السؤال: اللقاء المفتوح 7، اللقاء الشهري المفتوح 14 جمادى الآخر 1431هـ . بدار الحديث بالشحر . أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تضمن المقطع الأول إجابة الشيخ على أسئلة متعددة في الفقه والحديث، مثل تغيير الوقف واستجابة الدعاء ولغة أهل الجنة ودخول الأطفال للصلاة. كما ناقش صحة حديث يتعلق بالفقر والأذان.
يناقش المقطع الثاني معنى حديث 'أنت ومالك لأبيك' ويوضح حقوق الأب في مال ابنه، مع التأكيد على عدم الإضرار بالولد. كما نصح بفصل الأبناء لتجنب المشاكل.
المقطع الثالث يتناول حكم أخذ الأب مالا من أولاده، مع التشديد على العدل بين الأبناء وعدم استخدام المال في محرم. كما تطرق إلى مسائل فقهية أخرى مثل الأذان في الجمعة وتصرف الأم في مال الأبناء.
يُنصح من يعاني من الغضب بالتحكم في نفسه، ومن يتمنى الموت بسبب ضيق المعيشة بالصبر ومراجعة نفسه والتوكل على الله، كما جاء في المقطع الرابع.
المقطع الخامس يبين عزيمة الطيور وحرصها على الرزق، حيث تغادر أوكارها في الصباح بحثًا عن قووتها وتعود في المساء وقد امتلأت بطونها.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا مجلس جعل بطلب عدد من الإخوان للإجابة على ما يتيسر من الأسئلة، فإنه تتراكم عدة أسئلة من خلال الدروس الملقاة في هذه الدار، وهكذا كذلك ما يريده بعض الإخوة من هنا ومن هنا، وهكذا يطلب بعض الإخوة وتكرر الطلب بأن يكون مجلسا في الإجابة على الأسئلة. وكان قد عقدت مجالس قبل ذلك، فاقترح بعض الإخوان أن يكون على وجه الاستمرار، ولو يوما في الشهر، فإن تيسر -إن شاء الله تعالى- ونسأل الله عز وجل أن يسر ويعين- يكون يوما في الشهر، إن تيسر أن يجعل في آخر خميس من كل شهر، نجعله -إن شاء الله- لمثل هذا المجلس لقاء مفتوحا في الجواب على ما يتيسر من الأسئلة. طيب، هذا سائل يسأل، يقول: هل يجوز تغيير الوقف من مسجد إلى مدرسة إذا بني المسجد بناء جديدا، ولا حاجة للمسجد القديم؟ كيف إذا من مسجد إلى مدرسة؟ إن أراد تغيير شيء يأخذ من المسجد، فينقل إلى المدرسة، فيجوز إذا لم تكن للمسجد الأول، ولا لمسجد آخر حاجة بهذا الشيء؛ لأن الأولى إبقاء الوقف في مكانه الذي أوقف فيه، ويجوز تغييره من مكانه إلى غيره، والأولى أن يكون بحسب شرط الواقف ونيته، فإن أمكن ذلك فهو الأولى. واستدل العلماء على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. وإن لم يمكن -يعني إذا كان الوقف في نفس المكان الأول لا يستفيد منه- فيجوز أن يغير إلى غيره مما يوافق مقصد الواقف. فمثلا من مسجد إلى مسجد آخر، فإن كان المسجد الآخر كذلك لا ينتفع به، والنفع به في غيره، أو لا، فيجوز أن ينقل إلى غيره، ولو كان إلى مدرسة. واستدل العلماء على ذلك بما ثبت بصحيح مسلم في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأعدت البيت على أساس إبراهيم» الحديث، وذكر فيه: «ولأنفقت كنزها في سبيل الله». وكنز الكعبة من الوقف، ومع ذلك هم النبي صلى الله عليه وسلم بإنفاقه؛ لأن الوقف تعطل، ولا يحتاج إليه -أي الكعبة لا تحتاج لهذا الكنز- ولكن الذي منعه عليه الصلاة والسلام كون أهل مكة حدثا عهد بجاهلية، ودخول في الإسلام، فخشي فتنتهم، فلم يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام. قال الإمام الشوكاني رحمه الله بعد أن ذكر هذا الحديث في شرحه لمتن الدرر: «وفيه دليل على جواز تغيير الوقف». وذكر كلاما نحو ما سمعتم. يقول: «إن الله إذا غضب على عبده رزقه رزقا حراما، وإذا اشتد عليه غضبه بارك له فيه». هل هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا أعرف حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في السنة ثبوت استجابة الدعاء في آخر ساعة من يوم الجمعة، فكيف تحسب هذه الساعة في زماننا هذا؟ الساعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الفترة من الزمن، وهي قريبة من الساعة في زماننا هذا تقريبا، ويدل عليه حديث أبي هريرة في الصحيح في يوم الجمعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ثم قال: فإذا جاءت الملائكة، فإذا صعد الإمام دخلت الملائكة». الشاهد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قبل صعود الخطيب خمس ساعات، ثم ذكر صعود الخطيب -يعني في الساعة السادسة- وهذا يدل أن نصف النهار ست ساعات، فإذا كان كذلك، فهذا يدل أن الساعة في زمنهم كانت قريبة من الساعة في زماننا. لكن بعض أهل العلم قال: الساعة في زمانهم كانت فترة من الزمن تتغير -يعني ليست واحدة- لأن النهار عندهم اثنا عشر ساعة، والليل اثنا عشر ساعة، ومعنى أن الوقت يقسم بحسب الساعات، وقد يزيد وقد ينقص. المهم، فأنت إذا تريد آخر ساعة يوم الجمعة -يعني قبل المغرب- تقريبا بساعة أو نصف ساعة حول هذا الوقت، والله تعالى أعلم. وهذا سائل يسأل، يقول: السلام عليكم ورحمة الله. وعليكم السلام ورحمة الله. وأنا -إن شاء الله- أترك المقدمات؛ لأنها قد تأخذ وقتا. يقول: هل يقال أن العربية لغة الجنة؟ اللغة العربية لغة القرآن، ولغة القرآن لا أعرف فيها شيئا صحيحا صريحا أنها اللغة الوحيدة التي تكون في الجنة. لكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يقرؤون القرآن بالعربية. فقال: «قراءة أهل الجنة غير المغضوب عليهم ولا الضالين». وإذا كان أحد الحاضرين يعرف في هذا شيئا فليفد به. يقول: هل يدخل في الصفوف الولد قبل سن التمييز في الصلاة؟ الصحيح في هذا التفصيل: إن كان الولد يحسن الوضوء والصلاة، فهو يدخل في الصف -سوى بلغ سن التمييز أو لم يبلغ- ما دام يحسن الوضوء والصلاة. وسن التمييز سبع سنوات. لكن ليس كل من بلغ سبع سنوات يحسن الوضوء والصلاة، كما أنه ليس كل من لم يبلغ سبع سنوات فهو لا يحسن الوضوء والصلاة. قد يحسن الوضوء والصلاة قبل سبع سنوات، وقد لا يحسن الوضوء والصلاة وهو أكبر من سبع سنوات. إذن، الضابط هو أن يحسن الوضوء والصلاة. فإذا كان يحسن الوضوء والصلاة، فيصح أن يقف بين المصلين، ويصف معهم. وإن كان لا يحسن الوضوء والصلاة، فوجوده قاطع للصف، فيقدم أو يؤخر بحيث لا يقطع الصف -إما أن يجعل بين السواري- أو يقدم إلى الأمام حتى لا يقطع الصف. وكان شيخنا محمد بن صالح ثيمير رحمه الله إذا رأى صبيا في الصف سأل من معه: هل يحسن الوضوء والصلاة؟ فإن قال: نعم، أبقاه. وإن قال: لا، قال له: «قدمه» -يعني أخرجه من الصف- وهذا هو الواجب. يقول: هل هذا الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد الفقر فليخالف المؤذن في الأذان»؟ لم أسمع بهذا الحديث إلا الآن، ولا أظنه إلا ضعيفا؛ فقد ذكر العلماء أحكام الأذان وفضائل الأذان، ولم يذكروا مثل هذا الحديث. وهذا مما يعرف منه علامة الضعف؛ فقد ذكر العلماء علامات يعرف بها الحديث الضعيف. أحيانا يكون في السند، وأحيانا يكون في المتن. ومما يكون في المتن شدة النكارة، وهذا فيه نكارة شديدة. يقول: هل ثبت بالكتاب والسنة قول «الصلاة خير من النوم» في الأذان الثاني؟ أما شيء صحيح صريح فلم يرد. ولكن -يعني في القول الراجح طبعا- ولكن وردت بعض الأدلة استنبط منها بعض أهل العلم هذا المعنى. فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بلالا أن يقول «الصلاة خير من النوم»، مع ما ورد في الأحاديث الأخرى أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن بلالا يؤذن بليل». معناه: يؤذن متى في الأذان الأول -معناه أنه كان يؤذن في الأذان الأول- فلهذا فهم من فهم من أهل العلم أنه يقال «الصلاة خير من النوم» في الأذان الأول؛ جمعا بين هذين الحديثين، وكلاهما الصحيح. وقد أشار إلى هذا العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. وبعض أهل العلم يرى أنه في الأذان الثاني. والأمر في هذا واسع -يعني إذا قال بعض أهل العلم بهذا أو قال بعضهم بهذا- فهو من خلاف الأفهام الذي ينبغي أن تتسع فيه صدور طلبة العلم، والمجتهد فيه بين الأجر والأجرين. يقول: عبارة «أنت ومالك لأبيك» يفسر بعض العوام ذلك بأن ما يملك الإبن هو لأبيه، ولا يحق التصرف فيه إلا بإذن والديه. وإذا أخذ شيء من المال فهو يعتبر سرقة. إذا كان من مال الولد، فكيف سرقة المال للولد؟ فأخذه من ماله ليس بسرقة ما دام المال في يد الولد. وأما إذا رضي الولد أن يضع المال في يد الأب، يحصل عند بعض الناس أنهم يضعون أموالهم عند أبيهم -خصوصا إذا اجتمعوا في بيت واحد- فيجمع جميع الأبناء المال عند الأب، فهو ينفق على الجميع من هذا المال. والواجب إذا حصل مثل هذا أن يسلك الأب مسلك العدل، والعدل يكون من أوجه. الوجه الأول: في حاجة هؤلاء الأبناء، فمنهم صاحب الأسرة الكبيرة، ومنهم صاحب الأسرة الصغيرة، ومنهم من تعترضه الحاجة، ومنهم من لا تعترضه الحاجة. فهذا عنده ولد مريض، أو زوجة مريضة، أو زوجة حديثة عهد بولادة، وهذا لا ... وهكذا. وهذا مقام ليس بالسهل. والوجه الثاني: أنه كذلك يراعي ما يدخل عليه من جهة الأبناء؛ فربما بعضهم يدخل أكثر من بعض. فإن احتاج، وعلم أنه قد وقعت له حاجة، فلا ينبغي أن يتردد معه -خصوصا إذا علم صدقه- والوجه الثالث: التفريق بين الصادق والكاذب، وبين صاحب الدين وغير صاحب الدين؛ حتى لا يكون قد هضم بعض أبنائه وظلمهم لصدقه، وينجح معه من يكذب. فالمهم: يراعي مثل هذا الباب. على أنه ينبغي أن يسلك في مثل هذا المقام مسلك آخر هو الأولى -ابتعادا من تحم الأمانة- قد لا يستطيع أداءها، وإعطاءها حقها. فيقول مثلا الأب: «ما دمتم في بيت واحد، فتعاونوا في وضع نفقة مشتركة» مشتركة تكون بحسب عدد الأسرة. من كان عنده أسرة أكبر وضع نفقة أكبر، ومن كانت عنده أسرة أقل وضع نفقة أقل. ثم يتعاونون في النفقة في هذا الباب ما داموا في بيت واحد، ويجتهد قدر المستطاع في تقريب الأمور -بما يكون به التزديد والمقاربة والعدل بين الأبناء- على أن الأولى والأفضل من هذا كذلك أن يخرج كل ولد من هؤلاء في بيت لوحده. أولا؛ لأن هذا أسلم لهم من الناحية الشرعية. فأمور الحجبة ومفاسد تقع كثيرة بسبب اجتماع الأسر الكثيرة في البيت الواحد. محاذير كثيرة، قل من يسلم منها. فمن أراد السلام لنفسه ولأبنائه فليحرص على أن يخرج كل واحد بأسرته. مع ما قد ينزغ الشيطان بسبب كثرة الخلطة، قد ينزغ الشيطان بين الأبناء، أو بين زوجات الأبناء، أو غير ذلك. وابن آدم حريص على التحريش. فسلامة القلوب ليس مثلها شيء. كذلك تربية الأبناء قد يعجز الواحد أن يحسن تربية ولده، يربي من جهة، ويدخل على ولده الفساد من جهة أخرى بسبب هذه الخلطة. فلهذا -ولغيره- غيره الأولى أن ينفصل كل واحد ببيت لوحده؛ حتى هو أسلم لهم من جهة كذلك الدنيا -ليس فقط من ناحية الشرعية- بل حتى من الناحية الدنيوية. ربما بسبب اجتماعهم لا يحصل المقصود من عدم التبذير بالمال -العكس- لأن كل واحد يرى نفسه مهضوما، فعند ذلك ربما الشيطان يدفعه أن يأخذ فوق حاجته بحجة أن المال ذاهب -ذاهب- يعني مثلا إذا كان الواحد لوحده قد يقتصد، فالوقت الذي يحتاج لطعام أخذ، والوقت الذي لا يحتاج لا يأخذ. لكن ما دام مع غيره، وهو يدفع مال -سواء أخذ أو لم يأخذ- ماذا يصنع؟ يأخذ بكل الأحوال، يأخذ بكل الأحوال، فيصير إسرافا وتبذيرا، وهذا يضر الجميع. بينما لو اعتزل كل واحد في بيته حصل الاقتصاد في هذا الباب. وهكذا كذلك راحتهم -لا شك أن الأسر تتضايق بالاجتماع- يعني مثلا بيت واحد فيه خمسة أسر -خمسة أبناء كلهم متزوجون- هذا أقل شيء. الوسط في أكثر البيوت كم يأخذ كل واحد في الغالب؟ ماذا؟ غرفة. كيف يكون حال هذا الأب هو وأولاده في غرفة واحدة؟ أحيانا في الغرفة، أحيانا في الغرفة الأب والأم ومعهم سبع أولاد، كيف يتنفس هذا الأب؟ وكيف تتنفس هذه الأم؟ ثم أنظر إلى الحرج الذي يقع -الأولاد يكبرون ويحتاج أن يحتجبوا من زوجات الأعمام- فتقع مفاسد وضيق ما يعلم به إلا الله. لكن لو قيل لكل واحد مثلا: «إن كان هناك بيت قسم والباقي يخرج، الباقي الإخوة يخرجون ويستأجرون بيوتا». يستأجر بيت من نفقته، وأكثرهم يستطيع ذلك. ثم يعطى الأب والأم نفقة شهرية من جميع الإخوة، ويبرون بكثرة الزيارة والصلة -مع بقاء من يقوم بخدمتهم معهم في أصل البيت- يعني مثلا الأخ الأكبر يبقى مع الأب والأم في البيت، وبقية الإخوة يخرجون في بيوت يستأجرون. وأكثرهم يستطيع ذلك. هذا هو الأسلم. وفصلت وأطلت في هذا؛ لأن هذا مما عمت به البلوى في هذه البلاد، وفي بلد أخرى مما جاورنا، يكثر السؤال في مثل هذه المسألة، وتحصل مشقة على الناس بسبب تجديد بعض الآباء في هذا المقام. والذي يريد السلام لنفسه فليأخذ بمثل هذه النصائح. وأما حديث «أنت ومالك لأبيك» فمعناه: لا يجوز للإبن أن يمتنع من إعطاء والده شيء من المال إن احتاج. بل الوالد يأخذ من مال الإبن إذا احتاج ما شاء؛ لأنك ثمر من ثمراته. ولكن لا يعني ذلك أن يأخذ الأب من المال على وجه الإفساد والإضرار؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». «لا ضرر ولا ضرار». ولهذا ذكر العلماء أنه ينبغي أن يجتنب في هذا المقام ثلاثة أمور. الأمر الأول: أن لا يضر بهذا الولد -يعني أخذه من النفقة- لا يضر به. وقبل هذا: أن يأخذه لحاجته -يعني لا يكون أخذ الأب للإفساد- فإن كان للإفساد لا شك لا يعان على ذلك. قال الله عز وجل: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ». أب يتعامل بالميسر، هل يجوز الإبن أن يعطيه من ماله بحجة «أنت ومالك لأبيك»؟ أب يشرب الخمر، هل يجوز أن يعطي الإبن لأبيه مالا بحجة «أنت ومالك لأبيك»؟ لا شك أن الجواب لا. لكن إذا احتاج الأب لنفقة نفسه، أو لمعنى آخر من الحوائج الأخرى، لا شك أنه يجب أن يعطي الإبن الأب من ماله. بل يجب أن يغنيه -إن كان فقيرا- من أصل المال. يجب أن يغنيه -إن كان فقيرا- أي الأب يغني الإبن ما دام غنيا. هذا الأب من أصل ماله. والأمر الثالث: أنه ينبغي كذلك أن يراعي الأب أن لا يكون سببا -أي أخذه للمال- للخصومة والمنازعات -مثل أن يأخذ من ابن ويعطيه للإبن الآخر- فهذا منافي لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم». إذا كان أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالعدل في العطاء، كذلك من باب أولى أن يكون العدل في الأخذ -يعني إذا أخذت وكان أولادك سواء يا أيها الأب- فخذ من الأولاد بالسوية. هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم». مثلا أنت تعرف أن جميع أبنائك على مستوى واحد في المعيشة -مثلا كلهم يعمل في البحر- وكسبهم متقارب أو متساوي، فلا يجوز للأب لكونه يحب فلانا من الأبناء -لما يأخذ منه شيء- ولكونه يبغض فلان من الأبناء دائما يأخذ منه: «يا فلان اشترنا اليوم الخصار، ثاني يوم اشتر لنا حاجات البيت، ثالث يوم كذا تعطل علينا اشتري لنا كذا». طيب، هذا الولد سيسأل نفسه: «هل هذا الأب ما عنده أولاد إلا هو؟ أو عنده أولاد آخرون عنده؟» ومع ذلك يقال للإبن: «لا يجوز لك أن تتردد في إعطائه» ما دمت تستطيع -حتى ولو ظلم الأب- حتى ولو ظلم الأب، فأنت لا تمتنع، اعطيه مع نصحه -إن كان نصحك لا يفسد- أو اجعل غيرك ينصحه، ذكره بهذا الحديث: «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم». فمن العدل بين الأبناء العدل حتى في الأخذ -ليس العدل في العطية فقط- حتى العدل في الأخذ. فإن كانت معيشتهم سواء تأخذ من الجميع بالسواء، وإن كانت معيشتهم تختلف تأخذ من الجميع بحسب الحاجة. مثلا أحدهم يكتسب ضعف الآخر، إذا كان هذا كسبه الشهري مثلا ثلاثون ألفا، والآخر ستون ألفا، فأنت ستأخذ إعانة من هذا الابن نصف ما تأخذ من الابن الآخر. كما أنك تراعي لو كان هذا أسرته كبيرة، وهذا أسرته صغيرة، والنفق سواء -هذا عنده عشرة أولاد، وهذا عنده خمسة أولاد- وكلاهما كسبه عشرة آلاف مثلا، فأنت من العدل مع الأبناء تطلب إعانة من هذا الابن نصف ما تطلب من هذا الابن؛ لأن هذا عنده عشرة أولاد، فهو يحتاج إلى نفقة أكثر على أولاده، وهذا عنده خمسة أولاد يحتاج إلى نفقة أقل. فتأخذ من هذا ضعف ما تأخذ من هذا الذي عنده عشرة أولاد. وهكذا يراعي الأب هذا الباب، ويحرص على الإصلاح قدر المستطاع؛ فإن الأدلة الشرعية يفسر بعضها بعضا. يقول: هل الأذان الأول في الجمعة بدعة؟ وإذا كان العكس، فهل له حاجة في هذا الزمان؟ وما حكم من يقول بدعة؟ وجزاكم الله خيرا. الأذان الأول لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع في زمن عثمان رضي الله عنه أرضاه؛ حين رأى عثمان تخلف بعض الناس عن الجمعة -حين توسعت المدينة- فأقيم سوق خارج المدينة بالزوراء، فصار الناس إذا علموا بوقت الأذان فيحتاجون إلى وقت حتى يصلوا إلى المسجد، فأمر عثمان رضي الله عنه أرضاه من يؤذن لهم في سوقهم -ما يسع معه الوصول إلى المسجد- ويدركون الصلاة. فهو اجتهد رضي الله عنه أرضاه، وسن هذه السنة. وبعد هذا اختلف أهل العلم: هل هذه السنة سنة عثمان رضي الله عنه أرضاه -مما يؤتس به فيها- ويستفاد منها عند الحاجة إليها؟ أم أن الأولى الاقتصار على ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو دعت الحاجة إلى ذلك فلا حاجة لمثل هذا؟ قولان مشهوران بين أهل العلم. وقع الخلاف فيه، وهو من المسائل الاجتهادية التي ينبغي أن يسع فيها الخلاف -خصوصا وأنه قد ثبت عن مثل عثمان رضي الله عنه أرضاه- والمجتهد فيه بين الأجر والأجرين. حتى ولو قال أحد طرفي الخلاف: «أن هذا بدعة»، فلا يعني ذلك تبديع الفاعل؛ فإن الفعل قد يكون بدعة، ولا يلزم منه تبديع الفاعل. وقد ذكر ابن رجب رحمه الله وغيره: أن عددا من الصحابة ومن بعدهم نصوا أن هذا الفعل بدعة. ومن هؤلاء ابن عمر، وجماعة، فسموه بدعة. فأجاب الطرف الآخر: بأن تسميتهم بدعة لا يلزم منه التبديع المذموم، وإنما أرادوا البدعة اللغوية. ومع ذلك ليس هذا بمقنع للطرف المخالف في هذه المسألة. فلذلك يقال -على وجه الاختصار- الصواب في هذه المسألة: أن يقتصر على أذان النبي صلى الله عليه وسلم دون أذان عثمان رضي الله عنه -وهو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر- وإذا اجتهد بعض أهل العلم، وظنوا أن الحاجة قد تحتاج إلى أذان كأذان عثمان، فكما قال العلامة الألباني رحمه الله -مع قوله أنه خلاف السنة- قال: «إن احتيج إليه فليفعل كما فعل عثمان رضي الله عنه، يؤذن به في مواضع الأسواق لتنبيه الناس على يوم الجمعة ووقت الصلاة». يعني: ليس يكون مع أذان الجمعة مباشرة -كما يفعل الكثير من الناس في مساجدهم- يؤذنون الأذان الأول، ثم يصلون ركعتين، ويؤذنون الأذان الثاني. هذا خلاف سنة عثمان رضي الله عنه. فمن أراد سنة عثمان فليؤذن لها قبل الصلاة -مثلا بساعة- حتى يدرك الناس الصلاة، ولا يؤذن بها حيث لا يستفيد من الأذان أحد. ولكن يؤذن به في الأسواق -يعني مثلا لو كانت مدينة كبيرة، وأسواقها في وسطها، وفي أطرافها لا توجد أسواق- فمن يقول بمشروعية هذا الأذان إنما يؤذن من كان بالقرب من هذه الأسواق -المساجد التي حول الأسواق- هي التي تؤذن، وتؤذن قبل الجمعة بساعة أو نحوها؛ حتى يكون في ذلك تنبيه لمن في السوق فيبادرون بإيقاف تجاراتهم، والانطلاق للتجهز للجمعة. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. والأمر في هذا واسع، لا ينبغي أن تتجاذبه مجادلات تدفع إلى الخصومة. يقول: عندنا في الأعياد بعض الأبناء كأنه يأخذ بعض المال من أعمامهم وغيرهم، فتأخذه الأم وتصرفه في حاجاتهم. هل هذا جائز؟ إذا كان في حاجات الأبناء، فهذا جائز. وإن كانت يتستطيع أن تقوم بحاجات الأبناء، فالأفضل أن ترد المال لهم -يكون فيما يحتاجه الولد مما أراد هذا القريب من عم أو غيره أن يدخل الفرحة عليه- يعني يشتري له مثلا ألعابا، أو يشتري له شيء يأكله. ولو يقسم عليه -إن كان المال كثير- يقسم عليه على فترات بحسب المناسبات. يقول: ابن عنده سيارة خاصة، ومرتبط بعمل، وله أب تكثر مشاويره تقدر بثلاث مرات إلى مكة في الأسبوع -من غير المشاوير الداخلية في البلد- والأب مريض بجلطة، ومشاويره ومشاريعه خيالية، ويريد أن يقابل المحافظ مرة. المهم، السائل -ما شاء الله- أطال بالتفاصيل. خلاصة الجواب على هذا السؤال: ينبغي على الإبن أن يصبر، وأن يبر بأبويه. والبر يحتاج إلى صبر، كما أن تربية الأب للإبن احتاجت إلى صبر. وكيف يكون البر إذا لم يكن معه صبر؟ لابد من الصبر، والصبر ليس في الرخاء بل في الرخاء والشدة، وفي الحلو والمر -كما يقولون- فأنت تصبر، ولو قابلت ما تكرهه. لكن لا طاع لمخلوق في معصية الخالق -إن كان شيء فيه معصية لله- فلا طاع للمخلوق في معصية الخالق. أو كان شيء فيه ضرر، فلا ضرر ولا ضرار. أما شيء ليس فيه معصية، ولا يحصل به الضرر الذي يكون به الإفساد، فينبغي للإبن أن يصبر. وإن كان هناك حاجة للنصيحة وتقبل منه، ولا تفسد، فلينصح. أو يتخذ واسطة يرجو أن يقبل نصحها، فيكون هو الناصح -أي هذه الواسطة- كما أنبه السائل إلى ما ينبغي من تعويذ نفسه على الأدب مع أبويه؛ فمثل هذه الكلمات لا يليق أن تصدر من ابن مع أبيه. فكما قلنا: مهما أخطأ الأب فهو أب، وينبغي أن يعرف الابن منزلة الأب، وكيف يتأدب معه -حتى إذا أخطأ عليك- فأنت تقابل السيئة بالحسنة، وتقابل الإساءة بالإحسان، وغير ذلك من معاني البر الذي أمرت به. يقول: بماذا ينصح من يكثر الغضب من غير حاجة حتى يعمل الكراهية للأبناء؟ يذكر بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب؛ فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فكرر: «لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب». لأن الغضب سبب شرور كثيرة؛ فمع الغضب لا يحسن المرء المسلم التصرف، يضر بنفسه ويضر بغيره. ومع الغضب كذلك يخسر من يعامله. فأنت حاول إذا كنت تريد خير بنفسك وبغيرك أن تتمالك نفسك. والرفق سبب كل خير. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي به: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة». فالرفق تنفتح به أمور لا تنفتح بمثلها إذا كان بالشدة. فمثلا في تربية أبنائك، أنت لو كان حالك دائما الغضب -إذا كان حالك دائما الغضب- فأنت لا تتفهم منهم، ولا تنصحهم، وتوجههم. كل خطأ تعامله بالغضب والشدة والضرب وغير ذلك. هنا تنقطع الصلة بينك وبين أبنائك، فلا تستطيع أن تنفعهم بتربيتهم، وهم لا يستطيعون أن يفهموك بسبب غضبك. وربما التجأوا إلى غيرك، أو انحرفوا. وكلا الأمرين أنت لا تريده: أنت إنما تريد أن يلجأوا إليك، وأن يأخذوا منك، وأن يتأدبوا بما تحب من الأدب الذي أمر به الشرع. فإذا احرص على الرفق؛ فإن الله يعطي بالرفق ما لا يعطيه بالشدة. ولا يعني ذلك ألا تستخدم الشدة أحيانا؛ قد يحتاج إلى ذلك أحيانا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». فالضرب قد تحتاج إليه أحيانا. لكنه ضرب غير مبرح -لا يكسر عظما، ولا يجرح لحما- ويكون كذلك عند الحاجة الملحة إليه. ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب -يعني لم يثبت أنه مد يده- كما قالت عائشة رضي الله عنها -معناه إلا أن يكون مجاهدا في سبيل الله- فأحرص على ضبط نفسك بقطع أسباب الغضب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصروعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه» -أي عند الغضب-. يقول السائل: كيف ينصح من يتمنى الموت ليلا ونهارا بحجة ضيق المعيشة، وضعف ... لعله ضعف كلمة غير واضحة ... ضعف إيمانه بالقدر؟ يذكر بالأحاديث الكثيرة، بل والأدلة من كتاب الله عز وجل في الأمر بالصبر -الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله- وأن الخير فيما يختاره الله له. ومن عظيم أجر وتواب الصبر: أن الله عز وجل أخفى ثوابه عنده سبحانه وتعالى: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ». مع ما لا يخفى: أن هذا ليس بحل -تمني الموت- ليس بحل. لكن الحل أن ينظر بماذا أوصي بالأدلة الشرعية فيأخذ بهذه الوصايا، وينتفع بها. أحيانا ما يصيب الناس من ضنك وضيق يكون بسبب الذنوب والمعاصي. إذن، عليه أن يراجع نفسه، ويتذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، ويتذكر قول الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فليقبل على الله عز وجل بالطاعة -بالعلم النافع والعمل الصالح- لعل الله عز وجل يصلح له أموره، ويسرها له، ويسهلها عليه. ويستمر في الدعاء، ويأخذ كذلك بالأسباب الحسية. ولينظر دائما إلى من هو دونه -أي في الدنيا- ولا ينظر إلى من هو فوقه -كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام- معلم؛ حتى لا يزدري نعمة الله عليه. إذا كنت فقير، فيوجد من هو أفقر منك. إذا كنت تشتكي من شدة المعيشة، يوجد من يشتكي أشد منك. وهكذا اعتبر بمن هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك. واعلم أن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكن يعطي الدين -لا يعطي الدين إلا من يحب- إذا أنت احمد الله على نعمة العافية في الدين. وأما الدنيا فاعلم أنها محل امتحان وابتلاء، وهي قصيرة. فمن صبر أعطاه الله عز وجل بخير العطاء في الدنيا وفي الآخرة. «وحفة الجنة بالمكاره، وحفة النار بالشهوات». وهكذا يتوكل على الله، فيحسن توكله به. ومن توكله على ربه سبحانه وتعالى: أنه يأخذ بشروط التوكل. وشروط التوكل ثلاثة. أولها: أن يعرف الله عز وجل معرفة تجعل التعظيم في قلبه له سبحانه وتعالى -سبحانه وتعالى- فيلتفت إليه، لا يلتفت إلى غيره. يعرفه بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته -معرفة توجب له تحقق التعظيم له سبحانه وتعالى- وهكذا كذلك من شروط التوكل: أن يأخذ بالأسباب التي أمره الله عز وجل بالأخذ بها. فالطير على ضعفها يرزقها الله عز وجل. وكم ترى في الدنيا من طير لا يعد ولا يحصى في هذه الدنيا الواسعة. بل وكم من مخلوقات الله -الصغير والكبير- من هو أقل منك عقلا، وأضعف قوة، وأضل سبيلا يهديه الله عز وجل لأخذ رزقه. ولكنه يبذل الأسباب في ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما بالسنن عند الترمذي وغيره- من حديث عمر رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لو توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». فالمطلوب هو أن نتوكل على الله حق توكله. ومن حق التوكل الأخذ بالأسباب. فالطير على ضعفها تغدو كل صباح، وتروح كل مساء، ترجع. تغدو خماص -أي