الدرس في جواهر البلاغة 63، الدرس الثالث والستون:من( المبحث الحادي عشر:في تنكير المسند إليه ... أي لكل نوع من الداء نوع من الدواء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تنكير المسند إليه في اللغة العربية واستخداماته البلاغية المختلفة مثل التكثير والتعظيم والتقليل. يُوضح أمثلة من القرآن الكريم والأشعار العربية على هذه الاستخدامات.
يركز هذا الفصل على شرح استخدام التنكير للتكثير أو التعظيم أو التقليل، مع تقديم أمثلة من القرآن الكريم والأشعار العربية. يُبيّن كيف يحدد السياق المعنى المقصود من التنكير.
يستعرض هذا الفصل الأغراض البلاغية المتعددة للتنكير في اللغة العربية، مثل إخفاء الأمر، قصد الإفراد، وبيان النوعية والتعميم. يُظهر أن التنكير يستخدم لأغراض تتجاوز الجهل بالشيء المذكور.
يختتم هذا الفصل المبحث في علم البيان، مشيرًا إلى أن الله تعالى أعلم. يُعد هذا الفصل ختامًا للمواضيع السابقة ويُظهر أهمية العلم بالبيان في فهم اللغة العربية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في تنكير المسند إليه، قال: يؤتى بالمسند إليه نكرة لعدم علم متكلم بجهة من جهات التعريف حقيقة أو ادعاء، كقولك: جاء هنا رجل يسأل عنك، إذا لم تعرف ما يعينه من علم؛ يعني اسم له، أو صلة؛ يعني جملة الحقه تزيد في وصفيته، أو نحوهما؛ يعني من معاني التعريف. قال: وقد يكون لأغراض أخرى، وهذا الثاني هو الشاهد، فالأول التنكير على أصله، والثاني التنكير لغرض من الأغراض التي تدخل في المعاني البلاغية، وهذا هو المقصود الثاني. قال: وقد يكون لأغراض أخرى، أولا: كالتكثير، نحو: «إن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك»، أي رسل كثيرون، لم يسمي الرسل لبيان كثرتهم، فتنكير ذكر الرسل كان ليس عن جهل بهم، فهم معروفون، ولكن المقصود هو بيان كثرتهم، فكان التنكير لبيان معنى التكثير، مثلا تقول: جاء رجال يبحثون عنك، فبدل من أن تقول: جاء زيد وعمر وخالد وصالح، قلت: جاء رجال، بصيغة التنكير إشارة إلى معنى الكثرة. فمن المعاني البلاغية في تنكير المسند إليه هو بيان الكثرة، قال ثانيا: عندي هنا تعليق، قال: اعلم أن الفرق بين التعظيم والتكثير أن التعظيم بحسب رفعة الشأن وعلو الطبقة، وأن التكثير باعتبار الكميات والمقادير تحقيقا، كما في قولك: «إن له لإبلا» و«إن له لغنما»، أو تقديرا، نحو: «ورضوان من الله أكبر»، أي قليل من الرضوان أكبر من كل شيء. ويلاحظ ذلك الفرق في التحقيق والتقليل أيضا، يعني قد يأتي لفظ التنكير الذي ظاهره التكثير ويكون المعنى التعظيم، ويكون المعنى التعظيم، وكيف يعلم أن هذا للتكثير أو للتعظيم؟ بيّن رحمه الله أن هذا بحسب رفعة الشأن وعلو الطبقة، فالكلام على ما فيه معنى من معاني العلو يكون للتعظيم، وما كان فيه كميات أو مقادير أو عداد فيكون للتكثير. قال ثانيا: والتقليل، يعني من الأغراض البلاغية التي لأجلها ينكر المسند إليه هو التقليل، قال: «لو كان لنا من الأمر شيء»، ونحو: «ورضوان من الله أكبر»، والمعنى: لو كان لنا من الأمر من شيء، فشيء نكرة أريد بها التقليل، وليس نكرة للجهل، فالمقصود أي شيء ولو قليل. ومثله: «ورضوان من الله أكبر»، رضوان نكرة أريد بها التقليل، يعني قليل من الرضوان يأتي من الله أكبر من كل شيء وخير وأفضل من كل شيء، هذا المعنى. قال ثالثا: والتعظيم والتحقير، كقول ابن أبي الصلت: «له حاجب عن كل أمر يشينه، وليس له عن طالب العرف حاجب»، قال: أي له مانع عظيم وكثير عن كل عيب، وليس له مانع قليل أو حقير عن طالب الإحسان، فيحتمل التعظيم والتكثير والتقليل والتحقير، لكن السياق يبين الفرق بين الجملة الأولى والجملة الثانية. «له حاجب عن كل أمر يشينه» يعني له مانع عظيم، حاجب بمعنى مانع عظيم وكثير عن كل عيب، فهذا المقام المعنى يقتضي التكثير والتعظيم، «وليس له عن طالب العرف حاجب» هذا المقام يقتضي التقليل والتحقير، يعني ما يمنعه من الإحسان مانع، فصار الجزء الأول من البيت للتعظيم والتكثير، والثاني للتقليل والتحقير، وهذا هو ما يوافق المعنى المقصود من المدح؛ لأن المقام مقام مدح. قال رابعا: وإخفاء الأمر، نحو قول رجل: «إنك انحرفت عن الصواب»، تخفي اسمه حتى لا يلحق أذى، فأنت قلت: قال رجل، ليس للجهل به، ولكن هذا التنكير كان لغرض بلاغي وهو حماية هذا الرجل، فأخفي اسمه أو تعريفه لحمايته؛ لأجل أن لا يلحق أذى، أو يقول: لأجل أن لا يلحقك أنت أذى. فتقول مثلا: أو يقول القائل الذي جبنا عن التصريح باسم المجرم: سرق المتاع، وهو يعلم السارق مثلا، وهذا مثله قال رجل، نكرت ولم تذكر خشية الأذى. قال: وقصد الإفراد، نحو: «ويل أهون من ويلين»، أي ويل؛ أي ويل واحد أهون من ويلين، فالتنكير المقصود به الإفراد، فبدل من أن تقول مثلا: مصيبة أهون من مصيبتين، فيكون المقصود شيء معين، تأتي مصيبة كذا مثلا بالإضافة، أو إذا سميت المصيبة بعينها، فتقول: مرض أو نحوه، فذكرته مفردا لذكر المقارنة وبيان التميز في ذلك. فالمهم أن معنى التنكير هاهنا ليس للجهل به، ولكن لمقصد بلاغي زائد، قال سادسا: وقصد النوعية، نحو: «لكل داء دواء»، أي لكل نوع من الداء نوع من الدواء، مع أن الداء هذا الذي أنت تتكلم عنه ربما يكون معلوما، فنكرته لبيان معنى النوعية، أو نقول: الجنس، أو نقول: أنه أراد معنى التعميم. أراد معنى التعميم، يعني إذا كان لكل داء دواء، فهذا الداء من باب أولى أن يكون له دواء، إذا كان لكل داء دواء، وهذا مستقر في الأذهان، فأنت تذكر بالمعلوم عن المجهول، فمن باب أولى أن هذا الداء كذلك له دواء، ولو تأملت هذه الأوجه كلها لوجدنا أن معاني بلاغية تحتف بهذه النكرة، وهذه المعاني البلاغية هي المقصودة من إيراد هذا المبحث في مبحث علم البيان. والله تعالى أعلم.