الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 14، الدرس الرابع عشر:من( فلهذا قال الشيخ:وإن ملاحيد الفلاسفة الألى*يقولون بالفعل القديم لعلة ... مبنية على الخرص والجهل المركب ولم يزالوا في اضطراب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول ضلال الفلاسفة القدماء في بحثهم عن علة إيجاد الكون وتأثير قصور عقولهم على نظرياتهم. يشير إلى أن هذا الضلال ناتج عن تقصيرهم في البحث.
يناقش ضلال الفلاسفة الذين أنكروا وجود خالق للكون وأسباب ضلالهم في الخوض في أمور غيبية. يبين أن سبب ضلالهم هو استدلالهم بأفكار باطلة.
يبرز بطلان نظريات الفلاسفة حول قدم العالم وتناقضهم في أقوالهم، ويحذر من الخوض في أمور غيبية لا علم لنا بها. يؤكد أن ذلك يؤدي إلى الوقوع في الباطل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الناظم رحمه الله تعالى: وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى يقولون بالفعل القديم لعلتي بغوا علة في الكون بعد عدامه فلم يجدوا ذاكم فظلوا بظلتي قال الشارح رحمه الله: يعني أن ملاحيدة الفلاسفة، المعطلين لله ولكتبه ورسله، المكذبين لهم، أوقعتهم عقولهم الفاسدة في الهلاك، حيث حكموها في البحث عن علة إيجاد هذا الكون، فلم تهتدي لذلك لقصورها وتقصيرها، فزعم كثير منهم أن هذا العالم قديم، وأنه لم يزل ولا يزال. وبذلك أنكروا وجود الرب العظيم، ومن باب أولى أنكروا رسله وكتبه، وتضاربت نظرياتهم الفاسدة، فظلوا وأظلوا. ولقد صدق عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ثم إن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة في هذه الأوقات أبطلوا بأنفسهم نظرية أسلافهم، وأحدثوا لهم نظريات متعددة متضاربة، مبنية على الخرص والجهل المركب، ولم يزالوا في الطراب. وهو يشير رحمه الله تعالى بهذين البيتين إلى أن السؤال في القدر والخوض فيما لا مجال للوصول إليه؛ لأنه من الغيب، أضل من ضل من الملاحدة والفلاسفة القدماء، كفلاسفة الهند واليونان، فإنهم لما نظروا في هذا الكون وتأملوا فيه، حارت عقولهم الفاسدة فهلكت، إذ ظنت أن حيرتها دليل على أن هذا الكون ليس له خالق. فعند ذلك ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من تلك النظريات الفاسدة التي قال بها فلاسفة الهند واليونان في أقوالهم المشهورة المعلومة. ليس المقام مقام بسط هذه الأقوال، ولكن المقصود هو ضرب المثال وإيقاع المقارنة وإيجاد معنى الشبه، كيف أن أولئك وصل بهم السؤال عما لا يمكن الوصول إليه إلى الكفر بوجود الله عز وجل، وبجحود ما لا يمكن جحوده لا بالعقل ولا بالفطرة ولا بالحس ولا بغير ذلك من أنواع الأدلة. فإن كل الأدلة تدل على أن هذا العالم له خالق، وأنه لم يوجد من عدم، وأن خالقه هو الله سبحانه وتعالى وحده. فكيف تعطلت عقول هؤلاء في مثل هذه القضية الحتمية التي لا يمكن أن يتصور أن عاقل يزيغ عنها؟ فإن وجود هذا الإبداع في هذا العالم، وهذا الإتقان والإحكام، مع ما فيه من تفاصيل وأمور يشق حصرها وعدها، فضلا عن النظر في تفاصيلها والتأمل فيما فيها من إتقان وإحكام وإبداع وجمال وغير ذلك، فكيف يظن أن مثل هذا يمكن أن يكون قد وجد بغير خالق؟ وأنه وجد صدفة كما زعم أولئك الفلاسفة، أو أنه أوجد نفسه بنفسه، أو أنه وجد من العدم؟ وكل هذه الأقوال الثلاثة وغيرها من أقوال الفلاسفة أقوال باطلة. وكان السبب في وقوعهم في هذا الباطل، وهذا الأمر العظيم الفاسد، هو خوضهم فيما لا يجوز الخوض فيه؛ لأنه من الغيب الذي لا يستطيعه الإنسان. فأراد أن يقول رحمه الله: كما ظل أولئك فوقعوا في مثل هذا الكفر، فكذلك من خاض في القدر فإنه يضل ويقع في كفر شبيه بذلك الكفر. وهذه نهاية كل من خاض فيما لا يجوز له الخوض فيه، مما هو من الغيب الذي لا يمكن الإنسان بقلة علمه وعجزه وتقصيره وإدراكه لذلك، أنه لا يدرك هذا الغيب. فإذا خاض فيه كان نهاية خوضه فيه الحيرة والتيه والضلال، ولكن الضلال تفاوت. فضلال القدرية ليس كضلال أولئك الكفار من الفلاسفة لا شك، لكن معناه واحد، وهذا هو وجه الشبه. فلهذا قال رحمه الله ما قال: وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى يقولون بالفعل القديم لعلتي بغوا علة بالكون بعد عدامه فلم يجدوا داكم فظلوا بظلتي فقال الشارح رحمه الله: أن الملاحدة ملاحدة الفلاسفة، المعطلين لله ولكتبه ورسله، المكذبين لهم، أوقعتهم عقولهم الفاسدة في الهلاك، حيث حكموها في البحث عن علة إيجاد هذا الكون، فلم تهتدي لذلك لقصورها وتقصيرها. وهكذا من بحث عن علة كذلك وجواب في القدر، على ما سبق الكلام عليه، وزعم فيما زعم من التفصيل بفعل الخير والشر وغير ذلك من الحيرة؛ بسبب الخوض فيما لا يجوز الخوض فيه. وأما قوله رحمه الله: فزعم كثير منهم أن هذا العالم قديم، يعني لا خالق له. هكذا زعم الكثير من الفلاسفة، وأنه لم يزل ولا يزال، يعني ليس له بداية ولا نهاية. وهذا باطل، فكل شيء في هذا الوجود يدل على أن له بداية. ولهذا كما قال رحمه الله: كذبهم المتأخرون من الفلاسفة الملاحدة، فأتوا بنظريات أخرى كنظرية السديم وغيرها من النظريات التي قال بها بعض فلاسفة اليونان وغيرهم. وهكذا فلاسفة هذا الزمان. يريد المؤلف الشارح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: في هذه الأوقات أبطلوا بأنفسهم نظرية أسلافهم، يعني من الفلاسفة الذين يفتخرون بهم. ففلاسفة هذا الزمان هم أبطلوا نظريات أولئك الفلاسفة من فلاسفة الهند واليونان، فاستحدثوا نظريات جديدة، سواء فيما يتعلق بهذا الكون على وجه الإجمال أو على وجه التفصيل. وهذا يدل على بطلانهم وحيرتهم، وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. ولهذا قالوا: أحدثوا لهم نظريات متعددة متضاربة. ولهذا لا تجد الفلاسفة في دهر من الدهور ولا زمن من الأزمان إلا وهم متضاربون في أقوالهم، متعارضون في نظرياتهم. قال: مبنية على الخرص والجهل المركب؛ لأن مبناها ليس دليل من الأدلة الصحيحة التي يعتمد عليها، ولكنه الخرص أي التخرص والجهل المركب. والجهل المركب معروف، فليس جهلهم جهلا خفيفا، ولكنه جهل مركب. وذلك كله كما سبق بسبب خوضهم فيما لا يجوز الخوض فيه لا شرعا ولا عقلا. فحسب من لا يعلم أن يقول: لما لا يعلم الله أعلم، أو يقول: حتى ولو كان كافرا لا أدري. فإن هذا مما يقضي به العقل، فضلا عن الشرع. فإن العقلاء جميعا يقرون أنه لا ينبغي لعاقل أن يخوض فيما لا يدريه ولا يحسنه. فلو أنهم وقفوا حيث بلغ بهم العلم، فقالوا: لا ندري، على كفرهم، لكان هذا أسلم لهم. فلما خاضوا فيما لا علم لهم به وقعوا في مثل هذا الباطل والهلاك. وهكذا مصير من خاض في القدر، هذا الذي يريده رحمه الله تعالى. ولهذا قال: ولم يزالوا في الطراب، يعني ولن ينتهي الاطراب منهم؛ بسبب خروجهم عن هذا الأصل. وإلى هنا والله تعالى أعلم.