الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  132

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 132

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 132، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الرد على التثليث

يناقش الشيخ ابن تيمية معتقد النصارى في التثليث ويرد على حججهم من خلال تفسير الآيات التوراتية، موضحا أن كتب الأنبياء تنفي التعدد وتؤكد وحدانية الله.

انتقاد مفاهيم التثليث الخاطئة

يبين أن النصارى ابتدعوا تسميات لم ترد في كلام الأنبياء، مثل تسمية كلام الله أو علمه بالابن، وأن هذه المفاهيم تتناقض مع ما جاء في كتبهم المقدسة.

تفكيك استدلالات التثليث

يرد الشيخ على استدلالات النصارى بوحدانية الإله مع تعدد الأقانيم، موضحا اضطرابهم في إثبات الآلهة الثلاث مع ادعائهم بوحدانية الإله.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: فصل. قالوا: فمن أجل هذا البيان الواضح الذي قاله الله في التوراة، وفي كتب الأنبياء، نجعل ثلاثة أقانيم جوهرا واحدا، إلها واحدا، خالقا واحدا، وهو الذي نقوله: أب وابن وروح قدس. والجواب من وجوه: أحدها أن في التوراة والكتب الإلهية من إثبات وحدانية الله، ونفي تعدد الآلهة، ونفي إلهية ما سواه، ما هو صريح في إبطال قول النصارى ونحوهم. وليس فيها ذكر الأقانيم، لا لفظا ولا معنى، حيث يجعلون الأقنوم ما اسما للذات مع الصفة، والذات واحدة، والتعدد في الصفات لا في الذات، ولا يمكن أن تتحد صفة دون الأخرى، ولا دون الذات، فيمتنع اتحاد أقنوم أو حلوله بشيء من المخلوقات دون الأقنوم الآخر. ولا إثبات ثلاثة أقانيم، ولا إثبات ثلاثة صفات دون ما سواها، في شيء من كتب الإلهية، ولا كلام الحواريين، ولا إثبات إله حق من إله حق، ولا تسمية صفات الله مثل كلامه وحياته لا إبنا ولا إلها ولا ربا، ولا إثبات اتحاد الرب خالق السماوات والأرض بشيء من الآدميين، ولا حلول ذات وصفة دون ذات مع صفات الأخرى، بل ولا حلول نفس الصفة القائمة به في غيره، لا علمه ولا كلامه ولا حياته ولا غير ذلك. بل جميع ما أثبتوه من التثليث والحلول والاتحاد، ليس في كتب الأنبياء التي بأيديهم ما يدل عليه، بل فيها أقوال كثيرة صريحة بنقيض ذلك، مع القرآن والعقل. فهم مخالفون للمعقول وكتب الله المنزلة. الثاني: أنهم يقولون: إنما نثبت إلها واحدا، ثم يقولون في أمانتهم وأدلتهم وغير ذلك من كلامهم، ما هو صريح بإثبات ثلاثة آلهة، فينقضون كلامهم بعضهم ببعض، ويقولون من الأقوال المتناقضة ما يعلم بطلانه كل عاقل تصوره. وهذا لا ينضبط لهم قول مضطرد، كما يقول من يقول من عقلاء الناس: إن النصارى ليس لهم قول يعقله عاقل. وليس أقوالهم منصوصة عن الأنبياء، فليس معهم لا سمع ولا عقل، كما قال الله تعالى عن أصحاب النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وهم أيضا يبطنون خلاف ما يظهرون، ويفهم جمهور الناس من مقالاتهم خلاف ما يزعم بعضهم أنه مرادهم. فإنه قد تقدم آنفا من استدلالهم بالتوراة، وقولي: «وكلم الله موسى من العليقة، قائلا: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب». قالوا: ولم يقول: «أنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب»، بل كرر اسم إله ثلاث دفعات، قائلا: «أنا إله وإله وإله»، لتحقق مسألة الثلاث أقانيم في لاهوته. فيقال لهم: وإن كان هذا التكرير لا يقتضي إلا إثبات إله واحد، فلا حجة لكم فيه، كما لو قال: «أنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب». وإن كان يقتضي إثبات ثلاث آلهة، فقد أثبتتم ثلاثة آلهة، وأنتم تقولون: لا نثبت إلا إلها واحدا. وإن كان المعنى: إنه إله واحد، موصوف بأنه معبود إبراهيم، ومعبود إسحاق، ومعبود يعقوب، فلا حجة لكم فيه على التثليث، ولا قانيم بحيث تجعلون الأقنوم اسما للذات مع صفة، والذات واحدة، فالتعدد في الصفات لا في الذات، ولا يمكن أن تتحذ صفة دون أخرى، ولا دون الذات، فيمتنع اتحاد أقنوم وحلوله بشيء من المخلوقات دون الأقنوم الآخر. الوجوه الثالث: قولهم: وهو الذي نقوله: أب وابن وروح قدس. وروح القدس قد تقدم أن هذا القول هم معترفون بأنهم لم يقولوه ابتداء، ولا علموا بالعقل التثليث الذي قالوه في أمانتهم، ثم عبروا عنه بهذه العبارة. بل هذه العبارة منقول عنهم عندهم في بعض الأناجيل: أن المسيح عليه الصلاة والسلام أمر أن يعمد الناس بها. وحينئذ، فالواجب إذا كان المسيح قالها، أن ينظر ما أراد بها، وينظر سائر ألفاظه ومعانيها، فيفسر كلامه بلغته التي تكلم بها، تفسيرا يناسب سائر كلامه. وهؤلاء حملوا كلام المسيح والأنبياء عليهم السلام على شيء لا يدل عليه كلامهم، بل يدل على نقيضه. فسموا كلام الله، أو علمه، أو حكمته، أو نطقه: ابنا. وهذه تسمية ابتدعوها، لم يسم أحد من الأنبياء شيئا من صفات الله باسم الإبن، ولا باسم الرب، ولا باسم الإله. ثم لما أحدثوا هذه التسمية، قالوا: مراد المسيح بالإبن هو الكلمة. وهذا افتراء على المسيح عليه السلام، وحمل لكلامه على معنى لا يدل عليه لفظه. ولفظ الإبن عندهم في كتبهم يراد به من رباه الله تبارك وتعالى، فليطلقوا عندهم في كلام الأنبياء لفظ الإبن فقط إلا على مخلوق محدث، ولا يطلقوا إلا على الناسوت دون اللاهوت. فيسمى عندهم إسرائيل ابنا، وداود ابنا لله، وحواريون كذلك. بل عندهم في إنجيل يحنى في ذكر المسيح إلى خاصته: «أي وخاصته لم يقبلوه، والذين قبلوه أعطاهم ليكونوا أبناء الله، الذي ليس من دم، ولا من مشبه لحم، ولا من مشبه رجل، بل من الله ولد». فهذا إخبار بأنهم يكونون جميعا أبناء الله، وهم معترفون بأنه ليس فيهم ناهوت يتحد بناسوت، بل كل منهم ناسوت محض. فعلم أن الكتب ناطقة بأن لفظ ابن الله يتناول الناسوت فقط، وليس معهم لفظ ابن الله والمراد به صفة من صفات الله. فقولهم: إن المسيح أراد بلفظ الابن اللهوت، كذب بين عليه، والمسيح لا يسمى ابنا بهذا الاعتبار. وروح القدس لم يعبر بها أحد من الأنبياء عن حياة الله التي هي صفته، بل روح القدس في كتب الله يراد بها الملك، ويراد بها الهدى والوحي والتأييد، فيقال: روح الله، كما يقال: نور الله، وهدى الله، ووحي الله، وملك الله. ورسول الله لم يرد به أحد من الأنبياء بقوله: «روح الله» و«روح القدس» ما يريده الإنسان بقوله: «روحي». فالإنسان مركب من روح وبدن، وفي بدنه بخار يخرج من القلب ويسري في بدنه، وله جوف يخرج منه هواء ويدخل فيه. فإذا قيل: «روح الإنسان»، قد يراد بها الروح التي بها البخار اللطيف الذي في البدن، وقد يراد بها الريح الذي يخرج من جوف البدن ويدخل فيه. والله تبارك وتعالى، بإجماع المسلمين واليهود والنصارى، ليس هو روحا وبدنا كالإنسان، وسبحانه أحد صمد، لا جوف له، ولا يدخل فيه شيء، ولا يخرج منه شيء، لا بخار ولا هواء متردد. وقد يعبر بعض الناس بنفذ الروح عن الحياة، والله تعالى حي له حياة، لكن لم ترد الأنبياء عليهم السلام بقولهم: «روح القدس» حياة الله، بل أرادوا به ما يجعله الله في قلوب الأنبياء ويؤيدهم به، كما يراد بنور الله ذلك. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فضرب الله مثلا للمؤمن الذي جعل صدره كالمشكاة، وقلبه كالزجاجة في المشكاة، ونور الإيمان الذي في قلبه، وهو نور الله، كالمصباح الذي في الزجاجة. وذلك النور الذي في قلبه ليس هو نفس صفة الله القائمة به. فتبين أن العارف كلما تدبر ما قالته الأنبياء، وما قاله أهل البدع من النصارى وغيرهم، لم يرد لهم في كلام الأنبياء إلا ما يدل على نقيض ضلالهم، لا ما يدل على ضلالهم. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الفصل سبق معناه في فصول متقدمة، وهو جواب الشيخ رحمه الله على تعلقهم بشبه الأقانيم، ولكن جعل هذا الفصل خاصة فيما يتعلق بقولهم: أن كتب الأنبياء أثبتت أقانيم جوهرا واحدا، إلها واحدا، خالقا واحدا، وهو ما زعموا: أب وابن وروح قدس. وسبق الكلام على معنى ذلك، لكن هنا خص الجواب على هذه المسألة بعينها، وأجاب من هذه الأوجه، وهي كما ترون ظاهرة في أنها القوم تكلفوا اللفظ والمعنى، فلا اللفظ يساعد على قضية التثليث، ولا المعنى يستقيم بالتثليث، لا من جهة الشرع، ولا من جهة العرف، ولا من جهة اللغة، ولا من جهة الطبع، ولا من جهة العقل. وقد سبق معنى ذلك، ثم هو فيه تناقض، كما ذكر رحمه الله تعالى، وهو شيء يبطله العقل، فضلا عن الدلائل الأخرى. فإن الصفة، كما مر معنا وتكرر، لا يعلم لا بشرع ولا بفطرة ولا بطبع ولا بعقل ولا بلغة ولا بغير ذلك، أنها تقوم في غير ذاتها، إذا لا تقوم إلا بذاتها. فكيف يزعم أنها تنفصل من ذاتها وتنتقل إلى ذات غيرها؟ ولو قدر أنها انتقلت، ما صح أن يكون انتقالها. وهذا التقدير ليس له وجود في الواقع، لكن عند التنزل، لو قدر ذلك، لما صح أن يثبت به ألوهية. وهو مع ذلك ينافي قول النصارى المضطرب في قضية التثليث. وهذا هو قوله رحمه الله حين قال: «لو قدر أنه أثبت به ألوهية، فإنه يناقض قولهم: أنهم لا يثبتون إلا إلها واحدا». لأنهم هم مضطربون في قضية التثليث اضطرابا عظيما، فيزعمون أن الإله واحد، ولكن الأقانيم ثلاثة، ويريدون الأقانيم: أي الذوات ثلاثة، فكأن صفة الإله حلت بهذه الذوات الأخرى، ويريدون به الإبن: أي عيسى عليه الصلاة والسلام، وروح القدس، ففيه معنى الألوهية بهذا الاعتبار. وفي نفس الوقت يقولون: الإله واحد. وهذا هو قوله رحمه الله تعالى: «فيقال لهم: وإن كان هذا التكرير لا يقتضي إلا إثبات إله واحد، فلا حجة لكم فيه». يعني: خلاص انتهت قضية الأقانيم الثلاثة. قال: «كما لو قال: أنا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب». وهذا هو المعنى الصحيح، لو قدر أن هذا صح في كتب الأنبياء. ثم قال: «وإن كان يقتضي إثبات ثلاثة آلهة، فقد أثبتتم ثلاثة آلهة». يعني: إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب. إذن أنتم تريدون أن تثبتوا ثلاث آلهات. قال: «وأنتم تقولون: لا نثبت إلا إلها واحدا». هم يزعمون أن الإله واحد، وهو الله، ولكن يزعمون أن صفة الله حلت في المسيح، فكان ابنا لله. فإذن لا حجة لهم على إثبات الآلهات الثلاث: إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب، على قضية الأقنوم والتثليث فيها. وهذا من اضطرابهم في هذه القضية والمسألة. وباقي ما ذكره رحمه الله واضح وظاهر. والله تعالى أعلم.