الدرة البهية شرح القصيدة التائية 13

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 13

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 13، الدرس الثالث عشر:من( وقولك:لم شاء الإله؟ هو الذي*أضل عقول الخلق في قعر حفرة ... وكذلك من هم أعظم منهم شراً وجرماً ملاحدة الفلاسفة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الثنوية واعتقادهم

يتناول المقطع الأول شرح أبيات الناظم حول الثنوية واعتقادهم بوجود إلهين للخير والشر، ويبين سبب نشوء هذا الاعتقاد لديهم. يوضح أن هذا الاعتقاد ناتج عن سؤالهم عن مصدر الشر في العالم.

صفات الله تعالى ودلالتها على العدل

يشرح المقطع الثاني صفات الله تعالى مثل المالك القدوس السلام العلي الحميد، ويبين دلالتها على عدل الله وعدم رضاه بالشر. يفرق بين الإرادة الكونية لله وشرعه، ويوضح أقسام الشر.

وضع الأشياء في مواضعها وعلاقته بالعدل

يتناول المقطع الثالث مفهوم وضع الأشياء في مواضعها وعلاقته بالعدل والظلم، ويشرح أن الله خلق الأعيان والأفعال وجعل لها مواضع عادلة. يبين أن الظلم يحدث عند تغيير المخلوق لهذه المواضع.

خلق الشر و نسبيته

المقطع الرابع يبين أن الله لم يخلق شرا محضا، وإنما ما يعتبر شرا هو بالنسبة للإنسان وينسب إلى فاعله وهو الإنسان. يستدل على ذلك من الآيات القرآنية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الناظم: «وقولك لما شاء الإله هو الذي أضل عقول الخلق في قعر حفرة، فإن المجوس القائلين بخالق لنفع ورب مبدع للمضرة، سؤالهم عن علة السر أوقعت أوائلهم في شبهة الثنوية». قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله: يعني أن هذا السؤال الذي مضمونه الاعتراض على الله، ومضمونه أيضا الدخول فيما ليس للعقل سبيل إليه، لم يزل يضل عقول الخلق ويلقيهم في الهلاك، وهو الذي أوقع المجوس القائلين إن الخالق أثنان: خالق الخير هو الله، وخالق الشرور هو الشيطان، فأشركوا بالربوبية بعد شركهم في الإلهية. والمراد بشركهم في الإلهية عبادة النار، وصرفهم ما هو لله لغير الله، ومراده بشركهم بالربوبية هو شركهم فيما هو من خصائص الرب جل وعلا، وهو فعل الخير والشر، فالله عز وجل وحده الذي يفعل الخير ويخلق الشر، وهو سبحانه وتعالى وحده الذي ينفع ويضر. فكونهم جعلوا خالقا للخير وخالقا للشر، فهذا من الشرك في الربوبية. قال رحمه الله: «فأشركوا بالربوبية بعد شركهم في الإلهية»، فكانوا يعبدون النار ويستحلون المحارم، فزاد شرهم على المشركين من جهة استحلال المحارم، ومن جهة اعتقادهم أن إبليس خالق الشر، فجعلوا رب العالمين اثنين، ولهذا يقال لهم الثنوية؛ لأنهم ثنوا في الربوبية والألوهية. قال: والذي أوقعهم في هذا الشر العظيم الذي لم يصل إليه المشركون هذا السؤال، فقالوا: كيف يخلق الله الشر؟ فعلينا أن ننزه الله عن خلق الشر، فأتوا بهذه الطامة الكبرى والمقالة الشنعاء، يعني أن جعلوا للكون خالقين: خالقا للشر وخالقا للخير. وكما أن الثنوية من المجوس جعلوا خالقا للخير وخالقا للشر، فكذلك القدرية الذين نفوا الشر وزعموا أن الشر لا يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق وإرادة -أي إرادة كونية- فكانوا بهذا موافقين لهؤلاء الثنوية، وهكذا من سلك مسلكهم من الفلاسفة. قال: يقول الشيخ رحمه الله: «فهؤلاء المشككون الذين يقولون كيف يقدر الله علينا الكفر والمعاصي ويعذبنا على ذلك، قد تابعوا في اعتراضهم كل كفار عنيد من المجوس الثنوية، وكذلك من هم أعظم منهم شرا وجرما ملاحدة الفلاسفة». وقولهم هذا مركب من جملتين فيها الخطأ والكذب، فالله عز وجل خلق الشر ولم يحبه، سبحانه وتعالى خلق الخير والشر، وأحب الخير للخلق وكره لهم الشر، فهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، وهكذا كذلك وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. وهو كذلك القائل سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهو الذي سمى نفسه سبحانه وتعالى بالقدوس، المنزّه عن كل شر ونقص وعيب، ومن ذلك أنه لا يرضى بالشر لخلقه ولا بالظلم لهم. وهو الذي سمى نفسه سبحانه السلام، وهو السالم من العيوب والنقائص، المسلم نفسه من كل نقص وعيب، ومن ذلك أنه لا يريد الظلم ولا الشر، وهو سبحانه وتعالى لا يتسمى به ولا يفعله ولا ينسبه إلى نفسه، بل هو سبحانه وتعالى يسلم خلقه من فعله، لهذا أمر في شرعه ودينه بالنهي عن الظلم والنهي عن الشر والنهي عن الفساد بكل معنى من معانيه. وهو الذي سمى نفسه سبحانه العلي، الذي له العلو المطلق: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، ومن علوه سبحانه وتعالى أنه أحب لعباده كل خير، وحذرهم ونزههم عن كل سوء وشر. وهو الذي سمى نفسه سبحانه وتعالى الحميد، فله المحامد في نفسه، وأمر عباده بالمحامد ونهاهم عن كل معنى من معاني الذم، فكيف يقال بعد هذا أن الله عز وجل يرضى لعباده بالشر ثم يعذبهم عليه؟ فهذا من الظلم. بل الشر لا يضاف إلى الله عز وجل إلا إضافة خلق، فلا يضاف إليه إضافة صفة ولا إضافة فعل، فهو أضافه إلى نفسه إضافة خلق، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فأضاف الشر إليه إضافة خلق، ولم يضفه إلى نفسه سبحانه إضافة صفة ولا إضافة فعل. وهو كذلك يريده في كونه، ولم يرض به في شرعه، فهو أراده إرادة كونية بمعنى أنه أذن أن يكون في كونه، ولم يرض به. فإن قال قائل: كيف أذن به ولم يرض؟ فالجواب: لم يرض به في شرعه؛ لأنه نهى عنه وحذر عباده منه، وأذن به بكونه؛ لأنه الخالق سبحانه، ولا يكون في ملكه وكونه سبحانه إلا ما يريد. وكونه كان بمقتضى حكمته سبحانه وتعالى وعدله، وهذا كما دل عليه دليل الشرع، فكذلك يدل عليه دليل العقل، فوضع الشيء في موضعه عدل وليس بظلم، وإزالة الشيء عن موضعه هو الظلم وهو السوء والشر. ولهذا قال العلماء: إن الشر ينقسم إلى قسمين: شر حقيقي محض، وهذا لا وجود له، وشر إضافي نسبي، وهذا هو الذي له أوجه وصور وأحوال، وهو إذا تأملته بالنسبة لما خلقه الله عز وجل وأراده كونا، فهو كان لحكمة وبمقتضى عدل منه سبحانه وتعالى. فوضع الخبيث مع الخبائث ليس من الظلم بل من العدل، العدل حسا وعرفا وعقلا فضلا عن الشرع، ووضع الطيب مع الطيبات كذلك هو من العدل حسا وعرفا وعقلا فضلا عن الشرع. فأنت تضع الكناسة مع الكناسة، تضع الكناسة في الزبالة وتضع النجاسة مع النجاسة، وتضع الطيب مع الطيب، وتضع الخبيث مع الخبيث. وهكذا كذلك البناء يبني، فيضع في موضع تحتاج إلى لبنة كاملة لبنة كاملة، ويضع في موضع لا تحتاج إلا إلى لبنة مكسورة أو مخرومة في موضعها لبنة مخرومة ومكسورة. فوضع اللبنة المخرومة في مكانها عدل وكمال، ووضع اللبنة الكاملة في موضعها عدل وكمال، وهكذا وضع الخشبة المعتدلة في المكان المعتدل عدل وكمال، ووضع الخشبة المعوجة في الموضع المعوج هو عدل وكمال. فكما لا يصح وضع الخشب المعوج في المكان المستوي، فكذلك في الأمور المعنوية، ولله سبحانه وتعالى حكمه في ذلك. فالله جل وعلا خلق الأعيان والأفعال، وجعل لهذه الأعيان والأفعال سبحانه وتعالى مكانا هي به عدل، ومكانا هي به ظلم. فإذا وضعت في موضعها كان هو العدل، وإذا وضع في غير موضعها كان هو الجور والظلم، وذاك بفعل المخلوق الذي يأخذ بفعله. فخلق الله عز وجل اللسان وحركته، فإذا تكلم به في الخير كان سببا لحصول العدل فيه، وإذا تكلم به بالسوء كان سببا في حصول الظلم والشر. فعقاب الرب سبحانه وتعالى للمسيء بلسانه لإساءته، لا لكون الرب جل وعلا أذن بوقوعه، فإذنه بوقوعه حكمة، وجور العبد بحرفه عن موضعه جور وظلم، فاستحق العبد على ذلك العقاب. ومثل له بمثال آخر: قيل لو أن ماء أجري فكان مجراه يسير إلى أن يسقي أرضا فتنتفع به، ويكون به ما يكون من حصول الزرع والنفع، فحرف هذا الماء إلى مكان آخر يهدم به بيوتا ويغرق به ناسا، حد من الظلم ومن الجور. فاللوم على من خلق الماء وأجراه وأراده أن يصل إلى ما يحصل به النفع، أم على من صرفه وحرفه إلى غير طريقه وحوله إلى ما يكون به الضر؟ الجواب: الثاني، أن الذي يستحق العقاب هو الذي غير الشيء عن فطرته ومجراه. ومثله قل في الأفعال والأوصاف والأعيان، خلق الله عز وجل الوطء وجعله إذا وضع في موضعه سببا لاستمرار الخلق وحصول الدرية وكل معنى من معاني الخير بين الزوجين، فإذا وضع في الحرام كان به الفساد في الأرض واستحق اللوم والعقاب في الدنيا والآخرة. وهكذا كذلك خلق الله عز وجل الغضب ليدفع هذا الإنسان عن نفسه فيحمي نفسه من كل شر، فإذا وجهه فيما به الضر فجعله محل الإذم فهو الذي يستحق العقاب. وهكذا خلق الله عز وجل آلات القتل لأجل أن ينتفع بها الإنسان فيكون بها نفع نفسه، ومنها ما قد يكون من دفع أهل السوء والشر. فإذا قتل فيها بغير حق فإنه كان سببا للوم. وهكذا قل وقس في أشياء كثيرة. فالشرع والعقل دل كل واحد منهما على أن خلق الشر ليس فيه أبدا أي ظلم ولا جور، بل هو بمقتضى عدل الرب سبحانه وتعالى وحكمته. ولم يخلق ربنا جل وعلا شرا محضا، بل ما سمي شرا هو بالنسبة للإنسان، وفاعله هو الإنسان. ولهذا قال سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فهو لم يخلق الشر المحض، ولكن من الشر بالنسبة لنظر هذا الإنسان، وإلا لله عز وجل حكمة في ذلك. نكتفي بهذا ونترك ما تبقى لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.