الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تحذير العلماء من التعجل في السؤال عن البلاء قبل وقوعه، ويعتبر هذا الفعل من علامات قرب الساعة. كما يبين أن هذا السلوك يدل على الجهل وغياب العلماء الحقيقيين.
يحذر المقطع من الانشغال بالجدل في المسائل النادرة التي لم تقع، ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذم السؤال الذي يحرم ما كان مباحًا.
يفسر المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول تحريم المسائل بسبب سوء الظن، ويبين أن ذكر المحرمات ينبغي أن يكون مجملاً اتباعاً للقرآن والسنة.
يشرح المقطع أن كثرة الحديث في شيء لم يقع قد يكون سببًا في وقوعه، وهذا يدخل في التحريم الكوني حيث يمكن أن يرفع الحلال أو يقع العذاب.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثلاثين. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتابه «أخلاق العلماء»: قال أخبرنا أبو بكر -وهو الآجري نفسه- رحمه الله تعالى، قال: أنبأنا ابن عبد الحميد -وقد تقدم أحد مشايخه الثقات الواسطي- قال: أنبأنا زهير -وهو ابن محمد- كذلك أحد الثقات مما مضى، قال: أنبأنا منصور بن سقير -وهو أبو النضر البغدادي ضعيف من التاسعة- كما جاء في التعليق، قال: أنبأنا حمد بن زيد الإمام المشهور حافظ من الحفاظ، قال: أنبأنا صلت بن راشد -وصلت بن راشد كذلك أحد الثقات ومر معنا كذلك- قال: سألت طاووسًا عن شيء فانتهرني وقال: أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: آه الله. أي: كأنه قال: قل والله، استفهام بالقسم، قال: قلت: آه الله، أي: والله، فهو مجرور على حذف القسم. قال أصحابنا: أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: «أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال وفق». والمعنى: أن فيه من أخلاق العلماء كراهية السؤال عما لم يقع، وأن الشيء إذا سئل قبل وقوعه كان هذا علامة من علامات قرب الساعة، هو أن الناس يتعجلون المسائل فيُبتلوا بذهاب العلماء. وذلك لثلاثة أمور: أولًا، أن وجود أمثال هؤلاء من علامات الجهل والتعالم، لأنهم إذا وجدوا في وسط فيه علماء لَنهوهم العلماء، يعني: العلماء سينهون عن هذا الفعل ولن يكون مثل هذا. والثاني: أنهم إذا كانوا كذلك فمعناه أنه لا وجود للعلماء، وعند ذلك سيتجرأ السفهاء للكلام فيما لم يقع. والأمر الثالث: أن في هذا كذلك الخوف ما لا ينفع، وكذلك كما قال: تعجل البلاء، يعني: يسأل عن أشياء في الغالب لم تقع، فيتعجل: كيف إذا كان كذا؟ ماذا نصنع؟ وغالبًا تأتي هذه الأسئلة من أحد رجلين: إما رجل فارغ لا أهم له إلا القيل والقال، وإما رجل عنده سوء ظن، فلذلك يسأل الأسئلة ويتوقعها، فيكون من تعجل البلاء، وقد نهينا عن ذلك، حديث النهي عن هذا كثيرة وسيأتي معنا بعضها إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين -وهو نفسه- رحمه الله، قال: وأما ما ذكرنا في الأغلوطات وتعقيد المسائل مما ينبغي للعالم أن ينزه نفسه عن البحث عنها مما لم يكن ولعلها لا تكون أبدًا، فيشغلوا نفوسهم بالنظر والجدل والمراء فيها حتى يشتغلوا بها عما هو أولى بهم، يعني: من الشيء الموجود. فالانشغال بمثل هذا كما ذكر رحمه الله نوع من الجدل والمراء والاشتغال بما لا ينفع. قال رحمه الله: «ويغالط بعضهم بعضًا، ويطلب بعضهم زلل بعض، ويسأل بعضهم بعضًا، هذا كله مكروه ومنهي عنه». ومعنى «يغالط بعضهم بعضًا»: يعني يسأل الأسئلة التي فيها المغالطة، والمراد أن يوقع الإنسان في الغلط، يظهر السؤال على خلاف طاهره كالألغاز، صار العلم كالألغاز، وليس هذا طريق العلم. قال: «ويسأل بعضهم بعضًا، هذا كله مكروه منهي عنه، لا يعود على من أراد هذا منفعة في دينه، وليس هذا طريق من تقدم من السلف الصالح، لأنه لا يأتي بنفع لا في علم ولا في عمل». قال: ما كان يطلب بعضهم غلط بعض، ولا مرادهم أن يخطئ بعضهم بعضًا، بل كانوا علماء عقلاء يتكلمون في العلم مناصحة، وقد نفعهم الله بالعلم. قال: أخبرنا أبو بكر الفريابي، قال: أنبأنا قتيبة بن سعيد، قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا رجل سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته». والحديث أصله في الصحيحين بهذا الإسناد. والشاهد أن فيه ذم السؤال الذي يكون سببًا في تحريم ما كان مباحًا، وهذا فيه معنى ما ذكر رحمه الله من تعجل البلاء ووضع المسائل قبل وقوعها، وسبب كونه أعظم جرمًا لأنه كان سببًا في التشديد، كان سببًا في التشديد بهذه المسائل التي كانت سببًا في حصول التحريم. وقوله: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا رجل سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته»، معناه: أنه يوجد هذا في المسلمين، وقد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعض ذلك، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم منه ونهى عنه، وهو في آخر الزمان أكثر. لكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا إشكال لأن الشرع لا زال ينزل، وأما بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون الجواب على مثل هذا والشرع قد انقطع؟ الجواب: أنه يحرم شيئًا تحريمًا كونيًا، يعني: أنه يكون سببًا في حصول البلاء به، في حصول البلاء به، كان يقول: أرأيت إن كان كذا وكذا من المحرمات وهو لم يقع، يكون سببًا في وقوعه والعياذ بالله، كالرجل الذي سأل عن الفاحشة في أهله فوقع بمثل ما سأل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن المسألة التي تكون سببًا في وقوع البلاء. وهكذا كذلك في آخر الزمان، إذا كثر الناس وهذا لا يأتي بالغالب إلا من سوء ظن، من سوء ظن، فيعطى الناس على نياتهم، يعطى الناس على نياتهم، ويكون هذا سببًا في انتشار الفساد والشر بسبب الحديث عنه. فإذا أكثر الناس الحديث عن شيء وقع ذلك الشيء، فلذلك لا ينبغي التحدث بالشر والفساد. ولهذا كذلك كان من سنة وطريقة القرآن والسنة أن المحرمات لا تذكر إلا مجملة، لا تذكر مفصلة. فمن الخطأ أن تجعل الموعظة في ذكر المحرمات مفصلة، فهذا ليس من طريقة القرآن والسنة، بل طريقة القرآن والسنة تذكر المحرمات مجملة ولا تذكر مفصلة، بل تذكر بغير اسمها الصريح، فتجد في القرآن تحذير من الفاحشة، وتجد كذلك التعبير بالملامسة وغير ذلك من العبارات العالية التي ليس فيها ذكر الشيء الفاحش. وهكذا كذلك حتى المحرمات إذا ذكرت على الوجه الذنب والتحذير لا تذكر مفصلة، بل تذكر مجملة. ففعل الناس اليوم بذكر المحرمات على وجه التفصيل وذكر القصة من الألف إلى الياء إلى آخره، كل هذا ليس من طريقة القرآن ولا من طريقة السنة، حتى بعض الآثار المروية عن بعض العلماء، ولا إمامة كثير منها لم يصح، وما صح خطأ خلاف طريق الكتاب والسنة في التحذير من المحرمات. ومن ذلك السؤال عن شيء لم يقع، فكثرة الحديث في الشيء يكون سببًا في وقوعه والبلاء به، وهذا نوع من نوع التحريم، يعني: يكون سببًا في وقوع البلاء، وهذا هو التحريم الكوني، بعض الحلال يرفع والمباح، أو كذلك يقع ما يقابله من العذاب والبلاء. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.