الدرس في تفسير سورة الحاقة من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم القيامة يعرض الناس للحساب بأعمالهم، ويتم تصنيفهم إلى أهل يمين وأهل شمال. أهل اليمين يأخذون كتابهم بيمينهم ويدخلون الجنة.
يتناول تفسير الآيات المتعلقة بيوم القيامة والحساب، ويشرح معاني "هاؤم اقرءوا كتابيه" و"إني ظننت أني ملاق حسابيه". يبين دلالة الآيات على عظيم حال الناس يوم القيامة.
يصف نعيم الجنة ودرجاتها، ويبين أن أعلى درجاتها الفردوس الأعلى. أهل الجنة يتنعمون بالأكل والشرب بلا مشقة، والله يجعل لهم كل شيء يشتهونه ميسرًا.
يشير إلى أن الجزاء يكون من جنس العمل كما جاء في القرآن الكريم. يتمنى للمسلمين أن يكونوا من أهل الجنة ويتوب عليهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول: «هاؤم اقرءوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه»، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، «كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية». قال مفسر رحمه الله: في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ للحساب، ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ من السرائر. فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول، خطابًا لجماعته لما سر به: «هاؤم اقرءوا كتابيه»، تنازع فيه «هاؤم» و«اقرءوا»، «إني ظننت» تيقنت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية مرضية، في جنة عالية، قطوفها ثمارها دانية قريبة، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع، فيقال لهم: «كلوا واشربوا هنيئًا» حال، أي: متهنئين، بما أسلفتم في الأيام الخالية الماضية في الدنيا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة، سورة الحاقة، وما فيها من الآيات المليئة بالعضات والعبر. ومر معنا في الآيات السابقات ما ذكره الله عز وجل مما يكون في يوم القيامة، ذلكم اليوم العظيم الذي فيه من الأهوال العظيمة وأحوال الناس المختلفة ما هو محل عظة وعبرة. ومن ذلك: بعد أن ذكر بعض أوصافها -كما تقدم- قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾، أي: بذلكم اليوم المشار إليه سابقًا وقريبًا، ويوم القيامة يعرض الناس، أي: بأعمالهم. قال: للحساب، والعرض يكون يوم القيامة بأنواع، فيعرضون يوم الوقوف في أرض المحشر، فالناس يقفون على قدر أعمالهم، ويعرقون من شدة ما يصيبهم ذلكم اليوم. وفي ذلكم الموقف فالناس حينئذ على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى قدميه، ومنهم إلى كعبيه، ومنهم إلى رقبتيه، ومنهم إلى حقويه، إلى حقوه، ومنهم إلى ثدييه، ومنهم إلى أنفه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا. وهكذا كذلك يعرضون يوم يقفون بين يدي الله عز وجل، الناس جميعًا بين يديه، الرب سبحانه وتعالى. وكما تقدم معنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، ﴿وَ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾، ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، هذه كلها أحداث تقع بذلكم اليوم العظيم، ومنها عرض الناس للحساب. وقوله: ﴿لِلْحِسَابِ﴾، هذا تفسير في بعض المعنى؛ لأن ﴿تُعْرَضُونَ﴾ لم تقيد، فيشمل جميع أنواع العرض الذي يكون يوم القيامة، من حين البعث والنشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، أعاذنا الله وإياكم من النار، وجعلنا الله وإياكم من أهل الجنة. وقوله: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، قرأ: بالتاء والياء قراءتان سبعيتان مشهورتان، قرأ بالياء حمزة والكسائي وخلف، وقرأ البقية بالتاء. وكل القراءتين معناهما متقارب، فيكون بالياء على معنى السرائر وما يخفيه الناس، فإنه كله ظاهر، ولا يخفى على الله شيء. وبالتاء: أي الناس أنفسهم وأشخاصهم، فإنهم لا يستطيعون إخفاء شيء مما في بواطنهم وسرائرهم. وقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾، وهي تفصيلية، أي: الناس في ذلك اليوم على صنفين اثنين: أهل يمين، وأهل شمال. فأما أهل اليمين هم أهل الجنة، من يأخذ كتابه بيمينه، وهذا من العرض ومما يكون بين يدي الله عز وجل. وقوله: «هاؤم اقرءوا كتابيه»، «هاؤم» قال: «خذوا»، والهاء للتنبيه، والمعنى أنه ينبه من حوله، وكذلك من هو مقصود بهذا التنبيه، فمعناها الأخذ، ولفظها للتنبيه والإخبار بما يكون من حال الناس في ذلك اليوم العظيم. وقد قرئت «هاؤم» بقراءتين سبعيتين مشهورتين بالوقف مع التسهيل، قرأ بها حمزة مع المد والقصر، وقرأ البقية بالوسط، أي: بقية السبعة. وقوله: «اقرءوا كتابيه»، يعني: فرحًا بما كان من كونه من أهل اليمين. وكذلك قرئ: «اقرءوا» بقراءتين سبعيتين مشهورتين، قرأ ورش بالبدل، وحمزة بالوقف والتسهيل والحدث. وقوله -رحمه الله-: «تنازع فيه هاؤم واقرءوا» باب التنازع، كما أشار في التعليق، هو توجه أكثر من عامل إلى معمول واحد، والعامل هاهنا هو فعل «هاؤم» و«اقرءوا»، فإنه يجوز «هاؤم كتابيه»، أي: هذا كتابي المليء بما كان سببًا في نجاتي، وكذلك «اقرءوا كتابيه»، فيكون «كتابيه» معمولًا لهذين العاملين والفعلين «هاؤم» و«اقرءوا»، وهو باب مشهور من أبواب النحو، وهو إذا كان معمول واحد لعاملين أو أكثر. والمعنى: أن هذان العاملان يتوجهان لهذا المعمول، وهو الكتاب، وفيه التنبيه على عظيم ما يكون من حال الناس بحسب ما يكون في كتبهم، وهي أعمالهم التي تصطر وتجمع لهم، فأعمال الناس الحسية تكتب في هذه الكتب، ويكون لها وزن، فتوزن كما توزن المحسوسات، كما صحت بذلك السنة، بل والقرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: موزوناته من الأعمال والأقوال، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: موزوناته من الأقوال والأعمال. وكل ذلك يدون في صحف، فيؤتى بهذه الصحف، وتوضع في كفتي الميزان، الصالح منها والطالح، فعند ذلك يكون مصير هذا الإنسان بما يكون من وزن أعماله. وكما جاء أيضًا بحديث صاحب البطاقة الذي حوت ما عنده من إيمان وتوحيد وإخلاص لله عز وجل، تقيس تلك الصحف لثقل لما عنده من إيمان وتوحيد وإخلاص لله عز وجل. وقوله سبحانه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، أي: القائل صاحب الكتاب باليمين. قال المفسر -رحمه الله-: «تيقنت أني ملاق حسابيه»، والصحيح أن «ظن» هنا على بابها، وليست على وجه اليقين، فهو لما كان منه من تقصير خاف أن يكون مع الهالكين ومع غير الناجين، ولكن الله عز وجل ستر عليه ورحمه وتجاوز عنه سبحانه وتعالى وعفا عنه، فكان من أهل اليمين. وهذا هو قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، أي: أنه يحاسب على أعماله ولا يتجاوز عنه؛ وذلك لأن الإنسان مهما بلغ من الخير والإحسان فإنه لا يسلم من تقصير يخاف على نفسه منه، فلذلك أمر الإنسان بالحذر على الطاعات وحسن الظن بالله عز وجل. وقوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، قال: «مرضية»، وراضية صيغتها «فاعلة»، وفسرها بمرضية؛ لأنها النتيجة والثمرة، يعني: أنه في عيشة يرضى عنها بما يكون من إكرام الله عز وجل لأهلها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ومن رضا الرب سبحانه وتعالى أن يجعل لهم الإكرام الذي يرتضيه لهم، وهو ما يجعلهم في عيشة راضية. وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، وصف لهذه العيشة الراضية، فالجنة العالية من معاني الرضا، من معاني الرضا أن يوضع في الجنات العاليات، أي: في درجاتها. وأهل الجنة -جعلكم الله وإياكم منهم- في درجات يوم القيامة، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أن في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض»، أي: مفاوز عظيمة، يجعلها الله عز وجل لأهل تلك الجنان بحسب أعمالهم، وكل درجة منها هي عالية. وكونها عالية لا يعني أنه لا يوجد أعلى منها، فإنه قد يوجد أعلى منها بحسب أعمال العاملين. وأعلى درجات الجنة الفردوس الأعلى، أي: أعلى الجنات. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى؛ فإنه أعلى الجنة وأوسطها»، فعلم بهذا أن أعلى الجنة جنة الفردوس، وأنها ما علوها فهي وسط هذه الجنات. قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «ولا يكون الشيء أعلى وأوسط إلا أن يكون مكورًا»، ثم ذكر -رحمه الله- معنى تكوير درجات الجنة، وأن فوق هذه الدرجات عرش الرحمن سبحانه وتعالى، فالجنان درجات، وهي مئة درجة، وما بين كل درجة ودرجة قدر ما بين السماء والأرض، كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأعلى هذه الجنان هي جنة الفردوس، أعلى الجنة وأوسطها، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهلها. وقوله سبحانه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، أو قوله قبلها: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، قال: «ثمارها»، وهذا من التفسير ببعض المعنى، فالقطوف يشمل كل نعيم في الجنة. فإن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما أراد أهل الجنة شيئًا إلا وجدوه قريبًا منهم، يتناولونه ويقطفون من الثمار والأزهار وسائر أنواع النعيم والملذات والحوائج وكل ما يشتهونه، نسأل الله سبحانه وتعالى من واسع فضله. وقوله: ﴿دَانِيَةٌ﴾، قال: «قريبة»، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع، وذلك أن الله عز وجل يدني لهم كل ما يشتهون، فإن كان قائمًا كان قريبًا، وإن كان قاعدًا كان كذلك قريبًا، وإن كان مضطجعًا كذلك كان ما يريد أن يقطفه قريبًا. وهذا ليس بمحال، فقد يوجد في الدنيا ما هو كذلك، فكذلك يوم القيامة، وفي حال أهل الجنة في الجنة يكون كذلك من نعيم الله عز وجل أن يدنو أو يدن الله عز وجل لهم كل شيء يشتهونه، ومن ذلك القطوف، وهو ما يقطف. فيقال لهم: «كلوا واشربوا هنيئًا»، قال: «حال»، أي: هنيئًا حال أكلهم وشربهم، فهم يأكلون ويشربون وهم في غاية الهناء متهنئين بهذا الأكل والشرب، فليس فيه شيء من المشقة، ولا شيء من التعب، بخلاف أكل وشرب الدنيا، فإنه مهما لذ لابد أن يكون معه شيء من المشقة والتعب والمعاناة. أما أهل الجنة يجعل الله عز وجل لهم ذلك كله على أكمل وجوهه من النعيم المقيم، فيكون هنيئًا. قال: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، قال: «الماضية في الدنيا»، وعبر عن الماضية بالخالية، أي: الفائتة؛ لأجل أن يعلم سرعة زوالها، فيكون ذلك محل تعظُم واعتبار أن يكتنز الإنسان فيها ما يملأها بأنواع الخيرات وأنواع الطاعات والقربات ما ينتفع بها يوم القيامة. وفيه أيضًا أن الجزاء من جنس العمل، كما أخبرنا الله عز وجل في آيات كثيرة، كقول سبحانه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من خاصة أهلها، وأن يتجاوز عنا وعن سيئاتنا، وأن يجعلنا هداة مهديين. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.