طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 153

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 153

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 153، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية العلم والعمل الصالح

يُناقش أهمية الجمع بين العلم والعمل، حيث أن العلم بدون عمل يمكن أن يصرف عن العمل الصالح. يجب على المرء أن يجمع بين العلم والعمل ليكون ثابتًا على الطريق الصحيح.

خطورة إهمال العمل بالعلم

يُناقش خطورة إهمال العمل بالعلم، حيث أن عدم العمل بالعلم قد يؤدي إلى سوء الخاتمة والعاقبة. كثير من الناس يمتلكون القوة العلمية ولكنهم يفتقرون إلى القوة العملية.

التحذير من البدع في العبادة والتوفيق الإلهي

يناقش التحذير من سلوك طرق التصوف والفقر بدون علم، ويبين أهمية العلم والعمل الصالح. كما يتحدث عن الرحمة الإلهية التي تنقذ العبد من الشدائد في طريق الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل، فمن الناس من تكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، يعني القوة العلمية عن القوة العملية، فعنده علم ولكن عمله قليل، قليل أو لا عمل له. قال: ويكون ضعيفًا في القوة العملية، فيبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المخاطر والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال بالتخلف، وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغل بالعلم، والمعصوم من عصمه الله، فلا قوة إلا بالله. وهذا هو وصف اليهود، اليهود هم الذين أوتوا علمًا وحرموا العمل، غلبت عليهم شهوات النفس فلم يعملوا بالعلم، وكل من أوتي علمًا ولم يعمل به ففيه شبه باليهود. ثم الناس من مقل ومستكثر، فمنهم -والعياذ بالله- من يصل في العلم إلى الدرجات العالية، ثم يبدأ العمل صغيرًا، يضعف عنده شيئًا فشيئًا حتى يصير كبيرًا، أي عدم العمل بالعلم، حتى يخرج من دين الإسلام. وفي تاريخ المسلمين من هذا عدة مواضع، فكم ممن انشغل بالعلم عن العمل، ممن أخذ طريق الفلاسفة فصار ملحدًا، وهؤلاء كثير ممن ينتسبون للإسلام حتى صاروا على طريقة الفلاسفة الوثنيين والملحدين، وكانوا يومًا من الأيام من المسلمين، بل ومن علماء أهل الإسلام، ولكنه علم لم يصاحبه عمل، أو كان العمل ضعيفًا، فازداد ضعفًا حتى خرج صاحبه من دين الإسلام. ومثله كذلك في زماننا المعاصر عبد الله القصيمي، كان نابغًا مجتهدًا في العلم، بل وله ردود على الملحدين وعلى المخالفين للدين، وابتدأ الأمر عنده بعدم العمل بالعلم، وأوله العجب والغرور بالنفس ومجادلة أهل العلم وتطاول عليهم، فتدرج في هذا الباب حتى خرج من هذا الدين. لأن من أخذ العلم ليباهي به العلماء، ليماري به العلماء ويباهي به السفهاء، ويلفت وجوه الناس إليه، حرمه الله عز وجل منفعة هذا العلم، لأن غرضه كان الدنيا، فيؤتى من حيث أوتي، فلذلك ينبغي أن لا يتساهل من أوتي شيئًا من العلم أن لا يعمل به. بل مما يعين على ثبات الإنسان على دين الله عز وجل العمل بالعلم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. انظروا إلى هذه النتائج العظيمة التي رتبها الله عز وجل لمن عمل بالعلم، والعكس بالعكس، إذا حرم العمل بالعلم ولم يعمل به أثمره ذلك ضد هذه النتائج، حرم الخيرية، فكان خيرًا لهم صار العلم شرًا عليه، أشد تثبيتًا صار العلم الذي لم يعمل به السبب لزيغه، لأنه طلب به العجب والغرور والتعالي على الآخرين والوصول إلى المناصب والكراسي والمال والزخر في الدنيا ولذاتها الفانية. فعند ذلك لم يأته ما يعينه على الثبات، بل على العكس، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، يعني ماذا يعمل به؟ وهكذا كذلك يحرم أجر هذا العلم في الدنيا وفي الآخرة. وعلى قدر بعده عن العمل بالعلم يكون الحرمان، ويحرم الهداية إلى الصراط المستقيم، ولذلك يغلب على من حرم العمل بالعلم سوء الخاتمة والعاقبة، والعياذ بالله، لا يوفق لخاتمة حسنة ولا عاقبة حسنة، فيكون العلم حجة عليه. كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره بإسناد صحيح: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم: «العالم الذي لم يعمل بعلمه»، كما قال القائل: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». قال رحمه الله تعالى: وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، يعني أن العلم يصرفهم عن العمل، وهذا خطأ، بل ينبغي أن العلم يجرك إلى العمل، فاحرص على أن تعمل بالعلم، ولا تقول: أنا بحاجة للاستزادة من العلم، لأن العلم بدون عمل حج عليك وحرمان. فاحرص على أن تعمل بكل شيء بلغك من العلم، حتى تسهل عليك هذه الأعمال، فيكون سببًا في ثباتك، لأنك لا تزداد علمًا وعملًا إلا وازددت بإذن الله تعالى ثباتًا ورفعة في الدنيا والآخرة. قال: والمعصوم عصمه الله، فلا قوة إلا بالله، ولا عاصمة بعد عصمة الله مثل ماذا؟ العمل بالعلم، كما قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الآيات. ولا آتيناهم من لدن أجرًا عظيمًا، ولا هديناهم صراطًا مستقيمًا، فلا عاصمة بعد عصمة الله مثل العمل بالعلم، النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له الرجل: ادع الله أن يجعلني مرافقك ورفيقك في الجنة، ماذا قال له؟ «أعني على ذلك بعمل»، «كثرة السجود»، فكثرة السجود يعين على أن يكون العبد مرافقًا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من العمل بالعلم. نعم الرجل عبد الله، ماذا لولا أنه يقوم الليل؟ كان من حملة العلم، ومع ذلك رأى رؤيا أخافته، فحكاها لأخته حفصة، فحكتها للنبي صلى الله عليه وسلم، فأرشدها أن علاج هذه الرؤيا أن يرجع يقوم الليل، لأنه كان يقوم الليل فترك، فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل»، فقال: فما تركت -أو قيل: فما ترك- قيام الليل بعد ذلك قط، رضي الله عنه أرضاه. قال: ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، يعني عنده عمل ويتحمل، ولكن ليس عنده علم أو قليل العلم، مثل الدوار والبهائم، الحمار عنده قوة وجلد على العمل، لكنه ماذا؟ كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وهذا شبه من النصارى، النصارى عندهم جلد على العمل، الأولون منهم، أما المتأخرون لا علم ولا عمل، أما المتقدمون منهم كان عندهم جلد على العمل مع قلة علم، فدخلت عليهم الشركيات والوثنيات والبدع والخرافات، وحتى الذنوب والمعاصي بسبب عدم العمل بالعلم، عدم العلم مع العمل. قال رحمه الله تعالى: وتقتضي هذه القوة السيرة والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ولكن لأنه بغير علم ربما تنقلب، لا يستمر على هذا الزهد، كما حصل للباطنية من المتصوفة، إيش نهاية أمرهم؟ الخروج من الشريعة، كما زعموا إلى إيش؟ إلى الحقيقة. ففعلوا الوثنيات والشركيات والخرافات والمعاصي والسيئات، وهذا بسبب الجهل وعدم العلم، قال رحمه الله: والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأحوال والمقامات. كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله، والعلاج أن يجمع بين العلم والعمل، فالعلم يحفظ العمل ويغبطه ويزنه، والعمل يثبت العلم، وكل واحد منهما يكمل الآخر. فالعلم بلا عمل يكون صاحبه طائشًا، والعمل بدون علم يكون صاحبه تائهًا، فلأجل أن لا تكون طائشًا ولا تائهًا، فعليك أن تجمع بين ماذا؟ بين العلم والعمل. قال رحمه الله تعالى: وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، وأصل التصوف جاء من من؟ من النصارى، أصل التصوف جاء من النصارى، فدخل على من ضل من المسلمين، وسببه ماذا؟ عمل بلا علم. قال رحمه الله تعالى: وهكذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق والوجد والعادة، يرى أحدهم أعمى من مطلوبه، لا يدري من يعبد ولا بماذا يعبده، فتارة يعبده بذوقه وجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأس أو حلق لحية ونحوها. وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس لها أصل في الدين، وكل هذا يصف به طوائف وفرق من الباطنية والصوفية والرافضة ممن حرموا العلم وسلكوا التدين بهذه المعاني. فمن سلك طريقة الذوق والوجد هم المتصوفة، ومن سلك مسلك العادة بعض المتصوفة والرافضة، ومن لبس لبس معين كأصحاب الطرق الصوفية، فالطريقة الفلانية عندها لبس خاص، والأخرى لبس خاص، أو كشف رأس أو حلق لحية كذلك عادات خاصة ومناسك يتعبدون بها ما أنزل الله بها من سلطان. قال رحمه الله تعالى: وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنًا ما كان، وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد، فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعة ودينه الذي بعث بها رسله وأنزل بها كتبه. ولا يقبل من أحد دينًا سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله، ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة بالرب، ولا عبادة له. لأن من عرف الرب حق معرفته عظمه حق تعظيمه، وعند ذلك يحصل له من الإجلال والخضوع والذل والمحبة والقربة ما يقتضي كمال العلم والعمل، بل العلم إذا صدق صاحبه فيه فاتح له من المعارف ما زاد له في خضوعه وذله وحبه وقربه من ربه وخالقه. وعند ذلك يجد لذة العبادة بما أعطاه الله عز وجل من لذة العلم وحلاوته، ولذة الطاعة وحلاوتها، وهذا لا يصل إليه إلا الكمل من عباد الله سبحانه وتعالى ممن آتاهم الله عز وجل علمًا صحيحًا وعملًا موافقًا للسنة. قال: فمن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى، ورجي له النفوذ -يعني الوصول والبلوغ- لخير الدنيا وخير الآخرة، وقل أن ينقطع أحد إلا أن تكون عنده آفة في باب العلم أو آفة في باب ماذا؟ في باب العمل. قال: وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، والقواطع والموانع قد تكون في باب العلم، وقد تكون في باب العمل، وقد ألف العلماء في صوارف الصوارف، سواء الصوارف عن طريق العلم أو الصوارف عن العمل. قال: وإن القواطع كثيرة، شأنها شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي»، أي قليل الذين ينجون. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينجو من الألف كم واحد؟ قال: «ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين»، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، وهذه سنة الله عز وجل الامتحان والابتلاء. ولا ينجو من هذا الامتحان والابتلاء إلا القليل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وهؤلاء القليل وفقوا لكمال جدهم واجتهادهم وإخلاصهم وصدقهم مع الله في العلم والعمل. قال: والوقت هو كما قيل: سيف، فإن قطعته وإلا قطعك، وهو من عمرك، فإن لعبت به كمن يلعب بالنار، فالذي يطلب العلم ويلعب بطريقه بالعلم -سواء باللهو والعبث حرم طريق العلم- أو بالعجب والغرور والتعالي والحسد، وكذلك أداة الآخرين بالعلم، حرم هذا العلم، وكان حجة له لا له، حجة عليه لا له. قال: فإذا كان السير ضعيفًا والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفًا -الأول في باب العمل، والثاني في باب العلم والعمل، والثالث في باب كذلك العلم والعمل- قال: والقواطع الخارج والداخل كثيرة شديدة، وهي لا تعد ولا تحصى. تارة تتعلق بحال صاحبها مع العلم والعمل، وتارة في حال صاحبها مع من يرافقه بسيره، وتارة كذلك فيما يرجع عليه من الابتلاء والامتحان من غيره، وهذا كله حكمة من الله سبحانه وتعالى. قال: فإن جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، إلا أن يتدارك الله برحمته، إلا أن يتدارك الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، يعني صاحبًا لهذا الطريق وهذا السائر، قال: يأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع. والله ولي التوفيق، اللهم آمين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.