الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تفسير الآيات الكونية في سورة معينة، حيث يشير إلى خلق السماء والأرض وتفاصيل ذلك، ويبرز دلالة هذه الآيات على وحدانية الله وقدرته العظيمة. يُفسر معنى خلق السماء بقوة الله.
يفسر قوله تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وأغطيناها} ويبين دلالة اتساع السماء على قدرة الله عز وجل وصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. كما يتطرق إلى تفسير قوله تعالى: {والأرض فرشناها}.
يشرح معنى خلق الله للأزواج من كل شيء، ويبين دلالة هذا الخلق على عظمة الله وقدرته. يوضح أن هذا التزاوج يشمل الجوانب الحسية والمعنوية ويحذر من إهمال الجوانب المعنوية.
يشير إلى انتهاء الدرس أو الموضوع المطروح، مع الدعاء لله تعالى بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر المقطع الختامي احترام وتقدير للشخصيات الدينية الهامة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشنا، فَنِعْمَ الماهدون. ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين. ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر إني لكم منه نذير مبين. قال: نفسر وحده الله، والسماء بنيناها بأيد بقوة وإنا لموسعون قادرون. يقال: آدى الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل صار ذا سعة. والأرض فرشناها مهدناها، فنعم الماهدون له. ومن كل شيء متعلق بقوله: خلقنا زوجين كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والهواء والحامض، والنور والظلمة. لعلكم تتعظون. بحث إحدى التائين في الأصل فتعلموا أن خالق الأزواج فرد فتعبدوه، فاستمروا إلى الله أولى ثوابه بعقابه، لأن تطيعوه ولا تعصوه، إذن لكم منه نذير مبين بيّن. ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر، إذن لكم منه نذير مبين. وقدر قبل فسره قل له: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه الآيات العظيمات تتمم وتتابع لما سبقها من آيات في هذه السورة العظيمة التي فيها خطاب المشركين ووعظهم، وكذلك تخويفهم وزجرهم. وبعد أن ذكر أخبار الأنبياء والمرسلين وما وقع من آيات في عقوبة من خالف الأنبياء والمرسلين وحاربهم وعاندهم من المشركين والكافرين، ذكر بعدها هذه الآيات الكونية الدالة على عظيم وحدانية الله عز وجل في ربوبيته، مما يقتضي ويستلزم إفراده سبحانه وتعالى في ألوهيته. كما أنه الواحد لا شريك له في ربوبيته، المتفرد في خلق هذه المخلوقات العظيمة في هذا الكون على هذا النسق، وهذا الإعجاز والإعجاب، فكذلك يستلزم ويوجب أن يعبد وحده لا شريك له، لا شريك له في خلقه وفي تدبير كونه، وفي القيام بشؤون عظيم مخلوقاته. فكذلك يجب أن لا يكون شريك له في ألوهيته وعبوديته سبحانه وتعالى. وبدأ بذكر السماء ذكرًا من الأعلى العظيم إلى ما دونه، فذكر السماء سبحانه وتعالى على ما فيها من آيات عظيمة سعتها وعظمها وبقائها في هذا الأفق الواسع العظيم دون أعمدة، فهي سقف محفوظ دون أعمدة. وهذا لا يخطر في قلب البشر أنه يمكن ذلك لأحد إلا الله العظيم المتفرد بهذا المخلوق العظيم. وقوله: والسماء بنيناها بأيد بقوة، ليس هذا من التأويل والتحريف الذي ظنه بعض الناس، بل الصحيح أن أيد ليس جمع يد، وإنما هو من القوة، فأيد مصدر معناه القوة. فالمعنى: والسماء بنيناها بقوة عظيمة، فهي سماء عظيمة واسعة لا يمكنك أن تخلق إلا بقوة عظيمة. لو قيل: الإنسان اصنع سقفًا عظيمًا واسعًا ولو بأعمدة، فإنه لن يصنعها إلا بقوة عظيمة فيها تكلف كبير. وكم عسى أن يكون ما يمكن أن يصنعه الإنسان في أكبر سقف يمكن أن يكون في هذه الدنيا، لا يمكن أن يقارن البتة بهذه السماء العظيمة التي تملأ الأفق. وأعظم من هذا ما فيها من عجائب مخلوقات الله عز وجل الأفلاك تجري تحتها والكون بأسره هو محيط بها، ومع ذلك كله فهي دون أعمدة، فهي بحق خلقها الله عز وجل بقوة عظيمة. وإن لموسعون قال: قادرون، يعني على توسعتها. يقال: آدى الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل صار ذا سعة وقوة. ومعنى أن الله عز وجل خلقها في قوة وسعة عظيمة. بل لموسعون فيه إشارة إلى أن السماء تتسع، وأن الله لا يزال يوسعها. وهذا من الآيات والمعجزات فيما أنزل به على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن العلم الحديث اكتشف أن السماء تتسع، وما كان هذا يخطر في قلب من سبق قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام أن هذه السماء التي ترى بالأعين أن تتوسع، ما كان أحد يخطر بباله هذا. ولكن الله عز وجل أخبر بهذا، وما أخبر الله عز وجل به وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنزل عليه، دليل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فإن هذه المعلومة لم يثبتها العلم الحديث إلا في عصر قريب، وهذا دليل آخر من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وأن ما جاء به هو وحي من الله جل وعلا، وهو المتفرد بهذا، فإذن يجب أن يفرد سبحانه وتعالى بالألوهية والعبودية سبحانه. وهكذا الأرض، قال: والأرض فرشناها، أي مهدناها. والتمهيد معنى يقرب من معنى الفرش. فالفرش معنى زائد عن التمهيد، لأن التمهيد التسوية، وأما الفرش وهو التمهيد والتسوية، وزيادة على ذلك أن فيها معنى التجميل. أنت لما تقول: مهدت البيت، مهدت الشارع، لا يستلزم ذلك تجميله، لكن إذا قلت: فرشت البيت، يفهم منها أنك جملت البيت. فرشت البيت جملته، قد تكون فرشته بما يسمى مثلًا بالسجاد، أو تكون فرشته بأثاث البيت، أو فرشته بالزينة من الأشجار والصور وغيرها من معاني التجميل، هذا هو فرش البيت. فكيف بفرش هذه الأرض الواسعة؟ جملها الله عز وجل بما فيها من أشجار وأحجار وجبال وسهول وصحراء وماء وأنهار وجداول وأزهار وغير ذلك من أنواع ما فرش الله عز وجل بها هذه الأرض، مخلوقات متنوعة عجيبة بديعة، كلها تدل على جمال وجلال وعظيم وقوة خالقها سبحانه وتعالى. فالمتفرد بالجمال والجلال وبديع الخلق والكمال سبحانه وتعالى هو وحده الذي يجب أن يفرد بالألوهية والعبودية، كما أنه تفرد سبحانه وتعالى بالربوبية جل وعلا. فإذن هذا يدل على أن الفرش أعم من التمهيد. وقوله: فنعم الماهدون، ليدلك على أن الأرض مهدت بتجميل وهو الفرش الذي أخبر الله عز وجل به. فلا أحد يستطيع أن يمهد كتمهيد ما مهد الله عز وجل به الأرض. فالله مهد الأرض مع فرشها بهذا الجمال، وكذلك بديع ما خلق الله عز وجل مما يدل على جمال خالقها وجلاله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته. ثم قال: ومن كل شيء، متعلق بقوله: خلقنا، يعني خلقنا من كل شيء زوجين، والمعنى أن الله عز وجل أكمل جمال هذه الأرض بأن جعل فيها أزواجًا من أنواع المخلوقات، فجعل الشجر والحجر، والشجر وأنواعه، والماء وأنواعه، وغير ذلك، ثم كذلك الأجناس المتزاوجة كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، كما ذكر، والشمس والقمر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، إلى آخره. وكل هذا مع جمال، وكذلك يعني إبداع كل واحد بذاته، فيه من الجمال والإبداع ما يدل على عظيم خالقها سبحانه وتعالى. وكذلك شيء آخر، أن هذا التزاوج يدل على ما ينفرد به الآخر، فبالليل عرفنا ما يختص به النهار، وبالنهار عرفنا ما يختص به الليل، وبالذكر عرفنا ما يختص به الأنثى، وبالأنثى عرفنا ما يختص به الذكر. وهكذا لباقي الأزواج التي خلقها الله سبحانه وتعالى، هذا بالنسبة للحسية. وكذلك الأزواج المعنوية، خلق الله الخير والشر، والإيمان والكفر، وكذلك يعني كل ما في هذه الدنيا من مخلوقات الله الحسية والمعنوية، كله خلق لله جل وعلا. وهنا لفتة نبه عليها بعض أهل العلم، أن إهمال الجوانب المعنوية إن كان لعدم استيعاب واختصار فهذا لا شيء فيه، وأما إن كان لأجل تحاشي جعل الشر من مخلوقات الله، وهو لا شك أنه دليل على عقيدة خاطئة في هذا الباب. ثم قال: لعلكم تذكرون، بحذف إحدى التائين من الأصل، يعني هكذا جاء في هذه الآية وهذه القراءة، قال: فتعلمون أن خالق الأزواج فرد فتعبدوه، يعني كما أنه تفرد سبحانه بمعاني الربوبية في هذه المخلوقات، وكذلك أن يفرد سبحانه وتعالى بمعاني الألوهية والعبودية فيما سواه سبحانه وتعالى. ثم ختم هذا المقطع من هذه الآيات بقوله: ففروا إلى الله، أي لثوابه من عقابه، تطيعوا ولا تعصوه إلى آخره. والمعنى أن الله عز وجل يذكر بهذا بالرجوع إليه سبحانه وتعالى قبل أن يعاجل بالعقوبة. ولهذا ختم الآية بقوله: إني لكم منه نذير مبين، فالنذارة من عقوبة الله عز وجل وعقابه إذا لم يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال: ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر، وهذا عام في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، إني لكم منه نذير مبين. ومعنى التخويف والتحذير والزجر من أن يقع شيء من ينافي معاني وحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فإن ذلك منذر شر في معاجلة الله عز وجل بالعقوبة. وقوله: يقدر قبل ففروا، أي أن هذه الآية متعلقة بما قبلها وبما بعدها مما سيأتي ذكره إن شاء الله في الآيات اللاحقات. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.