تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف حال الكافرين يوم القيامة

يصف حال الكافرين يوم القيامة عندما يأخذون كتبهم بشمالهم ويتمنون لو لم يعطوا كتبهم، ويعذبون في النار. يُشرح معاني الآيات القرآنية ذات الصلة مثل 'يا ليتني' و'الغسلين'.

عذاب الكافرين في النار وندمهم

يشرح عذاب الكافرين في النار وندمهم على تفريطهم في الدنيا، وعدم نفعهم لأموالهم أو سلطانهم. يتطرق إلى تفسير بعض الآيات القرآنية المتعلقة بعذاب جهنم.

تفسير الآيات المتعلقة بعذاب جهنم

يفسر الآيات القرآنية التي تصف عذاب جهنم، موضحا معاني الكلمات مثل 'صلوه' و'غسلين' ومدى شدة العذاب. يبين أن حجم الأجسام والعذاب في الآخرة يختلف عن الدنيا.

تفسير آية لا يأكله إلا الخاطئون

فسر الآية بأن الخاطئون هم الكافرون والفجار، حيث أن النار يدخلها الكفار والفجار. وإن كان لفظ الخاطئون أكثر فصاحة وبيانا لتخويف الناس من الكفر والفجور.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون﴾. قال المفسر رحمه الله: في قوله تعالى: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه﴾، يا للتنبيه، يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها أي الموتة في الدنيا كانت القاضية القاطعة لحياتي لألا أبعث، ما أغنى عني مالية، هلك عني سلطانية، قوتي وحجتي، وهاء كتابيه وحسابيه وماليه وسلطانيه للسكت تثبت وقفا ووصلا اتباعا للنصحة في الإمام والنقل، ومنهم من حذفها وصلا. خذوه خطاب لخزنة جهنم، فغلوه اجمعوا يديه إلى عنقه في الغل، ثم الجحيم النار المخرقة صلوه أدخلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا بذراع الملك، فاسلكوه أدخلوه فيها بعد إدخاله النار، ولم تمنع الفاء من تعلق الفعل بالظرف المتقدم، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين، فليس له اليوم هاهنا حميم قريب ينتفع به، ولا طعام إلا من غسلين صديد أهل النار أو شجر فيها، لا يأكله إلا الخاطئون الكافرون. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة سورة الحاقة، وما فيها من آيات وعظات وعبر، ومر معنا ما أخبر الله عز وجل به من حال الناس يوم البعث والنشور، وما يكون من أمرهم حين قدومهم على ربهم وخالقهم، وأن منهم من يأخذ كتابه بيمينه، وها هنا ذكر حال من يأخذ كتابه بشماله، وهذا القرآن العظيم مثاني، إذا ذكر فيه أهل النار ذكر أهل الجنة، وإذا ذكر أهل النعيم ذكر أهل الجحيم، وفي هذه الآيات ذكر أهل النار، ومن أوصافهم التي يكونون بها أعاذنا الله وإياكم منها. يقول سبحانه وتعالى بذكر حال هؤلاء: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾، قد تقدم معنا أنها للتفصيل فيما ذكر بعده، قال: ﴿من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني﴾، قال المفسر رحمه الله: يا للتنبيه، أي ليست للنداء ها هنا، فيا تأتي ولها معاني كثيرة، ومن معانيها التنبيه مثل أن تدخل على الأفعال وأشباهها، وله معنى آخر ينضاف إليه وهو ما يكون متضمنا لذلك التنبيه من التألم أو التخوف أو غير ذلك من المعاني، وها هنا تضمن هذين المعنيين وزيادة، أي أنه ينادي متألما متخوفا مما يقدم عليه لشدة هول ذلك اليوم العظيم، عادنا الله وإياكم من مخاوفه وآلامه، اللهم أمين. قال: ﴿لم أوت كتابيه﴾ أي لعظم ما سيقدم عليه، ولسوء ما قد سطر في الكتاب مما سبق من سوء الأعمال، ولم أدر ما حسابيه، كذلك أنه كان في غفلة أن هذا المقام مقام الحساب الذي يكون في ذلك اليوم العظيم، ﴿يا ليتها﴾ قال: أي الموتة في الدنيا، أي الضمير يعود إلى ذلك الموت، ﴿كانت القاضية﴾ قال: القاطعة لحياتي بأن لا أبعث، وهذه كلها أماني لا تنفع صاحبها، فدار الدار الآخرة دار جزاء، وأما الدنيا فهي دار العمل، فمن فاته العمل في دار العمل فإنه سيكون حاله كحال من أخبر الله عز وجل بهم، عندهم من الحسرة والندامة والخوف والذعر ما قرأناه وسمعناه، وذكر الله عز وجل معناه في آيات وسور كثيرة. وقوله سبحانه عن أهل النار قولهم: ﴿ما أغنى عني مالية هلك عني سلطانية﴾، قال المفسر رحمه الله: قوتي وحجتي، والمعنى كما هو ظاهر من الآيات أنه لم يجد شيء ينفعه ويشفع له كما كان يصنع في الدنيا، فكان في الدنيا يستعين بالمال في الوصول إلى ما يريد، أو بالسلطان أو بالجاه أو بغير ذلك مما كان يستخدمه في الدنيا، ولكنه في ذلك اليوم العظيم لا ينفع شيء مما كان ينتفع به في الدنيا. وقوله رحمه الله تعالى: وهاء كتابيه وحسابيه وماليه وسلطانيه للسكت تثبت وقفا ووصلا اتباعا للمصحف الإمام والنقل، هذه ثلاثة أوجه، ومنهم من حذفها وصلا، إذن قراءة هذه الهاء هاء السكت بأربعة أوجه، أحد هذه الأوجه من يحذفها وصلا وهم القراء السبعة، ومنهم من يثبتها وقفا وهم كل القراء، ومنهم من كما ذكر يسكن الهاء عند الوقف، وهذا قرأ بها ورش، ومنهم من نقل كما قال، واتباعا للمصحف الإمام والنقل يعني أن منهم من قرأها بنقل الحركة، وهؤلاء بعض القراء، ومنهم من يحذف الهاء وهو يعقوب، ومنهم من يترك النقل، وهذا وجه خامس كباقي القراء دون يعقوب ودون ورش، فهذه خمسة أوجه قرأ بها القراء على التفصيل المذكور. قال: قوله ﴿خذوه﴾ خطاب لخزنة جهنم وهم غلاظ شداد كما أخبر الله عز وجل عنهم، ﴿فغلوه﴾ قال: اجمعوا يديه إلى عنقه في الغل، والمعنى في السلسلة فيغل أي يشد، وأصل الغل كل ما ضاق، ولذلك يذكر ما يوضع فيه المال مغل لأنه يوضع في مكان ضيق مخفي، وكذلك الأغلال فإنها تشد صاحبها لألا يفر ولا يهرب، وهكذا كذلك ها هنا، والمعنى أنه يدخل إلى جهنم عادنا الله وإياكم منها على هذا الوجه الذي يكون فيه الإغلال وكذلك الإذلال. وقوله سبحانه: ﴿ثم الجحيم صلوه﴾، قال: النار المحرقة، وهي صفة من صفات النار وأسمائها، والنار لها أسماء كثيرة بحسب أوصافها التي وصفت بها، وصيغة فعيل كما مر معنا تدل على ملازمة الصفة للموصوف، كما نقول قتيل وجميل وكريم ونحو ذلك مما يدل على ملازمة الصفة للموصوف، وهكذا كذلك الجحيم، فجحيم يتناول كل معنى فيه هذا الإحراق على وجه الشدة وغاية التعذيب، وأصله من الجحم وهو ما يكون من أشد الإحراق، فنار جهنم فيها هذا الوصف على أشده. وقد مرت معنا بعض الأدلة أن نار الآخرة فضلت على نار الدنيا بسبعين ضعف هذه النار التي نراها بالدنيا تذيب الحديد والأحجار، قد ضعفت نار الآخرة على هذه النار بهذه الأضعاف المضاعفة. وقوله: ﴿صلوه﴾ قال: أدخلوه، وهذا تقريب للمعنى، وإلا فالأصل اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فليس المقصود إدخال عادي، وإنما إدخال يكون فيه إحراق، فأصله معنى من معاني الشوي، وكذلك الإحراق مثل إذا معك شيء تريد أن يصل لهبه إلى ما تريد أن تشويه تقول صل، يعني أو أصله أي اجعل اللهب يصيب الأماكن التي يكون بها انضاج ذلك اللحم، وإدخال هؤلاء إلى النار يكون على هذا الوجه من جهة إدخالهم في أشد الأماكن حرا وإحراق، وهكذا كذلك في كيفية هذا الإدخال. ﴿ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا﴾ قال: بذراع الملك، يعني ليس بذراع الدنيا وأهلها، وقد جاءت آثار كثيرة أن حلقة السلسلة الواحدة إن كانت تبلغ كذا وكذا مما في الدنيا، وهذا من باب تقريب المعنى، وإلا فليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، فإذا كان أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح أن ضرس الكافر يومئذ مثل جبل أحد، تأمل عظم جبل أحد، وهذا ضرس الكافر، فكيف تكون السلسلة التي يغل فيها هذا الكافر أو الفاجر في نار جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها، فإنه أعظم من ذلك. أنت تتصور السلسلة التي تربط يربط بها المأسور في عنقه وفي يديه كيف تكون بالنسبة لحجم جسمه، فكيف إذا كان يوم القيامة والكافر سنه مثل جبل أحد، فماذا يكون حجم هذه السلسلة، فإنها تكون عظيمة عظيمة بما يناسب ذلك الجسد العظيم الذي يعذب في نار جهنم. وقول سبحانه: ﴿فاسلكوه﴾ قال: أدخلوه فيها بعد إدخاله النار، وهذا من تقريب المعنى، وإلا كما تقدم معنى اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فقوله ﴿فاسلكوه﴾ ليس إدخال عادي بل إدخال فيه جر وشد بهذه السلسلة على وجه اتصال، أي أن أهل جهنم يجرجرون كما جاء في بعض الآيات والأحاديث إلى نار جهنم متصل بعضهم ببعض بهذه السلاسل، عادنا الله عز وجل وإياكم من عذابها وجحيمها. وقوله: ﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم﴾ قال: قريب ينتفع به، وهذا تبع لما تقدم أنه لا يجد ما يشفع له من هذا العذاب لا مال ولا سلطان ولا جاه ولا قريب، بل أشد القريب وهو الحميم فلا أحد ينفعه. وقوله: ﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾ قال رحمه الله: صديد أهل النار أو شجر فيها، فسر بثلاثة تفاسير مشهورة، فأشهرها أنه صديد أهل النار، روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن الغسلين صديد أهل النار، وقيل أنه شيء زائد عن ذلك، لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالغسلين مأخوذ من لفظه وهو ما يغسل به أهل النار مما يخرج من صديدهم، وكذلك كل ما يعتصر من النار وما فيها، فلا ينحصر بصديد أهل النار، كما روي عن بعض الصحابة أنه ما يذوب من لحوم الكافرين والفاجرين وما يكون معه كذلك مما في أهل النار من أشجار وأحجار، فكل الذائب الذي يكون من الجحيم هو يكون غذاء هؤلاء وطعامهم، عادنا الله عز وجل وإياكم من ذلك. ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ قال رحمه الله: الكافرون، وهذا تفسير من بعض المعنى، فإن لفظة الخاطئ تشمل الكافر والفاجر، والنار لا يدخلها الكفار فقط بل يدخلها الكفار والفجار، عادنا الله عز وجل منها ومن عذابها، فيكون قوله الكافرون باعتبار الأغلب وسياق الآيات، وإلا فالخاطئون لفظ القرآن في غاية الفصاحة والبيان ليكون فيه التخويف من الكفر والفجور الذي يكون ثمرته العقوبة في نار جهنم إن لم يتغمد الله عز وجل الخاطئين برحمته وعفوه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.