الخطبة بعنوان التقوى أسبابها وثمرتها، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستهل الخطيب بالثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. ويهيئ بذلك القلوب لاستقبال موعظة التقوى.
يبيّن أن الصيام شُرع لتحقيق تقوى الله، وهي الوقاية من عذابه بطاعته واجتناب نواهيه. ويؤكد أن التقوى وصية الله للأولين والآخرين ودعوة جميع الأنبياء.
تعد التقوى خير زاد ولباس للقلب، وتجلب تفريج الكرب وتيسير الأمور والرزق والبركة. وتثمر محبة الله ومعيته، وقبول الأعمال، والوقاية من الشيطان، والنجاة يوم القيامة ودخول الجنة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: التقوى أسبابه وثمرته، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: إن الله عز وجل من رحمته بعباده أن فرض عليهم فرائض، وشرع عليهم شرائع، وندبهم إلى أفعال بر وخير وإحسان. والله سبحانه وتعالى لم يفعل ذلك لحاجته إلى خلقه، لا ليتكثر بهم ولا ليتعزز بهم. والله عز وجل هو الغني الحميد، وهو الغني الكريم، والخلق جميعاً مفتقرون إليه وفي أمس الحاجة إليه، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. ويقول الله عز وجل كما في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً». فالله عز وجل لا يزيد ملكه بطاعة الخلق ولو كانوا جميعاً أتقياء بررة، ولا ينقص ملكه بمعصيتهم ولو كانوا جميعاً أشقياء فجرة. فلذلك، عباد الله، من وفقه الله سبحانه وتعالى للإقبال على هذه الطاعات، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والمسارعة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، فإنما ينفع نفسه في الدنيا والآخرة، والله لا ينتفع بطاعة الطائعين، كما أنه عز وجل لا يتضرر بمعصية العاصين. ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. ويقول الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. ومن هذه العبادات، عباد الله، التي شرعها الله عز وجل وجعل فيها الخيرات، وجعل فيها المنافع والفوائد والحسنات: عبادة الصيام، التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالصيام، عباد الله، من أنفع وأجل العبادات في تهذيب النفوس، وفي صلاح القلوب، وفي استقامة الأقوال والأعمال، وفي تحسين الأخلاق. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فهنيئاً لمن جعل رمضان لقلبه وروحه، هنيئاً لمن أقبل فيه على طاعة خالقه وربه ومولاه، هنيئاً لمن صلح فيه قلبه، وحسنت فيه أخلاقه، واستقامت فيه أقواله وأعماله، هنيئاً لمن سارع إلى مرضاة الله، وشمر إلى طاعة الله، وسابق إلى إصابة رحمة الله عز وجل، هنيئاً لمن تخلى عن الذنوب والمعاصي، ولزم تقوى الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، في الظاهر والباطن، في حال الخلوة والجلوة. هذه أعظم فائدة يخرج منها الصائم من فريضة الصيام، ومن هذا الشهر الكريم: أنه يتحلى بتقوى الله سبحانه وتعالى. هذه الفائدة التي نص الله عز وجل عليها في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. لماذا يا ربنا؟ لأي شيء؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهكذا في ختام آيات الصوم يقول الله عز وجل: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. نعم، عباد الله، لم يكن المقصود في هذا الصوم وشرعية هذه العبادة مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والفراش في أوقات معينة، وإنما غاية عظيمة، وحكمة جليلة، وفائدة كبيرة، ألا وهي التحلي بتقوى الله سبحانه وتعالى. تقوى الله عز وجل: أن تجعل بينك وبين عذاب الله، وسخط الله، ومقت الله، وغضب الله، ولعنة الله سبحانه وتعالى، وقاية. ومعلوم أن عذاب الله عز وجل لا يتقى بالأموال، ولا يتقى بالقبائل والعشائر، ولا يتقى بالرتب والمراتب، ولا يتقى بالأموال، ولا يتقى بالزوجات، ولا يتقى بالأنساب، ولا يتقى بالسلطان والجاه. وإنما عذاب الله، والفرار من غضبه وسخطه ولعنته، يكون في امتثال أوامره واجتناب نواهيه. فهنيئاً لمن تحلى بالتقوى في هذا الشهر الكريم، والاستدامة على هذا الخلق الذي هو أم الفضائل وجماع الخير، وفيه محاسن الأخلاق: تقوى الله سبحانه وتعالى، التي هي وصية الله عز وجل لعباده الأولين والآخرين، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. هذه وصية الله في كتابه لعباده الأولين والآخرين. وهكذا أخبر الله عز وجل عن الأنبياء والمرسلين أنه بعثهم لدعوة الناس إلى تحقيق هذه التقوى، كما أخبر الله عز وجل عنهم بصيغة واحدة في سورة الشعراء: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿إِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾. وهكذا يقول الله في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان كثيراً ما يدعو أصحابه ويرغبهم في التخلق بهذه الصفة والخلة العظيمة والجليلة. في حجة الوداع أمام الآلاف المؤلفة وهو يقول لهم: «يا أيها الناس، اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم». وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية وأمر عليها أميراً أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً. وهكذا كان السلف من الصحابة ومن بعدهم يتواصون بتقوى الله سبحانه وتعالى. فأنت يا عبد الله في أمس الحاجة إلى التحلي بالتقوى، فإن من اتقى الله سبحانه وتعالى خاف عقابه، ومن خاف عقاب الله عز وجل أدى الحقوق التي لربه عليه، وأدى الحقوق التي للناس عليه. من اتقى الله سبحانه وتعالى فإنه يسلم من الشهوات والشبهات، ويثبت على دينه بإذن الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مسلم حديث أبي سعيد: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». تقوى الله عز وجل الذي هو خير زاد يتزوده العبد في الدنيا، كما أن المسافر يحتاج إلى زاد يبلغه إلى مكانه ومقصده ومحل سفره، فهكذا الراحل إلى الآخرة والمسافر إلى ربه سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. من اتقى الله أغناه الله عز وجل بدون مال، وأعزه بدون عشيرة، وآنسه بغير مؤنس. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: خير زاد، وأعظم زاد، وأكمل زاد، لأنه يقود إلى أجل نعيم وأكمل لذة، وهي الوصول إلى جنة الله سبحانه وتعالى. وهكذا هو خير لباس يتزين به العبد في الدنيا: لباس التقوى. هذا اللباس الذي لا يبلى ولا يبيد، هذا اللباس الذي هو جمال القلب والروح، هذا اللباس الذي من انعدم منه فإنه تنكشف عورته الباطنة، بخلاف هذا اللباس الحسي فإنه يحتاج إليه في بدنه، تقوى الله، ولو انعدم منه فإن عورته الظاهرة هي التي تنكشف. والعورة الظاهرة يجوز كشفها في بعض الأحوال، أما من انعدم من لباس التقوى فإنه يخسر خسارة عظيمة في الدنيا والآخرة، ويتعرى ويتجرد ويفتضح فضيحة عظيمة في الدنيا والآخرة. فع علينا إخواني في الله أن نتحلى بخلق التقوى، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. فمن نظر بعينيه إلى الحرام، هذا ليس من المتقين، وداوم على ذلك وأصر على هذا الفعل. وهكذا من سمع بأذنيه إلى الحرام، وهكذا من خطى برجليه إلى الحرام، وهكذا من بطش بيده، هؤلاء ليسوا من المتقين. فالتقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وكما تقدم لا وقاية من عذاب الله إلا في امتثال الأوامر واجتناب النواهي. فعلى كل واحد أن يفتش عن حاله، وأن يراجع نفسه، وأن يحاسب نفسه. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. احذر يا عبد الله من خلاف التقوى، من ارتكاب الذنوب والمعاصي والتساهل فيها، والغفلة عن الموعد والمورد مع الله سبحانه وتعالى. فإن الذنوب وخلاف التقوى هي سبب كل شر. فما هلكت الأمم، ولا سقطت الدول، ولا سلبت النعم، ولا نزلت النقم، إلا بسبب الذنوب والمعاصي. والله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه الكريم عن الأمم المتقدمة كيف أنزل عليهم عذابه ونكاله ومقته وغضبه ولعنته، يوم أن خالفوا أوامره، وانتهكوا حدوده، وفعلوا ما حرم الله عليهم، فغير الله عز وجل عليهم أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة. أخبرنا الله عز وجل بذلك في كتابه الكريم لنأخذ العبرة، ولنصحح العمل، ونتوب إلى الله، ونستفيق من الغفلة. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾. نعم، عباد الله، علينا أن نتوب إلى ربنا، وأن نستغل فرصة هذا الشهر في العودة والأوبة إلى الله سبحانه وتعالى. ما أكثر آثار الذنوب والمعاصي! والتساهل فيها سبب للذة الله، وسبب لسلب النعم ونزول النقم، وسبب لذهاب البركات والأرزاق، وسبب لحصول الشحناء والبغضاء، وسبب أيضاً لشر عظيم في الدنيا والآخرة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم التقوى. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه، عباد الله، بعض فوائد التقوى، لنكون جميعاً من طلابها. فمن فوائد التقوى، عباد الله، أنها من أعظم الأسباب في تفريج الكربات، ورفع الشدائد والمآزق. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فبتقوى الله سبحانه وتعالى يجعل لك ربك عز وجل من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً. ما أكثر تيسير الله سبحانه وتعالى لعباده المتقين! والله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. فيسر لهم أمورهم الدينية وأمورهم الدنيوية في الدنيا والآخرة. وهكذا من فوائد التقوى أنها من أعظم الأسباب في جلب الأرزاق والبركة فيها. قال الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، من حيث لا يأمل، ومن حيث لا يظن، ولا يتوقع، ولا يرجو. من اتقى الله سبحانه وتعالى سهل الله له رزقه، وآتاه من الخير الكثير والخير العميم. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾. فإذا اتقى العبد ربه سبحانه وتعالى، وترك ما حرم الله عز وجل عليه، فإنه يبارك له في رزقه، ويأتيه الرزق الحلال. فمن كان مثلاً في وظيفة الربا في بنك ربوي، فترك هذه الوظيفة لله سبحانه وتعالى اتقاءً وخوفاً من عذابه، فالله سبحانه وتعالى يخلفه عليه، ويبدله ما هو أنفع وأبرك وأجل من تلكم الوظيفة. وهكذا من كان يمشي في طريق الزنا، فخاف الله وخاف عذاب الله سبحانه وتعالى، فترك الزنا من هذه العشيقة والمحبوبة، فالله سبحانه وتعالى يعوضه ما هو أفضل من ذلكم الطريق الذي كان يمشي فيه. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وهكذا، عباد الله، من فوائد التقوى أنها من أعظم الأسباب في نيل محبة الله. قال الله عز وجل: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ولا تظن أن محبة الله شيء رخيص، أن محبة الله شيء رخيص، بل هو شيء عظيم. إذا أحبك الله وضع لك القبول في السماء، وأحبك الملائكة في السماء، ووضع لك القبول في الأرض. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. وهكذا إذا أحبك الله سددك في سمعك، وسددك في بصرك، وفي يدك ورجلك، وأعطاك ما سألت، وأعاذك مما استعذت، كما في الحديث القدسي. وهكذا، عباد الله، من فوائد التقوى أنها من أعظم الأمور في تحصيل معية الله سبحانه وتعالى للعبد. ليست المعية العامة التي بمعنى العلم والإحاطة، فهذه لجميع الخلق، ولكنها المعية الخاصة التي تتضمن الكلاء والحفظ والرعاية والمعونة والتوفيق والهداية والتسديد. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ومن كان الله معه لم يخشَ من الأهوال وإن كانت أمثال الجبال. وهكذا، عباد الله، من ثمرات التقوى أنها سبب عظيم في قبول الأعمال. ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. قبول الأعمال الذي اهتم لأجله الأنبياء، قبول الأعمال اهتم لأجلها الأنبياء. فهذا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام يبنيان البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وهكذا تقوى الله سبحانه وتعالى من أعظم الأسباب في الوقاية والسلامة من شر الشيطان الرجيم، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان، ما من أحد إلا وتحصل له الغفلة، ويأتيه الشيطان، وقد جثم على قلبه، وانتظر غفلته وغرته، فيهجم عليه ويوسوس له ويسول له، ويقع في أخطاء وزلل ومعاصي. لكن الفرق بين المتقين وغيرهم أن المتقي متى ما وقع في زلة أو ارتكب معصية، فإنه يراجع نفسه، وينظر من أي باب دخل عليه الشيطان، فيئوب ويتوب إلى ربه سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. وأما غير المتقين فإنهم يتمادون ولا يبالون، فيطمع فيهم الشيطان ويستولي عليهم، ويزيدهم في غيهم. ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. وهكذا، عباد الله، من فوائد التقوى أنها من أعظم الأمور في الوقاية من مكر الأعداء وأذية الأعداء. قال الله: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. فإذا أردت أن يقيك الله سبحانه وتعالى من شر الأعداء والحاسدين والمناوئين والماكرين، فالزم تقوى الله سبحانه وتعالى، فإن الله هو خير الماكرين. فيقول الله: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وهكذا، عباد الله، من فوائد التقوى أنها من أعظم الأسباب في أن ينجو من أهوال يوم القيامة. قال الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. ويقول الله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. ويقول الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، لا خوف عليهم فيما أمامهم من الأهوال والشدائد والعقبات. وهكذا من أعظم الأسباب في دخول الجنة. قال الله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾. وقال الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقال الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وهكذا من فوائد التقوى أنها من أعظم الأسباب في نيل الولاية، أن تكون من أولياء الله الذين يحبهم ويحفظهم ويرعاهم ويكلؤهم ويسددهم وينصرهم. ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ويقول الله: ﴿إِنَّ أَوْلِيَاءَهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فأولياء الله سبحانه وتعالى هم المتقون. الولاية لا تنال بالأنساب، أن يكون من البيت الفلاني أو من الأسرة الفلانية، كما هو عليه كثير من العوام: إذا كان الرجل من الأسرة الفلانية أو البيت الفلاني فإنه من الأولياء، ولو كان من السحرة والمشعوذين والكهان والدجالين، فعندهم من أهل الولاية والصلاح. أما في ميزان الشرع، فالله تبارك وتعالى وصف وذكر أوصاف أولئك المتقين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ما أكثر، عباد الله، فوائد التقوى! وهكذا من فوائد التقوى: حصول الهداية، وحصول النور الذي يميز به العبد بين ما ينفعه وما يضره، بين الحلال والحرام، والصواب والخطأ، والهدى والضلال، والنافع والضار. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ويقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. نعم، أنت في أمس الحاجة إلى هذا النور، النور الذي تميز به بين النافع والضار، بين السنة والبدعة، بين المنهج الصحيح والمنهج الفاسد، بين الطاعة والمعصية. نعم، إذا لم يكن مع العبد نور يستضيء به في هذه الدنيا، فإنه يتخبط في ظلمات الجهالة، والضياع، والضلالة، وظلمات البدع والأهواء والآراء، وظلمات الشهوات والشبهات. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.