الدرس في شرح مختصر السيرة 67، الدرس السابع والستون:من( أسارى بدر ... فقال:لا تدعوا منه درهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الأسرى بعد غزوة بدر، فاختلفوا بين أخذ الفدية والقتل. نزلت الآيات من سورة الأنفال تعقيبًا على هذا الحدث.
خير النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بين الفداء والقتل، واختار الصحابة الفداء. كما بين أن النبي فادى الأسارى لكنه لم يعفو عن بعضهم لشدة كفرهم.
ينبغي للإمام أن يحرص على العدل وعدم إظهار المحاباة، وقد أظهر النبي ذلك حين أخذ درهماً من غنيمة الأنصار رغم عفوهم عن عم النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: قال: «أسار بدر»، قال: «واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى، وهم سبعون، وكذلك القتلى سبعون أيضا، فأشار الصديق أن يأخذ منهم فدية تكون لهم قوة، ويطلقهم لعل الله يهديهم للإسلام، فقال عمر: لا والله ما أرى ذلك، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديد الشر». فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر. فقال: «إن الله عز وجل ليليِّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين، وإن الله عز وجل ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾»، ثم قال: «أنتم اليوم عالة» -أو قال: «عالة»- هكذا أصح، ومعنى «عالة»: يعني فقراء، كما علّى. قال: «فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق». فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الآيات، يعني من سورة الأنفال. قال: قال عمر: «فلما كان من الغد، غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو قاعد هو وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ما يبكيك وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء بكيت لبكائكما». فقال: «أبكي للذي عُرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عُرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» -لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم-، وقال: «لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر». قال: وقال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: «نريد أن نترك لابن أختنا العباس فداءه» -يعني يريدون العفو-، فقال: «لا تدعوا منه درهما» -يعني لا تسامحوه-، فلم يأذن النبي عليه الصلاة والسلام بالعفو عن العباس عمه عليه الصلاة والسلام، وكان بعدها إسلام العباس. أورد المؤلف رحمه الله هذا الفصل في الكلام على أسار بدر، وتضمن هذه الأحاديث -التي أصلها في الصحيحين، وبعض الروايات في البخاري ومسلم، وبعضها في مسلم، وبعضها خارج الصحيح، وأصله صحيح إما في الترمذي أو عند أحمد، وهي بين حسن وصحيح- مجموعة من المسائل، أولها ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام من الاستشارة في أسار بدر، فإنه استشار وشاور عليه الصلاة والسلام، وكان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام وخلقه، وينبغي أن يؤتس به عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك في هذا ضرب المثل الذي ضربه النبي عليه الصلاة والسلام في أمر الأسار، ولهذا ذكر العلماء مسألة: هل الصواب ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ به من رأي أبي بكر، أو ما لم يأخذ به من رأي عمر؟ وقد أطال البحث ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم «زاد المعاد» إلى أن ما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من قول أبي بكر هو الذي استحسنه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو المقتضي لعموم الشرع، يعني هو الأكمل في هذا الباب، وحمل نزول الآية بعد ذلك ما قدره الله سبحانه وتعالى على هذا القول، إذا كان قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ويدل عليه ما جاء عند الترمذي وغيره بإسناد صحيح أو حسن عن علي: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يخير أصحابه في أسار بدر بين القتل والفداء، وأنهم إن فدوا يقتل مثلهم من قابل. فخير النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه -يعني تريدون القتل تقتل هؤلاء الأسارى، أو تريدون الفداء والفداء يشتمل على نوعين: إما أن يأخذ مقابل الكافر مسلم يرجع إلى الكفار من الكفار إلى المسلمين، أو يدفع العوض فينتفع المسلمون من هذا العوض-، أو كما ذكر بعض أهل السير: التعليم، أن يعلم عددا من أبناء المسلمين ممن لم يقرأ. فاختار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام -كما في هذا الحديث الذي صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي- اختار الصحابة الفداء على أن يقتل من قابل مثلهم، فقتل مثلهم يوم أحد، قتل من الصحابة سبعون، سبعون من الصحابة قد قتلوا مقابل السبعين الذين فدوهم يوم بدر، فتحقق ما وعدوا به مما خير به جبريل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي لأجله بكى النبي عليه الصلاة والسلام. فيستفاد من هذا -كما أفاده ابن القيم- أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ما هو أكمل وأفضل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا لم يجزم له به، ولهذا جاءت الرواية الأخرى بالتخيير، جاءت الرواية الأخرى في حديث علي بالتخيير. وأما ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر في قول عمر -فيما يرويه عنه ولده ابن عمر رضي الله عنه-: «وأُفقت ربي في ثلاث» -ذكر مقام إبراهيم والحجاب والأسارى-، فلا يعني ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار مع قول أبي بكر ما هو معصية، ولكن اختار الجائز، وإن كان ليس هو الأكمل، الجائز وإن كان هو ليس الأكمل، وهذا بتخيير من الله سبحانه وتعالى كما جاء في الرواية الأخرى في حديث علي رضي الله عنه، والأدلة يفسر بعضها بعضا. وهكذا كذلك من المسائل: أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى أسارى بدر، وكان الفداء -فيما جاء من حديث ابن عباس عند الطبراني والحاكم وغيرهما، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في «الإرواء»- لكل واحد أربعة آلاف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعفو عن بعض الأسارى لما كان منهم من شدة الكفر على المسلمين، ومنهم عقبة بن أبي معيط، وقد توعده النبي عليه الصلاة والسلام بالقتل وقتله علي بأمر النبي عليه الصلاة والسلام صبرا، حتى قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «من لصبية يا محمد؟» فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «النار»، لأنهم كفار مشركون، ولأنه فعل ما فعل بالنبي عليه الصلاة والسلام وبالمسلمين في مكة من تعذيبهم وأذيتهم وغير ذلك، وهذا حال أئمة يكون كذلك من صناديد الكفر ورؤوسهم. وفي التفريق بين الأسارى فإنه ينبغي أن يلتفت لهذا المعنى كما بيّنته سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وأخيرا: فيه كذلك ما ينبغي أن يحرص عليه الإمام من قطع دابر الشر والقيام بالعدل وعدم إظهار ما يظن أنه محاباة، عفى الأنصار عن عم النبي صلى الله عليه وسلم عن طيب نفس، عفوا عن طيب نفس، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يدعو منه درهما واحدا لهذا المعنى والمقصد. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.