الدرس في شرح لامية ابن الوردي 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ناقش الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي تحذير ابن الوردي من الذنوب والمعاصي مثل قطع الطريق والانشغال بالشهوات، وأكد على أهمية تقوى الله. كما بين أن البطل الحقيقي هو من يتقي الله.
يشرح المقطع خطورة قطع الطريق وخوف الناس والفساد، ويبين أن الشجاعة الحقيقية هي مواجهة الظلم. كما يحذر من البغي والعدوان ويبين عاقبة المجرمين والمؤمنين.
يوصي الشاعر ابنه بطلب العلم والاجتهاد فيه، ويحذره من الكسل. كما يشير إلى أهمية الإقبال على العلم لتحصيل الفائدة المرجوة وحفظ النفس من الجهل.
يجب الحذر من اتباع النفس الأمارة بالسوء والعمل ضد ما تشتهيه. النفس بطبيعتها تميل إلى السوء، لذا يجب مقاومتها.
يصرِد إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح لامية ابن الوردي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، طيب، مرة معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في لاميته، لامية ابن الوردي رحمه الله رحمة واسعة، ما وعظ به في وعظه لولده، سواء كان ولده أو أراد موعظة عامة من أب لكل ابن، وعظه بعدم الاضطرار بهنأ العيش مع المعاصي، وأن لذات لذات تلك الشهوات التي هنئ فيها هي يسيرة مع ألم ما يأتي بعدها، وأن كل ذلك ينسى مع ما يجده الإنسان من إثم وعذاب في الدنيا والآخرة. من يذكر لنا البيت في ذلك؟ البيت في هذا المعنى: ﴿إن أهنى عيشة عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل﴾. نعم، وأخذنا كذلك بيتين بعده، أو خمسة أبيات تقريبًا. نعم، وترك الغادة لا تحفل بها تمسي في عز رفيع وتجل. ماذا أراد بالغادة؟ ماذا أراد بالغادة؟ نعم، مطلق الذنوب والشهوات، وقيل: إنه المرأة الحسناء، وقيل: إنه المرأة الحسناء، يعني إما الذنوب والشهوات أو المرأة الحسناء، فلا يغرك حسن الشهوات أو حسن المرأة الحسناء، فأنت تحتفل بذلك، يعني تفرح وتمسي بذلك في عز رفيع، لكن نهايته ألم وعذاب كما تقدم. لهذا قال بعده: ﴿وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرا جلل﴾، يعني إذا كنت تهوى هذه الأشياء فنهايته شيء عظيم. وثم ذكر أمر الهجر بالخمرة، وعلمت لماذا؟ لأن الخمرة ماذا؟ أم الخبائث. أم الخبائث. طيب، تقرأ لنا يا حمزة الأبيات؟ بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام عمر بن الوردي رحمه الله تعالى: اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقول الفصل وجانب من هزل ودع ذكر أيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل إن أهنى عيشة عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل وترك الغادة لا تحفل بها تمسي في عز رفيع وتجل وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرا جلل وهجر الخمرة إن كنت فتن كيف يسعى في جنون من عقل واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل ليس من يقطع طرقا بطلا إنما من يتق الله البطل صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل حارة حارة الأفكار في حكمة من قد هدانا سبلنا عز وجل كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل أين عاد أين فرعون ومن رفع الأهرام من يسمع يخل أين من ساد وشاد وبنوا هلك الكل ولم تغني القلل أين أرباب الحجى أهل النهى أين أهل العلم والقوم الأول سيعيد الله كلا منهم وسيجز فاعلا لما قد فعل أي بني اسمع وصايا جمعت حكما خصت بها خير الملل أطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير على أهل الكسل واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول وهجر النوم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل حسبك، بارك الله فيك. سألك الله خيرًا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأبيات الجميلة الواعظة، وهو يعظ ولده أو هي موعظة لكل أب لولده، بهذه الوصايا والنصائح والواعظات العظيمة. فبعد أن ذكر تقوى الله سبحانه وتعالى والأمر به، قال وهو يعدد ويذكر ويحذر من عدد من الذنوب والمعاصي، وكذلك الأخلاقيات والانحرافات التي ابتلي بها الناس في زمانه رحمه الله، وهي ما يعظ به لكل من جاء بعدهم إلى زماننا هذا، ذكر آفة أخرى وهي آفة قطع الطريق. فقال رحمه الله: «ليس من يقطع طرقا بطلا إنما من يتق الله البطل»، لأن وللأسف في عرف بعض من انحرفت فطرته أنه متى ما استطاع أن يقطع الطريق ويأخذ من الناس بالقهر أنه صار بطلًا. ولهذا تجد وللأسف إلى زمان ليس ببعيد يقول بعض الناس: تعالوا نغير غارة أو نصيد صيد. ويش الصيد؟ يتقطعون الناس في طرقهم ويسلبون وينتهبون، وليس هذا بغزو ولا كذلك بصيد، بل هو قطع للطريق حرام، وصاحبه يستحق عقوبة الدنيا قبل الآخرة. قال الله عز وجل: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾. فهذا هو جزاء من قطع الطريق وخوف الناس وفعل مثل هذا الفساد. وهذه ليست بطولة، بل هذه خيانة. والذي يفعل هذا ليس بشجاع، بل هو جبان. إنما الشجاعة أن يواجه الرجل للرجل، أما أن يأتي جماعة فيسلبوا رجلاً واحدًا أو أسرة في غب الليل، هذه ليست بشجاعة، بل هذه خيانة، وليست بكرامة، بل نذالة ومهانة. وإلا فالكريم والشجاع هو الذي يواجه في مواضع الظلم، وليس في مواضع أن يكون ظالمًا. فمثل هذا الفعل فعل ظالم جبان مهان، وليس فيه شيء من الشجاعة والبطولة أبدًا. ولكن انتكست فطر هؤلاء، فسموا مثل هذا الفعل بطولة وشجاعة. وهذا من تغيير الحقائق، وللأسف. ثم قال: «صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل»، يعني عليك أن تعمل بشرع الله فتصدقه بأعمالك كما تصدقه بأقوالك، إذا كنت حقًا مسلمًا فاستسلم لله عز وجل، واترك البغي والعدوان على الخلق، لا بقطع طريق ولا بغيره من البغي والعدوان. فلا يجوز أن تبغي على أحد لا بقول ولا بفعل، بل ولا حتى برمش عين أو تحريك شفة. قال الله عز وجل: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾. والهمز واللمز هو ما يكون من تنقص الآخرين، إما بالحركة أو الصوت، بالحركة حركة العين أو الشفتين أو ضرب الكفين أو إشارة الأصابع أو غير ذلك، أو كذلك إخراج اللسان أو كذلك غيرها من الأفعال، أو الصوت إخراج الأصوات التي يكون فيها احتقار الآخرين. فالله توعد بالويل وهو العذاب الشديد أو الوادي في قعر جهنم لمن فعل مثل هذا. فهذا الفعل هو كله مما يوجب عذاب الله وعقابه. فالمؤمن حقًا وصدقًا هو الذي يصدق الشرع بأفعاله أن تكون موافقة لأقواله. وقوله: «ولا تركن إلى رجل يرصده في الليل زحل»، يعني لا تثق بإنسان يدعي الإسلام ثم بعد ذلك يترصد للناس في الليل بما يكون من سابق ما ذكر من قطع الطريق أو كذلك من أي عمل سيء، أو يكون بسبب بعده عن العمل بالدين والشرع الذي أمر الله عز وجل به. ثم قال: «حارت الأفكار في حكمة من قد هدانا سبلنا عز وجل»، والمعنى لو تفكرت في حكمة الله سبحانه وتعالى كيف عدل في خلقه، فأعطى وأكرم من تمسك بشرعه، وعاقب بكذلك عقوبته الشرعية والكونية لمن انحرف عن دين وشرعه، فهد هؤلاء وأضل هؤلاء، وهذا كله من حكمة الله سبحانه وتعالى وعدله جل وعلا. فإذا تأمل الإنسان بعمق سيجد الحيرة من عظيم عدل الله سبحانه وتعالى وحكمته جل وعلا في خلقه. فانظر كيف أكرم أهل الإيمان وأهل الإسلام وأهل التقوى، وكيف أهان وأضل أهل الحرمان من أهل الفجور والبغي والعدوان. فتجد هؤلاء حياتهم ماذا؟ ظلمات. هؤلاء الذين انشغلوا بقطع الطريق، نهايتهم في الحقيقة غالبًا مآسي وأحزان، إما هذا يقتل أو هذا كذلك تقطع شيء من أطرافه أو يقبض عليه فتكون نهايته السجون، أو يتعلق بطريق منحرفة فيتدرج من قطع الطريق إلى المسكرات والمخدرات حتى يصير من المحرومين ومن المخذولين، وغير ذلك من النهايات التي هي عقوبات من الله سبحانه وتعالى لأمثال هؤلاء المجرمين. وأما من وفقهم الله لطريق الهداية، فالله يهديهم لسبل الخير، فيكرمهم في الدنيا بأنواع الكرامات من الحياة الطيبة الهنية الآمنة، ولو بغى عليهم أحد فإن الله يلطف بهم في هذا البلاء، وهذا من حكمته وفضله. كما قال سبحانه: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولن جزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. ثم قال رحمه الله: «كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول»، يعني يا من اغتر بقوته، ويا من اغتر بشبابه. وقد ذكر أنواعًا من الذنوب والمعاصي، وسببها أحد أمرين: إنسان اغتر بشبابه فذهب في الخمرة أو في الشهوات أو كذلك في أنواع البغي والعدوان، أو آخر اغتر في عصابته وقبيلته وقوته. فكل هؤلاء غفلوا ونسوا الموت. ولو تذكروا الموت لما سلكوا ما سلكوا من ذلك الظلم والبغي والعدوان. وهنا يذكر بالموت رحمه الله فيقول: «كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول». الموت أخذ الجيوش بأكملها وأفنى دولًا بكبرها. وكم من ملوك عظام أخذهم الله فكانوا في خبر كان. وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يغتر إنسان بشبابه أو آخر بقوته وعصبته؟ فبدأ يذكر عددًا من الأمثلة: «أين نمرود وكنعان ومن ملك الأرض وولى وعزل؟ أين عاد؟ أين فرعون؟ ومن رفع الأهرام؟ من يسمع يخل؟ أين من سادوا وشادوا وبنوا؟ هلك الكل ولم تغن القلل». أين أرباب الحجى أهل النهى؟ أين أهل العلم والقوم الأول؟ سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلاً لما قد فعل. يعني ضرب أمثلة بأمم بأكملها، وأناس بلغوا ما بلغوا من العتو وكذلك الملك، فكل هؤلاء أخذهم الله سبحانه وتعالى وأفناهم، ونالهم ما نال من قبلهم، وذلك هو الموت الذي لا مفر منه. فإذا كان كذلك فكيف بمن هو أحقر من هؤلاء؟ كيف بمن هو أحقر من هؤلاء؟ شاب تافه مفتون بشبابه يتيه في أنواع الذنوب والمعاصي، أو مجرم تائه يتقوى بعصابته أو كذلك بقبيلته ونحو ذلك. أين يكون هذا مع هؤلاء الذين مثل بهم رحمه الله تعالى؟ والمقصود أنه يريد أن يوصل الحجة على من فيه غفلة، وكما أنه كذلك في أهل الفجور والفساد والظلم والبغي والعدوان، فكذلك الموت حق حتى على أهل الحق. ولهذا قال: «أين أرباب الحجة أهل النهى؟ أين أهل العلم والقوم الأول؟ سيعيد الله كلا منهم وسيجزي فاعلاً لما قد فعل»، يعني الكل يناله الموت، فالمحسن يقبل ويأتي على ما كان من إحسانه، والمسيء يلقى ما كان من إساءته. ثم أوصى رحمه الله تعالى ابنه، أو كما قلنا هي وصية كل أب لابنه، وجعل هذا النظم بهذا السياق ليكون موعظة. «يا بني اسمع وصايا جمعت حكما خصت بها خير الملل»، ويريد رحمه الله أنه قد جمع في هذه المنظومة وهذه اللامية وصايا أوصى بها من أوصى، سواء مما جاء في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أوصى بها العقلاء في من سبق. «أطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير عن أهل الكسل»، وهنا يرشد إلى الطريق الذي يعين الإنسان على السلامة من الشرور التي سبق الإشارة إليها فيما سبق. فإن تلك الشرور من أسبابها الغفلة والجهل، الغفلة والجهل. فالجهل علاجه العلم. فإذا طلب الإنسان العلم واجتهد فيه فإنه بإذن الله يحفظ نفسه من آثار الجهل. ولهذا قال: «أطلب العلم ولا تكسل فما أبعد الخير عن أهل الكسل». لا يكفي أن تطلب العلم ثم تكسل، لأنك إذا كنت كسولاً في طلب العلم هذا معناه أنك ستمل طريق العلم ولن تواصل فيه. ولكن أطلب العلم واجتهد اجتهد فيه حتى تجد حلاوة هذا العلم. من الناس من يجلس في حلق العلم كما يقول بعض العامة: «بالبركة» يجلس في أطراف الصفوف ولا يقبل لا بقلبه ولا بجسده. والنبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح لما جاء الثلاثة إلى المسجد ووجدوا حلقة النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد، قال: «ألا أخبركم بنبي الثلاثة؟ أما الأول فآوى فماذا؟ فآواه الله». كيف آوى؟ دخل في وسط الحلقة، جلس. «وأما الثاني استحيا فاستحى الله منه»، جلس في الطرف. «وأما الثالث أعرض فأعرض الله، هذا الأول لم يكسل فيقعد في الطرف أو يخرج، بل أقبل على الخير وتقدم إليه أكثر. فلما تقدم إليه أكثر ناله من الخير أكثر. وهذا هو الحال إذا أقبلت على العلم بقلبك وجسدك وجوارحك، فإن العلم سيعطيك أكثر. وإذا أقبلت إليه بفتور فإن العلم لن يعطيك إلا بقدر إقبالك عليه. أنت تقبل بكتاب وورقة وقلم وتكتب وتتابع بحواسك وقلبك، فأنت لا شك أنك سترغب في هذا العلم، والعلم سيجذبك إليه، وستكون إن شاء الله من أهله. وهذا الذي يحضر دون كتاب دون ورقة دون قلم دون كتابة، ترسخ كلمة وتفوت عشر، ويبقى عنده فتور بسبب هذا الضعف في الإقبال. ومع الزمن ماذا يحصل؟ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الثاني: «استحيا فاستحى الله منه». معنى ذلك: أنت قربت أعطاك الله، بعدت أعطاك الله على قدر إقبالك. وفي الحديث الآخر: «من تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا». الحاصل أنت كل ما قبلت على الله أعطاك الله أعظم من إقبالك. فإذا كان إقبالك قليل سيكون تحصيلك قليل. فلذلك اجتهد. والله عز وجل لما أوصى يحيى قال: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة»، يعني بجد واجتهاد. إذا تريد تحصيل العلم والدين أقبل عليه بجد واجتهاد. ثم قال رحمه الله: «واحتفل للفقه في الدين ولا تشتغل عنه بمال وخول». هناك حذر من الاحتفال بالشهوات وبالنساء، وهنا أمر بالاحتفال بالفقه في الدين. الاحتفال الحقيقي هو بما يحبه الله، لا بما تحبه النفس الأمارة بالسوء. فينبغي أن تحذر من هذا وتفعل وتعطي النفس ضد ما تشتهي. فالنفس أمارة بالسوء. طيب، نقف إلى هنا. نكمل الباقي إن شاء الله في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.