كتاب الزكاة 24

كتاب الزكاة 24

الدرس في كتاب الزكاة 24، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام الأغنياء المستحقين للزكاة

يتناول شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير، حيث يوضح أقسام الأغنياء الذين يستحقون الزكاة مثل العامل عليها والمؤلفة قلوبهم. كما يفصل في شروط إعطاء الزكاة لمن لديهم وصف الغنى النسبي أو الغنى الكفافي.

أحكام صرف الزكاة للمستحقين وتفاصيل الفئات

يتناول أحكام صرف الزكاة للمستحقين مثل الغازي وابن السبيل والغارم، مع تفصيل شروط وأحكام إعطاء الزكاة لكل فئة. يشير إلى اختلاف آراء الفقهاء في بعض المسائل مثل إعطاء الزكاة للغارم أو لدفع دينه.

شروط قبول ادعاء الفقر والحاجة وإجراءات الإثبات

يتناول شروط قبول ادعاء الفقر والحاجة، حيث يشترط البينة للغني الذي يدعي الفقر، ويكفي شاهدان لإثبات ذلك. كما يفرق بين من يطلب الزكاة ومن يشفع له، ويشترط للمتعفف أن يأتي بشاهدين لإثبات فقره.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع والعشرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في كتابه «مختصر الإنصاف والشرح الكبير» في سياق ذكره لباب أهل الزكاة: «وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنَ الْغِنَاءِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغَازِي، وَابْنُ السَّبِيلِ». العامل والمؤلف والغارم والغازي، طيب. قال -رحمه الله-: «وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تدفع إلا لفقير؛ لعموم حديث معاذ». هذه مسألة من المسائل؛ كذلك أهل الزكاة، أنه لا ينافي إعطاء الزكاة لمن فيه وصف الغنى. وهذا الباب -كما مر معنا- ينقسم إلى قسمين: من عنده وصف الغنى النسبي، واستحق أن يأخذ من الزكاة من باب من أبواب الزكاة، فيجوز أن يعطى؛ لأن الغنى النسبي ما دام أنه لا يكفيه حاجته، فإنه لا يمنعه من أخذ الزكاة. ومر معنا نظائر وأمثل لهذا؛ فالله -عز وجل- سمى أصحاب السفينة مساكين، فعندهم ما يملكون، ومع ذلك هم من المساكين؛ لأن ما عندهم لا يكفيهم للنفقة الكاملة. وضابط ذلك: أن يكفيه العام، فإن كان ما عنده لا يكفيه العام، فهو ممن يستحق. وهكذا كذلك -على الصحيح- من كان فيه وصف الغنى، ووجبت عليه الزكاة؛ مثل امرأة عندها حلي تجب فيه الزكاة، ولكن هي مسكينة من المساكين؛ باعتبار أن ما معها من الحلي لا يكفي لنفقتها ومن معها لسنة كاملة. فنصاب الذهب ما يعادل 85 جرامًا لعملة اليوم قرابة 17 ألف ريال سعودية، وهذا المبلغ لا يكفي العسرة المعتدلة، فضلًا عن الكبيرة التي فوق العشرة أشخاص لسنة كاملة؛ فلذلك يصح أن يعطى أمثال هؤلاء من الزكاة. والقسم الثاني من المعنى الغناء: من كان غنيًا وعنده ما يكفيه لسنته، لكن يعطى للزكاة لمعنى آخر. وهؤلاء هم هؤلاء الأقسام الأربعة: العامل عليها، يعطى أجرة عمله؛ كالكاتب والناقل والحاسب وغير ذلك. والمؤلف الذي يؤلف لأجل الإسلام؛ سواء أن يسلم نظراؤه -وقد مر معنى أقسام المؤلفة فيما تقدم- أو لدفع شره، بل ولو كان كافرًا ممن يرجى إسلامه، أو يكفى شره، أو يسلم أو يسلم نظراؤه، نحو ذلك. والغارم لإصلاح ذات البين؛ كما تقدم معنا في حديث قبيصة بن المخارق: رجل تحمل حمالة -يعني لإصلاح ذات البين- حتى ولو كان غنيًا، لكنه لا يستطيع أن يدفع ما يكون بإصلاح ذات البين، وإنما فعل ذلك لأن تحقن الدماء ونحو ذلك. والصحيح أن هذا غير منحصر؛ بل كل من تحمل تحمل حمالة في الأمور العامة للخاصة مما فيه نفع للإسلام والمسلمين، فإنه يعان من الزكاة؛ لأنه دين عام. وأما الدين الخاص: إن كان غنيًا، فلا يعطى؛ لأنه عنده ما يدفع به دينه، إلا ما سيأتي ذكره في المسائل الآتية. والرابع: الغازي الذي يغزو في سبيل الله؛ كان كبيرًا أو صغيرًا، حسيًا أو معنويًا، فإنه يعطى ولو كان غنيًا؛ لأنه لا يعطى لذاته، وإنما يعطى لوصفه، ووصفه أنه غازي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فإنه يعطى؛ سواء -كما مر معنا في بابي في سبيل الله- سواء كان للغداء أو العتاد أو غير ذلك، طيب. وقوله: «وبه قال مالك والشافعي»؛ يعني نفس هذا الاستثناء، وهو الصحيح. «وقال أبو حنيفة: لا تدفع إلا لفقير؛ لعموم حديث معاذ». وهذا ليس بالصحيح؛ لأن الآية وأحاديث أخرى كثيرة -رحمك الله- تدل على هذا المعنى، وإنما حديث معاذ: «تأخذ من أغنياء فترد على فقرائهم» أو «إلى فقرائهم». هذا لذكر البعض، المراد به الكل، فيكون ليس حصرا؛ لأننا عندنا أصناف ثمانية -كما تقدم معنا-. قال -رحمه الله-: «ابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه وإن كان له مال في بلده». وهذه مسألة من فروع ما سبق؛ ابن السبيل إذا صار غنيًا، لكن غناه ليس في مكان انقطاعه، هو في بلده غني، لكن في المكان الذي انقطع بطياع المال أو غير ذلك، هو محتاج؛ فوصفه الحاضر في المكان الذي هو فيه يستحق الزكاة. وهل في هذا تفصيل؟ الجواب: نعم. إن قال قائل: هل يفصل إذا كان يستطيع أن يستجلب ماله من المكان الذي يسكن فيه؟ مثل اليوم يتيسر مثل هذا بالحوالات وغيرها من المعاملات المعاصرة، أو لا يفصل؟ الصحيح: يفصل. إن كان يستطيع؛ فيعان فقط للوصول إلى ماله، ولا يعان في الوصول إلى بلده؛ لأنه يمكنه أن يصل إلى ماله. مثلا ما عنده أجرة اتصالات، ولا أجرة مراسلات؛ فإنه يعطى ما يعان ليصل إلى أهله وماله، ولو كان ذلك لا يوصله إلى بلده؛ فيعطى بالأقل، ولا يعطى الزائد إلا إذا لم يستطع. قال: «وإن أراد دفع الزكاة إلى الغارم سلمها إليه، فإن دفع للغريم عن المدين؛ ففيه روايتان» -يعني عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وهو كذلك خلاف بين أهل العلم. قال: «ويحتمل أن تحمل رواية المنع على الاستحباب»؛ يعني الأفضل يعطى للغارم نفسه. وهو كذلك؛ يعني كونك تعطيه للغارم هو أفضل؛ لماذا؟ لأنه أولًا قد يكون عنده ما هو أحوج من الدين، الله اطلعك على الدين، ربما عنده حاجة أشد من الدين. ولا شك أن أسباب الزكاة يقدم فيها الأولى ثم ما دونه -كما سيأتي معنا-، عندك تزاحم يقدم الأشد حاجة؛ فإذا كان عنده مرض ما استطاع أن يعالج في البيت، وعنده دين؛ فأيهم يقدم؟ المرض الذي في البيت. فإذا إعطاء هذا الذي استحق الزكاة إلى يده هو أولى؛ كذلك وأستر له. حين تعطيها للغني يكون في هذا المنة منك على هذا الفقير. وإذا أردت الأجر كاملًا؛ فتعطيه للفقير، فلهذا ولغيره الأفضل أن يعطى للفقير هو يسد الدين. لكن إذا علم الإنسان حال هذا الفقير عن قرب، ووجد أن من أعظم الأمور الذي تضره الدين، وخشي إن أعطاه جعله في أشياء أخرى ليست بضرورية، أو ربما محرمة؛ مثل إنسان مخزن، ضعيف في التكسب، عالٍ على غيره، وعنده أسرة فقيرة مبتلاة بهذا الزوج، هذا الزوج بلوى ومصيبة على أهله؛ فكيف تصنع؟ تتفقد بطريقتك هذه الأسرة، فتعطيها ما تحتاج، وتعطي الدين صاحب الدين مباشرة؛ لماذا؟ لأنك لو أعطيت الرجل يغلب على الظن أنه سيجعلها في غير محلها. فإذن المسألة فيها تفصيل بحسب الأصلح، والله أعلم. قال -رحمه الله تعالى-: «وإن ادعى الفقر من عرف بالغنى لم يقبل قوله إلا ببينة». إنسان مشهور أنه غني، فادعى أنه أصابته فاقة وفقر، وقد يقع مثل هذا؛ سواء بمصيبة أصابته أو خسارة في تجارة أو غير ذلك؛ فالصحيح -كما ذكر- لا يقبل إلا ببينة. قال: «وهل يعتبر في البينة ثلاثة؟ فيه وجهان: أحدهما نعم، والثاني يقبل اثنان؛ لأن الخبر ورد في حل المسألة؛ فيقتصر عليه». يشير -رحمه الله- إلى حديث قبيصة بن المخارق الذي رواه مسلم وغيره؛ فإن فيه أن من الثلاثة الذين تحل لهم المسألة: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش. ثم قال: «والذي أصابته الجائحة ما يحتاج لبينة؛ لأن الجائحة ظاهرة؛ مثل إنسان معروف أن غناه بسبب -مثلا- مزرعة معينة، فجاء السيل فأخذ هذه المزرعة، وليس عنده مال فيما يعلم غيره؛ فهذا ظاهر. رجل عنده تجارة في محل احترق المحل بكامله وبما فيه، ولا يعرف أن عندهم مال غيره، وهكذا». وكذلك في الحديث: «ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه». فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن من أصابته فاقة، وهذا هو الذي يشير إليه: أن من أصابته فاقة بعد عدم فاقة؛ يشهد ثلاثة. ولكن الحديث فيمن تحل له المسألة، وهل يقاس عليه الزكاة فيمن تحل له الزكاة؟ هذا هو الذي أشار إليه الخلاف. والصحيح أنه إن طلبها -طلب الزكاة-؛ فيشترط ثلاثة؛ لماذا؟ لأن طلب الزكاة استشراف، ومن استشرف شيئًا يسيئ به الظن. بخلاف المتعفف الذي يأتي إنسان فيقول لك: فلان أصابته فاقة، كان غنيًا والآن هو فقير؛ فتقول: ائتِ بالشاهدين لهذا حتى تحل له الزكاة. فإن أتى شاهدان وأثبت أن هذا الإنسان صحيح كان غنيًا والآن أصبح فقيرًا؛ فهنا يُعطى، فيكتفى بشاهدين. فيفرق بين من يطلبها وبين من يشفع له؛ فهذا هو الصحيح للسبب المتقدم، والله تعالى أعلم. قال -رحمه الله تعالى-: «قال لأن الخبر في حل المسألة؛ فيقتصر عليه». «وإن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى؛ قبل قوله، لكن بالقرينة يقبل قوله بالقرينة؛ فإن رأوه جلدًا، وذكر أنه لا كسب له؛ أعطاه من غير يمين؛ بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». ودليل حديث أبي هريرة -تقدم معنى فيما- رأى أحمد، النسائي، ابن ماجة، وهو صحيح. جاء معنى من حديث ابن عمر عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، والحاكم وغيرهم؛ وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل من قبل رجلين وهو في الحج الصدقة؛ فنظر إليهما فصعد وأسبل -أو هبط- يعني رأى فيهما شدة. فقال عليه الصلاة والسلام: «في هذه الصدقة أنها لا تحل لغني ولا لذي مرة سوية». ومعناه: لا تحل هذين الصنفين من الناس؛ من عنده وصف الغنى الذي يكتفي بماله عن غيره، أو من عنده قوة يستطيع أن ينفق على نفسه؛ فلا يجوز ولا يحل له أن يسأل من الصدقة. ثم أعطاهما النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يستحلفهما، ولم يطلب الشهادة؛ يعني قبل منهما القرينة أنهم في حج، وأنهم في مقام عبادة، والغالب لا يصل في مثل إلى مثل هذا المكان من يكذب. وإذا كانت هناك قرينة تخون؛ وقد تسيء الظن به؛ فيطلب منه أن يأتي بشاهدين، طيب. نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم.