شرح كتاب الطهارة 40

شرح كتاب الطهارة 40

الدرس في شرح كتاب الطهارة 40، الدرس الأربعون ( السادس : أكل لحوم الجزور ... واتباع هديهم والقيام لكتاب الله أولى , انتهى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نواقض الوضوء وأسبابها

يتناول هذا الفصل نواقض الوضوء، خاصة أكل لحوم الإبل والردة، مستنداً إلى الأحاديث النبوية وآراء أهل العلم. يُفصّل أثر أكل لحم الإبل والردة في نقض الوضوء.

التعامل مع الشك في الطهارة والحدث

يشرح هذا الفصل كيفية التعامل مع الشك في الطهارة أو الحدث، مبيناً أن الشخص يبني على اليقين ولا ينتقض الوضوء بالشك. يُوضح الفرق بين الموسوس وغير الموسوس في التعامل مع الشكوك.

أحكام الطواف واشتراط الطهارة

يتناول هذا الفصل أحكام الطواف واشتراط الطهارة فيه، مبيناً اختلاف أهل العلم بين وجوب الطهارة وجواز الطواف بدونها في حالة المشقة، ويستند إلى أدلة من الأحاديث النبوية.

التفريغ النصي الكامل

يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الطهارة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأربعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نواصل في درسنا في كتاب الطهارة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وقد مرت معنا في فترة سابقة دروسا من هذا الكتاب، فنكمل ما تبقى من دروس هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: السادس أكل لحوم الجزوري، أي الإبل، سواء كان نيئا أو مطبوخا، لحديث جابر رواه مسلم، قال أحمد: فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. قال في الاختيارات -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: ويستحب الوضوء من أكل لحم الإبل. هذا موضع من مواضع نواقض الطهارة، وهو الآن في سياق ذكره لنحاصره لنواحض الطهارة. ومر معنا في دروس سابقة أن نواقض الطهارة منها ما هي حسية، ومنها ما هي معنوية. فليست النواقض جميعا لأجل النجاسة. فمنها ما المقصود منه معنى حسيا -كخروج البولة والغائط- أو ما كان بمعناه كما تقدم معنا. ومنها ما قد يكون المعنى فيه أكثر من المقصد الحسي. وقد مر معنا كذلك أن الوضوء مما فيه هذه المعاني المعنوية فيما صحت فيه الأدلة، وبعضها فيه خلاف، مثل مس المرأة. وعلمنا من الراجح أنه لا ينقض إلا إذا نزل شيء، لثبوت ما صح مما ينافيه. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه وخرج للصلاة. وكذلك منها ما يكون بسبب مضنة الأثر الحسي، مثل زوال العقل أو الأثر المعنوي. ومنه -على الصحيح- أكل لحوم الجزور أو الإبل. لأن أكل لحوم الإبل -على الصحيح من أقوال أهل العلم- له أثر على صاحبه، بما يكون من أخلاق الإبل. وأثر لحمها على صاحبها: ليست هي سبب لخروج شيء من الهواء أو البولة أو الغائط، ولا هي سبب كذلك لفقدان العقل، حتى يقال: إنه مضنة لذهاب العقل. فعند ذلك لا يدرى إن خرج شيء، مثل النوم. فإن النوم من نواقض الوضوء، ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: العينان وكاء السه، إذا نامت العينان، إن فتح الوكاء -يعني لا يدري صاحبه، أي النائم، ما يكون من حاله- قد يحدث وهو نائم، هو لا يدري. لكن الإبل ليست كذلك، بل لأن لها أثرا معنويا، مثل الردة. الردة توجب الغسل والطهارة، مع أن الردة ليس أثرها حسي، وإنما أثرها ماذا؟ معنوي. وكذلك الإبل، أثرها معنوي. فلحوم الإبل فيها من أخلاق الإبل وشدتها ما ناسب في الإسلام أن يذهب ويخفف من أثرها بالطهارة. فالطهارة تذهب الشدة. ولاحظ أنت في بعض الأطعمة: فيها حرارة، مثل بعض الناس إذا أكل بعض أنواع الأسماك، ربما ما يتحملها، فيطلع الطفح على جلده أو على وجهه، أو ربما أغمي عليه من شدة حرارة بعض الأسماك. ولذلك يمنع من قبل الأطباء المختصين أن يأكل هذه الأسماك. وبعض الناس تظهر عليه آثار خفيفة، يذهبها الاغتسال، إذا اغتسل وتبرد بالماء، أبرد على جلده. فأثر ذلك التخفيف من حرارة ما أكل. وكذلك الإبل، فالإبل لحمها فيه حرارة، وهذه الحرارة معنوية أكثر من حسية، تورث الغضب، تورث الغضب والغيض، وهذا من أخلاق الإبل. فلذلك أمر الإسلام من أكل لحم إبل -نيئا أو مطبوخا- سواء لحما أو كبدا أو أي شيء من أحشائها، وسواء أكان ممضوغا أو مشروبا -مثل المرق- وما كان بمعناه، كل ذلك -على الصحيح من أقوال أهل العلم- للأحاديث التي أشار إليها، وهي صحيحة. أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالوضوء منها. والصحيح أن هذا الأمر للوجوب، فلا تصح الصلاة -على الصحيح- لمن لم يتوضأ من لحم الإبل. فقوله: ويستحب، حمله بعض أهل العلم أنه في غير الصلاة. في غير الصلاة، أما في الصلاة فيجب. في غير الصلاة يستحب، لماذا؟ لأجل يخفف من حرارة هذه اللحوم. قال رحمه الله: السابع الردة، أعادنا الله منها. وهي أن ينطق بكلمة الكفر، أو يعتقدها، أو يشك شكا يخرجه من الإسلام، فينتقض وضوءه، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ﴾، ولأن الطهارة عمل، والردة حدث. قال الشيخ تقي الدين -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: خطر لي أن الردة تنقض الوضوء؛ لأن النية من شرائط الطهارة على أصلنا، والكافر ليس من أهلها، فلا استصحاب في حقه، فتبطل الطهارة. وهو مذهب أحمد، وهو مذهب أحمد. هذا السابع من نواقض الوضوء: الردة. ومعناها -على القول الصحيح كذلك- معنوي، ليس حسي، ليس في الردة فقدان عقل يزول معه الإحساس، فيظن أنه يخرج منه شيء. ولكن الردة كفر وخروج من الإسلام. وكما قال رحمه الله: من خرج من الإسلام، فقد أبطل جميع أعماله. ومن ذلك الطهارة. فلو كان إنسان على وضوء، ثم ارتد بأي نوع من أنواع الردة -قولي أو فعلي أو اعتقادي-؛ لأن الردة قد تقع بالنطق، مثل من يسب الله ورسوله والدين، والعياذ بالله. أو كذلك باعتقاد، مثل الشك بشيء من ثوابت الدين -حداب القبر أو وجود الله سبحانه وتعالى أو غير ذلك-؛ فإنه يكفر، ولو لم يتلفظ بلسانه، إذا صار هذا عقيدة في القلب. أما الأوهام وخواطر الشيطان التي يوردها الشيطان، فهذا لا يضره، بل عليه أن يدفع هذه الخواطر، ويقول: لا إله إلا الله، يكفيه في دفع ما قد يرد من وسوسة الشيطان. فهذا لا يضره، حتى لا يوسوس بعض الموسوسين بما يقذفه الشيطان في قلوب بعض الناس، فيسبب لهم اتهام أنفسهم بالكفر والردة، وهذا خطأ. بل سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما يقع من مثل ذلك، فأخبر أنه من الشيطان، وأنه عليه أن يذكر كلمة التوحيد، ويعلم أنه من صريف الإيمان. الشيطان لا يأتي للكافر، فيقول له بمثل هذه الخواطر، وإنما يأتي للمؤمن؛ لأجل شككه، ولأجل وسوسه، ويدخل عليه ما يشغله في إيمانه. ولكن عليه أن يغلق هذا الباب، ولا يلتفت إليه، ويتوجه بكلمة التوحيد والإقبال على ذكر الله سبحانه وتعالى وطاعته، وعدم الانشغال بمثل هذه الوساوس والأفكار التي يلقيها الشيطان. فإذا ارتد الإنسان بقول أو فعل أو اعتقاد، ومن الفعل: السجود لغير الله، أو الذبح لغير الله، أو غير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة أنه ردة وشرك. فإذا فعل ذلك وهو على طهارة، بطلة هذه الطهارة. فإذا تاب، فإنه يلزمه أن يعيد هذه الطهارة، يعيد هذه الطهارة، لماذا؟ لأن الردة ناقض من نواقض الوضوء. الردة ناقض من نواقض الوضوء. وهنا اختلف أهل العلم: لماذا الردة ناقض من نواقض الوضوء؟ فمنهم من قال: لأنها تحبط الأعمال كلها، ومنها الطهارة. ولذلك من عقوبة الرب العظيم لمن فعل هذا الذنب العظيم: أن أعماله كلها يحبطها الله سبحانه وتعالى بسبب ردته وكفره، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. فكل أعمال الإنسان قبل الردة -مهما كانت صالحة- إذا ارتد وأشرك وكفر، فإن الله عز وجل يحبطها. فإذا كان يحبط كل الأعمال، فإذن الطهارة ماذا؟ من هذه الأعمال، فتدخل في العموم. وذكر بعضهم علة أخرى، كما ذكر رحمه الله هنا: لأن الطهارة عمل، والردة حدث. فالردة حدث معنوي، فأبطلت هذه الطهارة، أبطلت هذه الطهارة، لماذا؟ لأن الردة فيها كفر، وهو من أخبث الأعمال. ولما كان هذا الخبث له أثره على صاحبه، فإنه يلزم لإزالته الطهارة. ولهذا الذي يسلم -إسلام جديد- يؤمر -على الصحيح- بماذا؟ بالاغتسال. يؤمر بالاغتسال لعدة أمور، من أهمها: أنه دخل في الإسلام وهو متلبس بخبث حسي ومعنوي. أما المعنوي: الشرك والكفر والمعاصي. وأما الحسي: لأنه في الغالب الكافر ليس عنده تحرز في أمر الطهارة، ليس عنده تحرز في أمر الطهارة -لا حدث أكبر ولا حدث أصغر-. فلذلك يؤمر بالاغتسال؛ حتى تصح منه الصلاة، وتصح منه العبادات. فلهذين السببين وغيرها من الأسباب، يؤمر الكافر إذا أسلم أن يغتسل. وكذلك المرتد وقع فيما وقع فيه الكافر، فإنه لهذا السبب يؤمر بإعادة الطهارة. وهل يعيدها وضوءا أو غسلا؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه إذا طال فوقع منه ما يوجب الغسل، يعيد غسلا. وإن لم يكن عنده ما يوجب الغسل، فيكفيه الوضوء، يكفيه الوضوء. وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم. والله تعالى أعلم. وذكر بعض أهل العلم -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: أن الردة صارت سببا لنقض الوضوء؛ لأن الوضوء يحتاج إلى نية، وهذه النية زالت بالكفر والردة. فالكافر ليس من أهل النية، فهو قد كفر وارتد، فلذلك بطلت الطهارة. وهذا السبب آخر ذكره بعض أهل العلم. والأقوى هو ما تقدم من أن الردة أثرها معنوي، فلذلك تبطل الطهارة. قال رحمه الله: الثامن: ما أوجب غسلا، أو أوجب وضوءا، إلا الموت، فيجب الغسل دون الوضوء. قوله: ما أوجب غسلا، أو أوجب وضوءا، إلا الموت، فيجب إلى آخره؛ لأن ما أوجب الوضوء أو الغسل، يوجب ماذا؟ الطهارة. ما أوجب الغسل، يوجب الغسل. وما أوجب الوضوء، يوجب الوضوء. وقوله: إلا الموت، فيجب الغسل دون الوضوء؛ لأن الميت أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يغسل، أنه يغسل. وقد تقدم بالنسبة للوضوء نواقضه، فإذا وقع أو وقع ما هو بمعناه، فإنه -على الصحيح- يلحق به الحكم. والغسل كذلك، سواء أكان بسبب الجماع أو الإنزال أو الحيض أو النفاس أو ما كان بمعناها، فإنه كذلك يستوجب عادة الغسل. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الغسل يغني عن الوضوء. فمن فعل الغسل، أغنى عن الوضوء، بشرط أن لا يمس ما نهي عن مسه من القبل والدبر. فإذا فعل ذلك، أجزأه. والأفضل والأكمل أن يتوضأ قبل الغسل، أن يتوضأ قبل الغسل؛ لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب. والله تعالى أعلم. وقد مر التفاصيل كثيرة في النواقض السابقة، تغني عن الإعادة. قال رحمه الله تعالى: فصل: ولا نقض بغير ما مر، كالقذف والكذب والغيبة ونحوها، كالقهقهة. وهذه ذكر بعض أهل العلم أنها كذلك تضر بالوضوء، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا الباب عبادة، والعبادة توقيفية، لا يجوز أن نفرض على الناس شيئا لم يفرضه الله سبحانه وتعالى، ولم يرد عن رسوله صلى الله عليه وسلم. فالذنوب والمعاصي -مهما كبرت- حاشى الكفر والردة والشرك -كما تقدم- فإنها لا تضر بالوضوء، وتضر بالدين، تضر بصاحبها، لكنها بالنسبة للطهارة لا تبطلها. ومثله القهقهة؛ لأنه روي حديث ضعيف في أن القهقهة تبطل الصلاة والوضوء، ولكنه حديث ضعيف. ورؤي فيه آثار، لكن الصحيح أن هذه الآثار فيمن قويت قهقته، فحصل مع القهقها حدث. بعض الناس إذا قوي الضحك، ما تمالك أن يمسك حدثه، فيحصل منه إما نزول شيء من الهواء أو شيء من البول، ونحو ذلك. ومن وقع منه ذلك، حصل نقض الوضوء بسبب ماذا؟ القهقها، أو المصاحب للقهقها -الثاني المصاحب للقهقها-. فأخطأ بعض الناس إذ أخذوا ببعض الفتاوى التي رويت عن بعض السلف في ذلك. والصحيح أن هذه الفتاوى لمن صاحب القهقها خروج شيء. ويوجد من الناس من يحصل منهم هذا، فأما من لم يخرج منه شيء، فالقهقها لا تنقض الوضوء. أما الصلاة، نعم، تضر بالصلاة. قال رحمه الله: ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو بالعكس، بنى على اليقين، سواء كان في الصلاة أو خارجها، استوى عنده الأمران أو غلب على ظنه أحدهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، متفق عليه. وهذه مسألة الشك. والشك في الإسلام لا حكم له. فالشك يزول باليقين. والدليل ما أشار إليه في حديث عبد الله بن الزيد: «شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة». وفي رواية: «يشك في الشيء في الصلاة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف -يعني لا يخرج من الصلاة ويبطل صلاته بسبب هذا الشك- حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». يعني حتى يكون عنده يقين بسماع صوت، أو أن يشم ريحا. فإذا لم يحصل لا هذا ولا هذا، فصلاته صحيحة. وقوله: سواء كان في الصلاة أو خارجها؛ لأن الحديث ورد في الصلاة: «يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة». فأخذ بعض الناس بظاهر الحديث أن هذا الحكم في الصلاة فقط. والصحيح أن هذا الحكم في الصلاة وفي خارج الصلاة، الحكم واحد. الطهارة لا تنتقض بالشك -لا داخل الصلاة ولا خارج الصلاة-. متى تنتقض؟ إذا حصل اليقين بأن يسمع صوتا أو يجد ريحا. فإذا أحس بخروج شيء، فهل يعتبر بهذا الإحساس؟ اختلف أهل العلم في هذا. فمن أهل العلم من قال: هذا الإحساس قد يكون بسبب وسوسة الإنسان، وقد يكون كذلك بسبب الشيطان. وقد جاءت في ذلك بعض الآثار مرفوعة وموقوفة، يحسنها بعض أهل العلم، في عدم الالتفات إلى هذا. وذهب بعض أهل العلم أن ما يحسه الإنسان إذا كان على وجه اليقين -مثل أن يصاحبه إحساس- والإنسان ليس مبتلى بوسوسة، وهذا شرطه: أنه لم يعرف بوسوسة. فإذا شعر بخروج شيء -يقينا- ولم يشم ريح ولم يسمع صوت، فإنه قد يحصل خروج الحدث بغير صوت ولا ريح. فإنه عند ذلك يبطل الوضوء. ودليله ما جاء في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجد رزا في الصلاة فلينصرف»، أو كما قال. ومعنى رزا: يعني خروج شيء بغير صوت ولا ريح، خروج شيء ليست حركة ودبدبة وإحساس قد يجعله الشيطان، والأمر ليس كذلك، ولكن خروج شيء حقيقي. والإنسان بشرط أن يكون هذا الإنسان ليس قد عرف بالوسوسة. فإذا لابد من شرطين للعمل بحديث ابن عمر: الشرط الأول أن يكون الإنسان هذا لم يعرف بوسوسة، والشرط الثاني أن يكون خرج شيء حقيقة، وليس مجرد إحساس. فإنه قد يخرج شيء من غير ريح ولا صوت. ولهذا قال بعده: «فإن تيقنهما». وأما قوله: «استوى عنده الأمران أو غلب على ظن أحدهما» -يعني سواء في الصلاة أو خارج الصلاة- لابد من الصوت أو الريح. فإن تيقنهما، وجهل السابق منهما، فهو بضد حاله قبلهما. إن علمها. إنسان شك في طهارته أو حدثه، شك يقول: أنا توضأت، هل أحدث بعد هذا الوضوء؟ إن كان الأصل الوضوء، فيبقى على أصل الوضوء. إن كان الأصل الحدث، فيبقى على أصل الحدث. لقاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. ودليل هذه القاعدة: حديث عبد الله بن زيد، هذا الرجل دخل في الصلاة على طهارة، فأبقى له النبي صلى الله عليه وسلم أصل الطهارة، ونهاه أن يلتفت إلى الشك حتى يجد اليقين، وهو سماع الصوت أو أن يشم الريح. وبهذا الحديث استدل العلماء على عدة قواعد من القواعد الفقهية، ومنها هذه القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. للصلاة، فإذا إذا هو متيقن من الطهارة، فلا يلتفت إلى ما بعد الطهارة. إذا هو متأكد من الحدث، لا يلتفت إلى ما بعد الحدث. مثاله: إنسان دخل الخلاء، كان على طهارة في أول الصباح، فأحتاج إلى الحمام، دخل إلى الخلاء وهو متأكد، دخل إلى الخلاء، لكن نسي: هل بعد أن خرج من الخلاء توضأ أو لم يتوضأ؟ هنا نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان -الطهارة أو الحدث-. الحدث آخر شيء، الحدث آخر شيء. إنسان كان على طهارة في أول الصباح، وأراد أن يدخل الحمام، ولكنه نسي: هل دخل الحمام أو لم يدخل الحمام؟ إذن الأصل ماذا؟ الطهارة أو الحدث؟ الطهارة. الأصل بقاء ما كان على ما كان، هو متأكد كان على وضوء، لكن نسي: هل دخل أو لم يدخل؟ إذن في الصورتين يبني على الأصل. إن كان الأصل الطهارة، فالطهارة. إن كان الأصل الحدث، فالحدث. وهنا يأتي سؤال: هل يجوز أن يأخذ بالأحوط؟ يعني هو شك: هل أحدث أو لم يحدث؟ فيزيد توضأ. وشك: هل بعد الحدث توضأ أو لم يتوضأ؟ يزيد توضأ. الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يحتاط، بل يبني على الأصل، لماذا؟ حفاظا على أن لا يدخل على نفسه الوسوسة؛ لأنه لو فتح باب للوسوسة، مرض، ومرض الإنسان بالوسوسة خطير. ولهذا الإسلام أمر الموسوس بأن لا يلتفت حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، مع أن الحدث قد يحصل بغير صوت ولا ريح -صحيح-، قد يحصل، لكن قليل أو كثير؟ قليل. قليل أن يحصل الحدث بغير صوت ولا ريح، لكن الإسلام -حفاظا على أن لا يفتح المسلم على نفسه باب الوسوسة- أوثر المفسدة الصغرى لدفع ماذا؟ المفسدة الكبرى. ما هي المفسدة الكبرى؟ الإصابة بالوسوسة. وما هي المفسدة الصغرى؟ ما ظنت وجود الحدث بنسبة قليلة، إذا كان بغير صوت ولا ريح. واضح؟ وهذا الحكم خاص قلنا لمن؟ للموسوس الذي شك، الذي يخيل إليه. ولهذا كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن الزيد: باليقين، لابد من صوت أو ريح، دليل. أما الذي ليس عنده وسوسة، فنرجع إلى حديث من؟ حديث ابن عمر: «من وجد رزا -يعني خروج شيء بغير صوت ولا ريح-». هذا الحكم لمن ليس عنده وسوسة. أما الذي عنده وسوسة، فحكمه ما في حديث عبد الله بن الزيد. قال رحمه الله تعالى: قال في الاختيارات: ويحرم على المحدث مس المصحف والصلاة والطواف. أما الصلاة فبلا خلاف؛ لأدلة الكتاب والسنة. أمر الله عز وجل بالطهارة في الصلاة للصلاة في كتابه، وأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك في سنته. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، هذه آية الوضوء، أمر الله عز وجل بها لمن أراد الصلاة. وهكذا آية التيمم في سورة النساء لمن أراد الصلاة، وليس عندهما. وهكذا كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة وجماعة من الصحابة بالوضوء لمن أراد الصلاة. ومن أحدث، فعليه أن يتطهر. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». حديث ابن عمر في الصحيح. وفي حديث أبي هريرة: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى ماذا يتوضأ». فبالإجماع وأدلة الكتاب والسنة يجب الوضوء للصلاة، ولا تصح إلا بطهارة. إن كان حدث أصغر، وضوء. وإن كان حدث أكبر، غسل. أما مس المصحف، ففيه خلاف. فمنهم من استدل بالآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «لا يمس القرآن إلا طاهر». ومن أهل العلم من قال: هذا هو الأفضل، وليس الواجب؛ لأن الآية إنما نزلت في اللوح المحفوظ، ويدل عليها سياق الآيات. وهذا المروي عن الصحابة في تفسير الآية. وأن الحديث كان كتابا لأهل اليمن. فالمراد بالطاهر: المؤمن، وليس الكافر. ولهذا لم يرد هذا الحديث في حق أهل الإسلام في المدينة ومكة، وإنما كتب في كتاب أهل اليمن. فعلم بهذا أن المراد به المؤمن. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الطهارة لمس المصحف هو الأفضل والأكمل، ولكن ليس بواجب. ويؤكده حديث عائشة رضي الله عنها بالصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن على كل أحواله. وما جاء كذلك عن عدد من الصحابة في مس النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته لبعض آيات القرآن المكتوبة في بعض الصحف والأوراق والأخشاب وغيرها. ولم يذكر عن أحد منهم أنه كان يتوضأ لذلك. ولكذلك عدم وجود المصحف الكامل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان المصحف في صدور الناس. وإنما جمع المصحف في كتاب واحد في زمن من؟ عثمان رضي الله عنه أرضاه. أول مصحف في الإسلام هو مصحف عثمان رضي الله عنه أرضاه. ولهذا يسمى المصحف الذي كتب على نسخة ذاك المصحف: أنه المصحف ماذا؟ العثماني، على أول مصحف كتب في الإسلام في زمن عثمان رضي الله عنه أرضاه. فهذا هو الصحيح في هذه المسألة. والله تعالى أعلم. أما الطواف، فقد اختلف أهل العلم. فالصحيح كذلك أن الطواف يستحب له الوضوء، وهو الأحوط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أنه رخص فيه الكلام». فاستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث أنه يستحب له الطهارة. وأما الوجوب، فقال بعض أهل العلم ذلك قياسا على الصلاة. وليس هناك حديث صحيح صريح يدل على أن الطواف تجب فيه الطهارة. أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لأحد -أو أحابسة-»، في حق الطواف، فقد فسره بعض أهل العلم أنه في حق الحدث الأكبر خاصة -الحيض-، وليس المراد به الحدث الأصغر. ولذلك أفتى غير واحد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن المعاصرين شيخنا محمد بن صالح ابن عثيمين رحمه الله: أنه يرخص في الطواف -خصوصا عند المشقة وشدة الزحام- إذا أحدث الإنسان أن لا يقطع طوافه، يواصل طوافه. فالمشقة تجلب التيسير، لكن لا شك أن الأفضل والأحوط والأكمل هو ماذا؟ يكون طوافه على طهارة، يكون طوافه على طهارة. وإن استطاع أن لا يطوف إلا بطهارة، فهذا هو الأحوط لدينه والأكمل. لكن إذا وقع مع شدة الزحام -خصوصا في مثل هذا الزمان- أنه يحدث في وسط الطواف، فخروجه ويعاده الطواف، فيه مشقة كبيرة جدا، خصوصا على الضعفة وكبار السن. فالصحيح أنه لا يلزمهم الإعادة. والله تعالى أعلم. بل رخص بعض أهل العلم -مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- للضرورة -كالمرأة يذهب رفقتها إذا كانت حائضا- وخشيت أن لا تستطيع أن تعود، وعليها طواف الحج، وهو طواف الإفاضة، أن تتحفظ وتطوف. وهذه الفتوى مشهورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأفتى بمثلها شيخنا الشيخ محمد بن صالح عثيمين رحمه الله رحمة واسعة. ولكن كما قلنا: الأحوط والأكمل والأسلم هو أن يحافظ المسلم على الطهارة في الطواف. قال رحمه الله: ويجب احترام القرآن حيث كتب، وتحرم كتابته حيث يهان أو الجلوس عليه، إجماعا. وهذا تتمة لمناسبة المقام، وإلا ليس هو مما يتعلق بأحكام الطهارة، ولكن تعظيما لكتاب الله عز وجل. يجب احترام القرآن -سواء في المصحف كما تقدم- أو حيث كتب، مثلا كتب في كتاب فيه آيات، أو رسالة فيها آيات، فينبغي أن تحترم؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وهل يلزم من ذلك الوضوء؟ قال بعض أهل العلم بذلك، قياسا على إيش؟ على المصحف. وعلى القول الصحيح: يكون أفضل، وليس ماذا؟ واجب، أفضل وليس واجب. وتحرم كتابة حيث يهان، يعني لا يكتب في المكان الذي ممكن أن يمتهن، مثلا ورقة ترمى، فهذا خطأ. ومن هذا: أن يعطى للأطفال الذين لا يحسنون تعظيم كلام الله، يكتبون آيات ثم يرمون بالأوراق، هذا لا يصلح. ومنه: الجرائد التي ترمى، فينبغي كذلك أن ينتبه لهذا. فلهذا يخصص مكان للأوراق التي يخشى امتهانها؛ لأجل أن تحرق الجرائد وبقايا المصاحف وبقايا الكتب التي فيها آيات وذكر الله سبحانه وتعالى. قال: أو الجلوس عليه، كذلك لا يجوز أن يجلس على شيء فيه ذكر لله أو فيه آيات من القرآن. بعض الناس يأتي، يجعل الجرائد سفرة، يأتي بالجريدة، ما عنده سفرة، يفرشها. طيب، أنت تدري: هذه الجريدة فيها آيات، فيها ذكر لله، فيها اسم الله، كم من الناس اسمه عبد الله وعبد الرحمن وعبد العزيز، وهذا موجود. فأنت تمتهن هذه الأسماء الموجودة، فلا يجوز امتهان مثل هذا. قال: والناس إذا اعتادوا القيام، وإن لم يقم لأحدهم، أفضل إلى مفسدة، فالقيام دفعا لها خير من تركه. وهذه مسألة من باب الإكمال. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي أن يتمثل الناس قياما. واستثنى الإسلام مواضع، مثل إعانة المريض، والتوسعة للكبير، ونحو ذلك. مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم» في قصة سعد بن معاذ، ما قاموا للتعظيم والتحية، وإنما قاموا ليفسحوا له؛ لأنه كان قد أصيب في أكحله، ومنه مات رضي الله عنه أرضاه، وكان سيد قومه. فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرهم أن يقوموا؛ لأنه أحق من يكرم ويعان مع مرضه الذي هو فيه، هذا معنى الحديث. طيب، بقي: إذا كان من النوع الأول الذي فيه معنى التعظيم، المنهي عنه، لكن فيه مفسدة أكبر إذا لم يحصل القيام، فهنا درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فهذا هو قول: والناس إذا اعتادوا القيام، وإن لم يقم لأحدهم، أفضل إلى مفسدة، فالقيام دفعا لها -أي للمفسدة- خير من تركه -أي من ترك القيام-. مثاله: أنت طالب في المدرسة، أعتاد الطلاب أن يقوموا للمدرس، أنت ما تريد أن تقوم للمدرس، وإذا ما قمت ربما فصلوك من المدرسة، وحصل لك ضرر ومشاكل، أنت في غنى عنها. إذن على هذا الفتوى ها هنا، يكون الصواب ماذا؟ تقوم وأنت كاره. مثله بعض المسؤولين أو القادة أو مشايخ القبائل في بعض المجالس، أعتاد الناس أن يقوموا لأمثال هؤلاء من باب السلام والتحية والاحترام. فإذا لم تقم، حصلت مفسدة من الشحناء والبغضاء والعداوة والحقد وغير ذلك، فهنا تقوم لدفع هذه المفسدة، كما ذكر رحمه الله تعالى. وهذا من الفقه والحكمة: أن تدفع المفسدة الكبرى للصغرى. ولا مانع أن تنبه في المقام الذي ينتفع الناس بهذا التنبيه، مثل المسجد، الخطبة، التعليم، أو في مجلس الناس يقبلون منك هذه النصيحة. أو كذلك أن تكون لك منزلة ومكانة، إذا لم تقم لم يحصل لك مفسدة لتعلم، مثل صاحب علم كبير في العلم، كبير في السن، ونحو ذلك. قال: وينبغي للإنسان أن يسعى في سنته صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعادتهم، واتباع عديهم. والقيام لكتاب الله أولى. انتهى. ومعناه: أنك تحرص على متابعة الدليل، وما جاءت به وصايا، نصوص الكتاب والسنة، هذا هو الذي ينبغي أن يحرص عليه. ثم ذكر مسألة ذكرها بعض أهل العلم، وهي: هل يشرع القيام لكتاب الله؟ في هذا خلاف. والصحيح: لا يشرع القيام لكتاب الله سبحانه وتعالى؛ لعدم ورود ذلك. طيب، جاء وقتل طيب إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرا.