الوصول إلى الماء مع وجوده؛ ولكن ما استطاع الوصول. مثال الأول: إنسان في سفر ما وجد الماء؛ حضرت الصلاة؛ فماذا يصنع؟ يتيمم. مثال الثاني: إنسان عنده ماء، لكن به حريق منع من استعمال الماء؛ فيجوز أن ينتقل إلى ماذا؟ إلى التيمم. مثال الثالث: إنسان يستطيع استعمال الماء، وليس به عذر، لكنه ما يستطيع أن يصل إلى الماء؛ مثل المسجون الذي عنده ماء لا يستطيع الوصول إليه؛ ليس به الماء مفقودًا، ولا هو عاجز؛ عنده مرض أو شيء، ولكن السبب هو عدم الوصول إلى الماء. ومثله: صاحب الإعاقة الذي يحتاج إلى الإعانة في طهارته؛ صاحب الإعاقة الرباعية ما يستطيع يتوضأ لوحده؛ يحتاج أحد يعينه في الوضوء؛ فإذا وجد من يعينه للوضوء؛ فإنه ماذا؟ سيتوضأ؛ إذا ما وجد أحد يعينه على الوضوء، وخشي ذهاب الوقت؛ ماذا يصنع؟ هل يفوت الصلاة إلى أن يأتي أحد فيساعده في الوضوء؟ الجواب: لا؛ بل يكون عنده تراب جاهز قريب منه؛ يتيمم؛ في مثل هذه الحالات ما وجد أحد في البيت يساعده؛ يضرب بالتراب، وهو يستطيع أن يمسح على كفيه، ويقرب رأسه؛ لأنه ما يستطيع يرفع كفيه؛ يستطيع يحرك الكفين، لكن ما يستطيع يرفع الكفين؛ فيقرب رأسه؛ يقرب رأسه إلى كفيه، ويمسح؛ فيتيمم بدلًا من الوضوء. فإذا له ثلاثة أحوال كما سمعنا. قال -رحمه الله تعالى-: وهو من خصائص هذه الأمة؛ لم يجعل الله طهورًا لغيرها؛ لما جاء في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عائشة وغيرها: فإن آية التيمم نزلت لهذه الأمة؛ وحكمه كذلك؛ ولم يكن في الأمم السابقة؛ بخلاف الغسل والوضوء؛ موجود في الأمم السابقة؛ ولكن تختلف صفته؛ لكن أصله موجود. قال: وهو أيضًا بدل طهارة الماء لكل ما يفعل بها؛ عند العجز عنه؛ وكما تقدم معنا: له ثلاثة أحوال؛ عند فقده، أو العجز، أو كذلك عدم استطاعة الوصول إليه. قال -رحمه الله-: وله شروط أربعة؛ أحدها: العجز عن استعمال الماء؛ إما لعدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ وعدم وجود الماء: عذر يبيح التيمم. وما هو ضابط عدم وجود الماء؟ اختلف أهل العلم في ذلك؛ فالصحيح أنه يرجع في هذا إلى العرف؛ مثلا إذا كان الماء موجود، ولكن الوصول إليه في العرف مكلف؛ فإنه لا يحتاج أن يتعنى في الوصول إلى الماء؛ بل يكتفي بما حوله؛ فالدين جعل هذه رخصة عند الحرج؛ فإذا كان هناك حرج؛ فيجوز الترخص بهذه الرخصة. بعض أهل العلم اشترط: أن تكون المسافة مسافة قصر؛ وهذا ليس بصحيح؛ ولكن يكفي أن يكون فيه المشقة؛ فضلًا عن المضرة؛ مثلا أناس في بادية ما عندهم ماء؛ ولكن يوجد في مسافة أقل من مسافة السفر؛ لكن فيها مشقة وكلفة للمال والوقت في الحصول على هذا الماء؛ فهنا لا يجب على الصحيح الذهاب إلى هناك؛ بل يتيممون. وهذا طبعًا إذا طرأ عليهم؛ وإلا فالأصل أنهم يجلبون الماء للشهر أو الشهرين؛ لكن قد يتأخر إذا انتهى؛ فلا يؤتبه بنفس اليوم؛ فإذا تأخر في ذاك اليوم لا بأس أن يصلوا بالتيمم حتى يصل الماء. قال -رحمه الله تعالى-: أو خوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد؛ العذر هو المرض، أو خشية المرض؛ المرض أو خشية المرض؛ وهذا هو القسم أو النوع الثاني. وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الرخصة في ذلك للصحابة في غزوة السلاسل؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن إمامه أمام القوم أنه كانت عليه جنابة؛ فلم يغتسل، واكتفى بالتيمم؛ فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: تذكرت قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾؛ يعني أن البرد كان شديد؛ فتبسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأذن له؛ فكانت رخصة. قال: أو جرح؛ كذلك الجرح قد يكون ليس مرض، لكن إذا أصابه الماء يتحول إلى جرح أكبر؛ فيزداد؛ فلذلك يجوز أن ينتقل إلى التيمم؛ وهذا إذا لم يستطع أن يحفظ الجرح من الماء. فإن قيل: ما هو الضابط في الانتقال في المرض والعذر والجرح ونحوه إلى التيمم؟ الضابط في ذلك: أن يفتقد عضوا من أعضاء الوضوء الواجبة؛ فإذا كان سيترك ركنًا من أركان الوضوء؛ فهنا ينتقل إلى التيمم. مثلا إذا عنده جرح يسير في اليد؛ ليس لأجل هذا الجرح اليسير يترك الوضوء؛ بل يتوضأ، ويترك هذا المكان الذي فيه الجرح؛ هذا هو الصحيح في مثل هذا الحال. أما من كان مصابًا بوجهه؛ فإنه لا يستطيع؛ إذا كان في وجهه لا يستطيع أن يصل الماء إلى وجهه؛ الجرح في وجهه كثير؛ ويخشى أو عمل عملية في عينيه، ومنع من إصابة الماء في وجهه مطلقًا؛ خشية دخول القطرات إلى العينين؛ فهنا لا يمكن أن يترك هذا العضو، ويتوضأ في الأعضاء الأخرى؛ لأن الوضوء سيكون مختلًا؛ فهنا ينتقل إلى التيمم. قال -رحمه الله-: لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية؛ يعني أن المريض ينتقل إلى التيمم. قال: أو حديث عمر بن العاص؛ رواه أبو داود؛ حديث عمر بن العاص في الغزوة المشار إليها؛ فعمر بن العاص كان هو إمام القوم؛ فأصابته جنابة، والبرد شديد؛ فلم يغتسل -رضي الله عنه- أرضاه؛ خشية الضرر من شدة البرد. قال -رحمه الله-: أو خوف العطش على نفسه؛ مثل أن يكون الماء قليل، والسفر طويل؛ فيبقوا الماء للشرب؛ وينتقلون إلى التيمم؛ أما إذا كان الماء كثيرًا، أو غلب على الظن أنهم يجدون ماء في المنزل القريب الذي سينزل فيه؛ فلا يمتنع. وهنا تأتي مسألة يسأل عنها الكثير من أهل البادية؛ تجد بعض أهل البادية يشترون الماء بالمال؛ وحالهم فيه فقر وفاقة؛ فيجعلون الماء للشرب والأكل والبهائم؛ ولا يستعملونه للوضوء؛ بل يستمرون على التيمم؛ هل هذا يجوز؟ الصحيح في مثل هذا التفصيل: الواجب على أمثال هؤلاء أن ينتقلوا إلى مكان فيه ماء؛ ولا يجوز لهم أن يبقوا في مثل هذا المكان؛ إلا لضرورة؛ مثل أن تكون هناك نزاعات قبلية، أو كذلك يكون هناك سبب لحفظ بهائمهم؛ فيبقون مع وجود هذه المشقة؛ فلا حرج أن يستمروا على التيمم أيام أو حتى أشهر؛ إذا كان ليس هناك طريق ولا سبيل للحصول على الماء بغير المال المكلف. أما إذا كان شراء الماء بمال يسير؛ ولكن هناك شح وبخل؛ فهذا حرام لا يجوز؛ كيف نعرف هذا؟ نعرف هذا حين نجد أنه يغتسلون منه، ويغسلون البهائم؛ ولكن لا يتوضؤون منه؛ إذا كان ثمين الماء ما كنت تغسل البهائم، وتغسل نفسك وملابسك؛ وتبخل في الوضوء؛ فإذا لا تبخل في الوضوء؛ لا تبخل في الوضوء؛ فالوضوء أهم وأعظم؛ لأنه به تؤدي واجب من الواجبات، وشرط من شروط الصلاة؛ وهي الطهارة على الوجه الأكمل. فالصحيح في هذا التفصيل كما تقدم في هذه الأمثلة. قال -رحمه الله تعالى-: حكاه ابن المندر إجماعًا؛ يعني جواز الانتقال إلى التيمم إذا خاف العطش؛ لأن الماء قليل. قال -رحمه الله-: أو تعذر إلا بثمن كثير يزيد على ثمن المثل؛ ثمن المثل: المعتاد؛ اليوم الناس في بيوتهم حين يصلهم الماء من الجهات الحكومية يدفعون عليه المال أم لا يدفعون عليه المال؛ ولكنه مال يسير ومعتاد؛ بخلاف إذا سافرت في سفر، وتزودت بماء؛ وخشيت أن هذا الماء الذي معك لا يكفي؛ فهنا الأمر يختلف؛ أو سكنت في بادية؛ ووصول الماء بمبلغ ثمين؛ ولسبب كما قلنا وعذر؛ فهنا كذلك لا بأس أن ينتقل إلى التيمم؛ لأن ثمن الماء صار كثيرًا. قال -رحمه الله-: وإن أمكنه استعماله في بعض بدنه؛ لزمه استعماله؛ وتيمم للباقي؛ وفي هذا خلاف؛ هل ممكن أن يجمع بين الوضوء والتيمم؟ الصحيح من أقوال أهل العلم: لا يجمع بين الوضوء والتيمم؛ لأنهما عبادتان؛ أحدهما بدل عن الآخر؛ والصحيح في أقوال أهل العلم؛ وهي مسألة أصولية: أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه؛ لا يجمع بين البدل والمبدل منه. ولكن الصواب: وإذا قلنا الجمع؛ يعني التيمم الكامل؛ يعني ما يصلح تغسل اليدين والرجلين والرأس؛ وتترك الوجه؛ ثم تتيمم التيمم الكامل عن اليدين والوجه؛ لا نقول بمجرد أن عضوا من أعضاء الوضوء لا تستطيع غسله؛ يسقط الوضوء؛ واضح؛ هذا هو الضابط؛ إذا سقط عضو من أعضاء الوضوء لتعذر غسله؛ فهنا يسقط الوضوء؛ وينتقل الحكم إلى ماذا؟ إلى التيمم. ولا نقول: مدام هناك أعضاء يمكن غسلها؛ إذن اجمع بين الوضوء والتيمم؛ يقول: لا يجمع بين البدل والمبدل منه؛ هذا هو الصحيح؛ ولأنها عبادة؛ ولم يرد في أدلة الكتاب والسنة الجمع بين الوضوء والتيمم. ولكن جاءت الأدلة التي تدل أن الإنسان يتقل ما استطاع؛ فقوله -رحمه الله-: لحديث أبي هريرة؛ وفيه: وإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم؛ إذن في نفس العبادة في الوضوء؛ استطعت أن تغسل الأعضاء إلا جزء من عضو؛ فلا بأس تغسل الأعضاء إلا جزء من عضو؛ لا تستطيع تتركه؛ ثم هل تتركه وتمسح عليه إذا كان عليه جبيرة أم لا؟ هذه مسألة أخرى. أما أنك لأجل هذا العضو المتروك تتيمم مع الوضوء؛ هذا غير صحيح؛ فننتبه للفرق بين المسألتين؛ بين مسألة أن تجمع بين الوضوء والتيمم لعجز بعض أعضاء الوضوء؛ وبين أن تنتقل إلى التيمم؛ أو تبقى على الوضوء؛ ولا تدخل التيمم والوضوء مع بعض. وكما تقدم: متى تنتقل من الوضوء إلى التيمم؟ إذا عجزت عن أحد أعضاء الوضوء؛ إذا عجزت عن أحد أعضاء الوضوء؛ أما إذا استطعت أن تغسل جميع أعضاء الوضوء إلا أحد الأعضاء؛ فلن تستطيع أن تستوعبه؛ فأتي الذي تستطيع من هذا العضو؛ واترك الذي لا تستطيع؛ فهنا نقول: فاتقوا الله ما استطعتم؛ وفي الحديث: وإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم. قال -رحمه الله-: الثاني: دخول الوقت؛ وقال الشيخ تقي الدين: التيمم يرفع الحدث؛ وهو مذهب أبي حنيفة؛ وهو رواية عن أحمد؛ وقال في الفتاوى المصرية -يعني شيخ الإسلام -رحمه الله-: التيمم لوقت كل صلاة؛ حتى يدخل وقت الأخرى؛ أعدل الأقوال. وهل يلزم إعادة التيمم في كل صلاة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ الصحيح: أن نواقض الوضوء؛ نواقض التيمم هي نواقض الوضوء؛ لكن يزاد شيء واحد فقط؛ وهو إذا وجد الماء بطل التيمم؛ لكن إذا ما وجد الماء؛ ودخل وقت الصلاة الثانية؛ لا يلزم إعادة التيمم؛ لا يلزم إعادة التيمم؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح يدل على لزوم إعادة التيمم. إلى هنا -والله تعالى أعلم-، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، السلام.