تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قصة إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه الملائكة

تروي الآيات قصة إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه الملائكة الذين جاءوا إليه وسلموا عليه، ثم أخبروه بأنهم مرسلون من الله لعذاب قوم لوط. يُظهر النص سياق السورة وموضوعاتها الرئيسية.

تفاصيل ضيافة إبراهيم للملائكة وبشارة سارة بإسحاق

يتناول المقطع تفاصيل ضيافة إبراهيم عليه السلام للملائكة وكيفية تعامله معهم، ويشرح البشارة التي تلقاها بإسحاق عليه السلام. كما يوضح الفرق بين البشارة بإسحاق وإسماعيل عليهما السلام.

ختام الدرس والصلاة على النبي

يشير المقطع إلى انتهاء الدرس مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ لَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال المفسر -رحمه الله-: «فَلْتَاكَ حِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَدِيدُ ضَيْفِي إِبْرَاهِيمَ الْمُكَرَّمِينَ وَهُمْ لَا يُدْرَى أَثْنَا عَشَرَ أَوْ عَشَرَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، إِذْ ظرف لِحَدِيثِ ضَيْفٍ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا، أَيْ هَذَا اللَّفْظُ، قَالَ سَلَامٌ، أَيْ هَذَا اللَفْظُ، قَوْمٌ مُكْرَمُونَ لَا نَعْرِفُهُمْ، قَالَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ مُقَدَّرٌ أَيْ هَؤُلَاءِ، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ سِرًّا، فَجَاءَ بِعَجْلٍ مِنْ سَبِيلٍ، وَفِي سُورَةِ هُودٍ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أَيْ مَشْوِيٍّ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَكْلَ فَلَمْ يُجِيبُوا، فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُمْ خِيفَةً، قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا رُسُلُ رَبِّهِ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ذِي عِلْمٍ كَثِيرٍ وَهُوَ إِسْحَاقُ كَمَا نُكِرَ بِهِ، فَأَقْبَلَتْ زَوْجَتُهُ سَارَةُ فِي صَرَّةٍ صَائِحَةٍ حَالٌ أَيْ جَاءَتْ صَائِحَةً، فَصَكَّتْ وَجْهَهَا لِقَمَتِهِ، فَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ لَمْ تَلِدْ، وَعُمُرُهَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَعُمُرُ إِبْرَاهِيمَ مِائَةُ سَنَةٍ أَوْ عُمُرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَعُمُرُهَا تِسْعُونَ سَنَةً، قَالُوا كَذَلِكَ أَيْ مِثْلَ قَوْلِنَا فِي الْبِشَارَةِ، قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ فِي صُنْعِهِ الْعَلِيمُ بِخَلْقِهِ، قَالَ فَمَا خَبَرُكُمْ شَأْنُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ الْكَافِرِينَ، قَالُوا لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مَقْبُوضٍ بِالنَّارِ، مُسَوَّمَةً مُعَلَمَةً عَلَيْهَا السُّومُ جَرَمًا بِهَا عِنْدَ رَبِّكَ ظَرْفٌ لَهَا لِلْمُسْرِفِينَ إِتْيَانِهِمُ الذُّكُورَ مَعَ كُفْرِهِمْ، فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا أَيْ مَرَّةً قَوْمُهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِإِهْلَاكِ الْكَافِرِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لُوطٌ وَبِنْتَاهِ مُصَدِّقِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ أَيْ هُمْ مُصَدِّقُونَ بِقُلُوبِهِمْ عَامِلُونَ بِجَوَارِحِهِمْ مُطِيعُونَ، وَتَرَكْنَا فِيهَا بَعْدَ إهْلَاكِ الْكَافِرِينَ آيَةً عَلَامَةً عَلَى إهْلَاكِهِمْ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْعَلِيمَ فَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ». بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أَمَّا بَعْدُ، مَا زِلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ، سُورَةٌ عَظِيمَةٌ احْتَوَتْ عَدَدًا مِنْ الْعِظَاتِ وَالْعِبَرِ وَالتَذْكِيرِ وَالتَخْوِيفِ، فَهَذِهِ السُّورَةُ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا مَرَّ مَعَنَا بِهَا مُحَاجَّةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَتَكْذِيبٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَا جَاءَ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، وَمَرَّتْ مَعَنَا عَدَدٌ مِنْ الْآيَاتِ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنْ الْعِظَاتِ وَالْعِبَرِ وَالتَخْوِيفِ وَالتَرْهِيبِ وَكَذَلِكَ التَّرْغِيبِ، تَخْوِيفٌ وَتَرْهِيبٌ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَتَرْغِيبٌ وَكَذَلِكَ عِظَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ ذِكْرُهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ، قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ قَوْمِهِ، مَعَ الْإِشَارَةِ وَالتَعْرِيجِ عَلَى قِصَّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَلِكَ مَعَ قَوْمِهِ، وَهَكَذَا مِمَّنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُمْ مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَابْتَدَى بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ أَبِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقُرْبِ الزَّمَانِ وَظُهُورِ الْآثَارِ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةُ عِظَةٍ وَعِبْرَةٍ، وَلَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَوْمِ لُوطٍ وَمَنْ بَعْدِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَسَّمَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إِلَى قِسْمَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ قِسْمًا لِلزَّمَانِ الْقَرِيبِ وَهُمْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَالزَّمَانِ الْبَعِيدِ وَهُوَ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ الرُّسُلِ إِلَى نُوحٍ وَفَتْرَةِ الطُّوفَانِ. فَلِذَلِكَ نَجِدُ التَذْكِيرَ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ بَعْدَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِمَّنْ جَاءَ قَبْلَهُ، لِهَذَا الْأَمْرِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَذِكْرُهَا هُنَا قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِيهَا مَا ابْتَدَأَتْ بِهِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِأُمَّتِهِ كَذَلِكَ، أَيْ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَهَذَا الْخِطَابِ الَّذِي سَيَأْتِي، خَبَرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ فِي حَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ مَعَ مَنْ عَانَدَهُمْ مِنْ الْكَافِرِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَكَيْفَ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ وَالْإِكْرَامُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَتْبَاعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَها هُنَا كَذَلِكَ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ، قِصَّةُ قُدُومِ الْمَلَائِكَةِ ضُيُوفًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾، قَالَ وَهُمْ مَلَائِكَةٌ، إِذًا عَشَرَةٌ أَوْ عَشَرَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ يُبَيِّنُ عَدَدَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ، اللَّهُمَّ مَا أَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَتْ وَفِيهَا ذِكْرُ الْجَمَاعَةِ وَكَمْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ، لَيْسَ هُنَاكَ عَلَى الصَّحِيحِ شَيْءٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ يُبَيِّنُ عَدَدَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَكِنْ كَانَ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ النُّصُوصُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ﴾، ظَرْفٌ لِحَدِيثِ ضَيْفٍ، أَيْ ظَرْفٌ لِذَاكَ الزَّمَانِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ هَذَا الْحَدَثُ وَكَانَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾، أَيْ تَلَفَّظُوا بِهَذَا اللَّفْظِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَةِ، فَسَلَامًا مَنْصُوبٌ لِمَحْذُوفٍ وَهُوَ فِعْلٌ تَقْدِيرُهُ سَلَّمُوا سَلَامًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ فِعْلِيَةٌ، وَكَانَ جَوَابُهَا جُمْلَةً اسْمِيَّةً مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَاسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا عَلَى أَفْضَلِيَةِ وَاسْتِحْبَابِ وَأَدَبِ التَّسْلِيمِ بِأَفْضَلِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمُسْلِمِ، وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فَالْعَدْلُ وَالْأَقَلُّ أَنْ تُرَدَّ بِمِثْلِهَا، وَالْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ أَنْ تَأْتِيَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وَالْأَحْسَنُ هُنَا كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: «أَنْ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَةُ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالِاسْتِمْرَارِ بِخِلَافِ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَةِ تَدُلُّ عَلَى التَجَدُّدِ»، فَكَانَ الْجَوَابُ بِالْجُمْلَةِ الْإِسْمِيَةِ أَبْلَغُ وَأَكْمَلُ مِنْ الْجَوَابِ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَةِ، فَتَقْدِيرُ: «سَلَامٌ»، أَيْ هَذَا مُبْتَدَأٌ لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: «عَلَيْكُمْ سَلَامٌ» أَوْ «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ». وَقَالَ: «قَوْمٌ مُنْكَرُونَ»، أَيْ لَا نَعْرِفُهُمْ، وَلَمْ يَعْرِفْهُمْ كَمَا قَالَ: «لَا نَعْرِفُهُمْ»، وَقَالَهَا هُنَا: «ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ»، وَبَعْضُهَا لِلْعِلْمِ، قَالَوا: «لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَذَا اللَّفْظِ»، وَلَكِنْ كَانَ سُؤَالُهُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، أَيْ اسْتَنْكَرَ أُنَاسًا لَا يَعْرِفُهُمْ وَبِهَذِهِ الْهَيْئَةِ وَأَضْيَافٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَثَرُ السَّفَرِ، وَيَأْتُونَهُ ثُمَّ لَا يَأْكُلُونَ، ثُمَّ لَا يَأْكُلُونَ، وَلِهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى أَنَّهُ سَأَلَهُمْ سُؤَالًا مَُرْجَبًا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَاغًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَاغًا﴾، أَيْ مَالَ، وَلَا شَكَّ مَا تَقَدَّمَ مَعَنَا اخْتِلَافُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى، فَرَاغَ مَالَ، وَزِيَادَةُ أَيْ مَالَ بِخُلْصَةٍ وَخَفِيَةٍ حَتَّى لَا يُحْرِجَ الْأَضْيَافَ، فَلَمْ يَشْعُرُوا أَنَّهُ خَرَجَ لِيُكْرِمَ ضُيُوفَهُ، وَفِي هَذَا أَدَبٌ آخَرُ: «أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُكْرِمَ فَلَا تُشْعِرِ الضَّيْفَ بِأَنَّكَ سَتُكْرِمُهُ حَتَّى لَا يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذَا الْإِكْرَامِ»، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يُحَسِّسَ الْإِنْسَانُ بِأُسْلُوبٍ لَا يُحْرِجُ، إِذَا كَانَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَضْيَافَ لَمْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مَرُّوا مُرُورًا، وَهَذَا مَعْرُوفٌ بِالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَاءَ بِعَجْلٍ سَمِينٍ﴾، قَالَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، أَيْ مَشْوِيٍّ، وَهَكَذَا الْقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَقَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَتَكَرَّرُ، وَمِنْ فَوَائِدِ تَكْرِيرِهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْعِظَاتِ وَالْعِبَرِ وَتَكْرَارِ التَذْكِيرِ وَالتَخْوِيفِ وَالتَرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ، كَذَلِكَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ التَّفْسِيرِ لِبَعْضِهَا الْبَعْضِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْعَجْلَ كَانَ سَمِينًا فِي وَصْفِهِ، وَكَذَلِكَ حَنِيذًا فِي صِفَةِ طَبْخِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْإِكْرَامِ الَّذِي أَكْرَمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضُيُوفَهُ، فَأَكْمَلَ الْعَجْلَ، وَكَوْنُهُ عَجْلًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَغِيرٌ مِنَ الْبَقَرِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يُكْرَمُ بِهِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَسَمِينٌ كَذَلِكَ، وَحَنِيذٌ زِيَادَةٌ فِي كَيْفِيَةِ طَبْخِهِ. وَاسْتَدَلَّ كَذَلِكَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَصْفُ الْأَكْمَلُ فِي اللَّحْمِ الَّذِي يُضَافُ بِهِ الْأَضْيَافُ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ، فَلَعَلَّهُ كَانَ عُرْفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتِلْكَ الْجِهَاتِ يَكُونُ الْإِكْرَامُ بِهَذَا، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي جِهَاتٍ أُخْرَى الْإِكْرَامُ بِغَيْرِ هَذَا، وَلِذَلِكَ الصَّحِيحُ: «أَنَّ الْإِكْرَامَ يَكُونُ بِمَا يَكُونُ بِهِ الْإِكْرَامُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ»، فَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَالْعُرْفُ يَقْتَضِي الْإِكْرَامَ بِمِثْلِ هَذَا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا بِغَيْرِهِ فَبِغَيْرِهِ الَّذِي هُوَ يُعْتَبَرُ الْأَفْضَلُ وَالْأَكْمَلُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ لَا تَأْكُلُونَ﴾، قَالَ: «عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَكْلَ فَلَمْ يُجِيبُوا»، وَفِي هَذَا كَذَلِكَ أَدَبٌ آخَرُ مِنْ إكْرَامِ الضُّيُوفِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤَمِّرُ أَمْرًا، وَلَكِنَّهُ يَعْرِضُ عَرْضًا، يَعْرِضُ عَرْضًا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى فِي الْمُلَاطَفَةِ وَالتَّذَلُّلِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ إكْرَامُ الضَّيْفِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَوْجَسَ﴾، قَالَ: «أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ»، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ وَجَدَ عَلَامَاتٍ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَضْيَافٍ عَادِيِّينَ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، يَعْنِي: «إِذَا لَمْ يَقْبَلُوا ضِيَافَتَهُ فَلِمَاذَا جَاءُوا عِنْدَهُ؟ وَمَنْ هُمْ؟»، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ اسْتِفْهَامَاتٌ وَاسْتِفْسَارَاتٌ، وَهَذَا مَعْنَى الْخِيفَةِ، فَهُنَا بَادَرَ الْأَضْيَافُ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَفِي هَذَا كَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ: «يُزِيحُ الْإِنْسَانُ الشُّبْهَةَ إِذَا وَقَعَتْ لِأَجْلِ أَلَّا تَأْتِيَ الظُّنُونُ السَّيِّئَةُ»، وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَجْزَرَتُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَرَآهُ رَجُلَانِ فَأَسْرَعَا فِي اللَّيْلِ، فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا، مَاذَا عَلَى رِسْلِكُمَا؟ إِنَّهَا صَفِيَّةُ»، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ أُذُنَا الرَّجُلَيْنِ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُغْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا أَوْ شَيْئًا»، وَمَعْنَاهُ: «أَنَّ بَعْضَ الْمَوَاقِفِ تَحْتَاجُ أَنْ يُزِيحَ صَاحِبُهَا الشُّبْهَةَ حَتَّى لَا يُعِينَ الشَّيْطَانُ عَلَى إِخْوَانِهِ فَيَقْطَعَ بَابَ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ». فَهَذَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَذَاكَ مِنْ السُّنَّةِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِمَّا قَدْ يَسْتَغِلُّهُ الشَّيْطَانُ فِي إِيجَادِ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُغْلِقَ هَذَا الْبَابَ، فَيُبَيِّنَ حَتَّى يُزِيحَ الظُّنُونَ السَّيِّئَةَ، فَهُنَا أَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُ لَا مَجَالَ وَلَا كَذَلِكَ مَكَانَ لِلْخَوْفِ، فَنَحْنُ رُسُلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ، قَالَ: «ذِي عِلْمٍ كَثِيرٍ»، وَهُوَ إِسْحَاقُ كَمَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ هُودٍ، بَشَّرَ نَبِيَّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِبِشَارَتَيْنِ، الْبِشَارَةُ الْأُولَى بِغُلَامٍ عَلِيمٍ وَهُوَ إِسْحَاقُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأُمُّهُ سَارَةُ، وَبُشِّرَ بِبِشَارَةٍ أُخْرَى بِغُلَامٍ حَلِيمٍ وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأُمُّهُ هَاجَرُ، وَهَاتَانِ الْبِشَارَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَالُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَفِي سُورَةِ هُودٍ فُسِّرَ وَبُيِّنَ أَنَّ الْغُلَامَ الْعَلِيمَ هُوَ إِسْحَاقُ، وَفِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ ذُكِرَ أَمْرُ الْغُلَامَيْنِ، فَذُكِرَ الْغُلَامُ الْحَلِيمُ وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ الذَّبِيحُ، وَذُكِرَ بَعْدَهُ الْغُلَامُ الْعَلِيمُ وَهُوَ إِسْحَاقُ، فَفَرَّقَ اللَّهُ عز وجل بَيْنَ الْعَلِيمِ وَالْحَلِيمِ، فَالْعَلِيمُ هُوَ إِسْحَاقُ، وَالْحَلِيمُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَكِلَاهُمَا أَبْنَاءٌ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالْيَهُودُ يُصِرُّونَ عَلَى أَنَّ الْعَلِيمَ وَالْحَلِيمَ وَاحِدٌ وَهُوَ إِسْحَاقُ، وَهَذَا مِنْ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رُسُلِ اللَّهِ، وَهَكَذَا الْيَهُودُ عِنْدَهُمْ مِنْ التَّعَصُّبِ وَالْغُلُوِّ وَجُحُودِ الْحَقِّ مَا يَجْعَلُهُمْ يُعَارِضُونَ النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ وَالْأُمُورَ الْوَاضِحَةَ الْبَيِّنَةَ. فَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى النَّصَارَى يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَلِيمِ وَالْحَلِيمِ، وَيَقِرُّونَ بِأَنَّ الْعَلِيمَ هُوَ إِسْحَاقُ، وَالْحَلِيمِ وَهُوَ الذَّبِيحُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، فَأُمُّ إِسْحَاقَ سَارَةُ، وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ هَاجَرُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْوَاضِحُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. فَأَقْبَلَتْ زَوْجَتُهُ، قَالَ: «سَارَةُ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ الْأُخْرَى، وَهَكَذَا صَحَّتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم»، فِي صَرَّةٍ، قَالَ: «صَائِحَةٍ»، يَعْنِي: «اسْتَغْرَبَتْ هَذَا الْخَبَرَ صَائِحَةً»، صَائِحَةً طَيِّبٌ، نَقِفُ إِلَى هُنَا لِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ، وَنَقْبَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْبَاقِي فِي دَرَسٍ لَاحِقٍ. إِلَى هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.