الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 8، 9-الإيمان بأن دار المؤمنين ومأواهم الجنة ودار الكافرين ومأواهم النار . 10-الإيمان بوجوب محبة الله عز وجل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بأن دار المؤمنين الجنة ودار الكافرين النار، واستدلال المؤلف بآيات القرآن وأحاديث النبي، وتفاصيل الإيمان باليوم الآخر وأحوال الناس فيه.
يتناول أهمية الإيمان بوجوب محبة الله عز وجل، ويستدل على ذلك من الكتاب والسنة، ويوضح أن محبة الله هي الميزان الذي يقاس به حب الإنسان لغيره.
حب الله تعالى يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وألا يحب المرء أحدا إلا لله، وأن يكره العودة إلى الكفر بعد الإيمان.
الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، مثل التطير والتشاؤم، وتم توضيح هذه الأفعال في دروس سابقة.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسع من شعب الإيمان الإيمان بأن دار المؤمنين ومأواهم الجنة، ودار الكافرين ومأواهم النار، لقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة». كذلك من شعب الإيمان، كما ذكر رحمه الله، الإيمان بأن دار المؤمنين ومأواهم الجنة، ودار الكافرين ومأواهم النار. وهكذا ذكر معناه البيهقي رحمه الله في «الشعب». وبعض أهل العلم يرى أن هذا يدخل فيما قبله من الإيمان باليوم الآخر. ولكثرة ما روي في هذا الباب من أدلة الكتاب والسنة في ذكر الجنة والنار وأهلهما ذكر في شعب الإيمان. وأشار رحمه الله إلى هذه الآية في سورة البقرة، وغيرها آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل. وهكذا أشار إلى حديث ابن عمر في الصحيحين، وغيره أحاديث كثيرة. ويتضمن الإيمان بالجنة والنار الإيمان بأشياء كثيرة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وتفاصيل عديدة ذكرت كذلك في أدلة الكتاب والسنة. فمن ذلك ما يكون عليه حال الناس في الدنيا وفي البرزخ، وكذلك مرورا بمراحل اليوم الآخر حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فلله جنة في الدنيا من دخلها دخل جنته بالآخرة، وهي ما جعله الله عز وجل للمؤمنين من العلم النافع والعمل الصالح، وكذلك معاني الإسلام والإيمان والإحسان التي من ترقى فيها ترقى بإذن الله تعالى في جنته. ولله صراط في الدنيا من سار عليه واستقام وسارع واجتهد، فقه الله لسلوك صراط يوم القيامة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث، حديث أبي هريرة، ومعناه في حديث حذيفة بن اليمان، أن الناس يمشون على الصراط يوم القيامة، وهم يدخلون إما إلى جنة أو إلى نار، على حسب أعمالهم في الدنيا. فمنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالبارق، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يكب في نار جهنم، والعياذ بالله. وهكذا كذلك ما يتبع ذلك من نشر الصحف ووزن الأعمال ومرور الناس بأحوال وأهوال حتى يدخل أهل الجنة الجنة. ومن ذلك الحوض، وما روي فيه، وكذلك الصراط، واستفتاح أهل الجنة الجنة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا أحاديث كثيرة. ومن ذلك كذلك العرض والحساب. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل دلت عليه دلالة الكتاب، أن هناك عرضا يكون يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عذب». فقالت عائشة رضي الله عنها: «أليس الله عز وجل يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك». والحديث في الصحيحين. وفي حديث ابن عمر: «أن الله عز وجل يدني عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويقرره بذنوبه، فيقول له: أترى كذا؟ أترى كذا؟ فيقول: نعم أي رب. فيقول: إني سترتها عليك في الدنيا، وإني أسترها عليك يوم القيامة». وبحديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه». وهكذا كذلك من ذلك ما جاء في دخول الجنة وأهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يكون عليه تفاوت أهلهما فيها بحسب تفاوت أعمالهم في الدنيا. وأول من يدخل الجنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ومعه فقراء أمته، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «نحن الآخرون الأولون، ونحن أول من يدخل الجنة». وصح عنه، والحديث الصحيح في صحيح مسلم، الحديث لأبي هريرة. وصح عنه عليه الصلاة والسلام أن أول من يجوز الصراط أمته، في الصحيحين، الحديث لأبي هريرة. وصح عنه أنه أول من يستفتح باب الجنة، وهو في صحيح مسلم من حديث أنس. وتقدم معنا أنه أول من يدخل الجنة، في حديث أنس الذي هو حسن بمجموع طرقه، أنه أول من يدخل الجنة ومعه فقراء أمته. وهكذا كذلك من ذلك الإيمان بأن للجنة أبوابا، وأن للنار أبوابا. وفي حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم في دعاء الوضوء: فيدعو المسلم، وإذا فعل ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية. وهكذا كذلك ما أخبر الله عز وجل من درجات أهل الجنة ودركات النار وأهلها، أجارنا الله عز وجل من عذابه وغضبه، وجعلنا من أهل رضوانه ورحمته. وكذلك ما جاء من تفاصيل حتى ذكر أن آخر الناس دخولا للجنة رجل يكون له مثل الدنيا وعشرة أمثالها. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة». قال العلماء، وذكر من هؤلاء ابن كثير: أنه لا يكون الشيء أعلى وأوسط إلا أن يكون مكورا. فاستدل العلماء بهذا على أن الأفلاك مكورة، والجنة أعلى هذه الأفلاك وفوقها عرش الرحمن، كما صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: العاشر من شعب الإيمان الإيمان بوجوب محبة الله عز وجل. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، ولحديث أنس بن مالك في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». قال: وبه أنبانا البيهقي، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا النضر الطوسي يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سمعت الجنيد يقول: قال رجل لسري السقطي: كيف أنت؟ فأنشأ يقول: من لم يبت والحب حشو فؤاده، لم يدري كيف تفتت الأكباد. كذلك من شعب الإيمان الإيمان بوجوب محبة الله عز وجل، وما يستلزمه ذلك من العلم والعمل. فإن ذلك من شعب الإيمان. وأشار إلى دليل من الكتاب والسنة على هذا المعنى. وهذا مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، ومما لا يتم إيمان مؤمن إلا به. ولهذا أتبعه لمعاني أركان الإيمان. فمما ينبه هنا أنه كل ما سوى الله يحب لله، وليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى. ولهذا ميزان الحب عند الإنسان هو حب الله سبحانه وتعالى. فالمحبوب محبوب لله سبحانه وتعالى، إما شيء تحبه لمرضاته بطاعة من طاعات الله وأمرك بها، وإما ما أذن لك من المباحات. ولذلك فامتحان المؤمن في المحبة هو بحب الله سبحانه وتعالى. فهنا تظهر حقيقة العبودية لله عز وجل. فالله عز وجل يعبد بالمحبة والتعظيم والخضوع والذل، كما قال القائل: وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابديه هما قطبان بالأمر. قال الله، قال رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان. وبه نعلم كذلك ضلال من ضل في هذا الباب من طوائف أهل الجفاء والزيغ والزندقة الذين خرجوا من الإيمان إما على وجه الكلية أو التبعيض، بما كان من تفريطهم وتضييعهم لهذه الشعب العظيمة من شعب الإيمان، إذ لا يتم إيمان إلا بتحقق محبة الله سبحانه وتعالى، بل كمال الإيمان بكمال محبة الله سبحانه وتعالى. حتى أن العبد يترك محابه طمعا في حب الله ورضاه. فربما تأمره نفسه باشتهاء شيء، فإذا علم أنه على حساب محبة الله ترك ما يحب لله. هذا إذا كان مباحا، فكيف إذا كان حراما؟! إذا كان مباحا وعلم أن غيره أحب لله قدم ما فيه حب الله على ما فيه رغبة نفسه. فهذا يتحقق به معنى محبة الله سبحانه وتعالى. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري أنه ترك لحما بين يديه وقام للصلاة حين جاء وقتها. ولا ينافي ما صح عنه عليه الصلاة والسلام، وهو من رحمة الله بعباده، الرخصة في تقديم العشاء على الصلاة، فلا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثان، حتى تتم العبودية لله عز وجل على الوجه الأكمل والأفضل. وفي مقابل أهل الجفاء والتفريط، وهم درجات، أهل الغلو، وهم كذلك درجات. ومن ذلك بعض هذه الأبيات التي أشار إليها. فهذه الأبيات ظاهرها له معنى صحيح، لكن أحوال بعض المتصوفة فيها غلو في هذا الباب. فهم يزعمون أنهم يعبدون الله جل وعلا حبا خالصا عن كل ما ينافيه. وزعموا أن مما ينافيه الطمع في رضاه، ومن ذلك الرغب في جنته والرهبة من ناره. وهذا باطل. فأثبت الله عز وجل في أدلة الكتاب، ونبينا صلى الله عليه وسلم معناه في السنة، أن عباد الله المؤمنين يعبدونه رغبا ورهبا. قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. وهؤلاء بلغ بهم الأمر من الغلو حتى وصلوا إلى ما فيه منافاة لحقيقة محبة الله سبحانه وتعالى. يروى أن رابعة العدوية أنها اشتكت ومرضت يوما، فزارها بعض من تعرف، فسألوها عن حالها، فقالت: أنها اشتكت، وسبب ذلك فيما تظن أنها مالت بقلبها إلى الجنة. فما ترى إلا أن الله قد غار عليها. سبحان الله! كيف علمت أن الله قد رضي عنها وقبل عملها، فضلا أن يكون قد غار عليها؟! هكذا روي عنها. وهذا من شطحات الصوفية. وكذلك ما يروى عنها أنها رأت رجلا مرة يضم ويقبل صبيا من أهل بيته، فقالت: ما أظن أو ما أحسب أن في قلبك موضعا فارغا لمحبة غير الله. مع أن هذا المعنى لا ينافي محبة الله، لأن من محبة الله أداء الحقوق وفعل المأمورات. فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر على من لم يفعل ذلك، حين قال العرني: «أتقبلون أبنائكم يا رسول الله؟» الحديث. وهذا يدل على أن الخروج عن الاستقامة هو هذا. وهؤلاء في الحقيقة خرجوا عن الاستقامة. ولهذا تدرج هؤلاء حتى خرج بعض غلاتهم عن معنى الطاعة، فصارت عند أهلهم عقائد باطنية باطلة تشبه عقائد الملاحدة من الروحانية، كأصحاب رباح وكليب، ومن كان بمعنى هؤلاء من أهل الخلة الذين زعموا أنهم بلغوا منزلة حلت لهم المحرمات، كالخليل مع خليله، يأخذ ما يشاء من ملكه بغير إذنه ولا رضاه. فكذلك زعموا أنهم بلغوا مبلغا خرجوا عن معاني الشريعة إلى الحقيقة، حتى حلت لهم المحرمات. وكذلك استباحوا الكثير من المحظورات بحجة أنهم عبدوا الله بحبه، فحلت لهم بخلته كل حرام. وغير ذلك من الشطحات. وأهل السنة والجماعة في هذا وسط بين هؤلاء وهؤلاء، بين أهل الجفاء الذين قصروا أو ضيعوا حب الله، فخرجوا من الإيمان بالكلية، أو أنقصوا حقيقة الإيمان الذي رضيه الله لخلقه. أو كذلك في مقابل هؤلاء أهل الشطحات الصوفية، ومن توسع في هذا وغلا أكثر، كالباطنية ونحوهم. ودين الله بين الغالي والجافي. وفي حديث أنس: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». وذلك بتقديم مرضات الله ومرضات رسوله صلى الله عليه وسلم. وبه نعرف خطأ قول المتصوفة، ومن باب أولى الجفاء في هذا الباب. إذ حقيقة حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم بمتابعة أوامر الله وأوامر رسوله، والاستمساك بشريعة الله ودينه على وجه الأمر والنهي، مما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. حتى سماها العلماء آية المحنة، امتحن الله عز وجل بها قوما زعموا أنهم يحبونه ويحبون رسوله. فحقيقة المحبة تكمن في الاستجابة لأمره، والوقوف عند نهيه، والاستمساك بشرعه ودينه، ومتابعة نبيه عليه الصلاة والسلام وقوله. وقوله: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». فيه ما تقدم من أن من حب الله حب كل ما أمر الله بحبه. ومن ذلك أن يحب لله سبحانه وتعالى. فإذا كان هذا أقرب قريب، وهو عدو لله، فلا تقع في قلبك محبة له. ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. وغير ذلك من الآيات في هذا الباب. وقوله: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». هذا كذلك مما توجد به حلاوة الإيمان، وهو يدخل في الحقيقة في ضمن المعنى الأول. فهو إن كان قد أحب الله حبا خالصا صادقا، فهو يحب ما يحبه، ومن ذلك الإيمان. ويكره ما يكرهه، ومن ذلك الكفر. وفي الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. فيها تأكيد وقوع الشرك في معنى المحبة. فهناك محبة شركية يتفاوت الناس فيها. منها ما هو شرك أكبر، كحب المشركين لآلهتهم، وما يكون مع تلك المحبة من صرف العبادات، وميل القلب. بل قد يكون الشرك بميل القلب، من دون أن تظهر عبادة لا في اللسان ولا في الجوارح. هذا ممكن. مثاله: لو أن رجلا ترك ما يفعله الناس من عبادتهم لوثن من الأوثان، ولكن في قلبه رغبة ورهبة لهذا الوثن، دون أن يصدر من قوله وفعله ما يفعله المشركون لهذا الوثن. فهل رغبته ورهبته عبادة؟! رغبته ورهبته عبادة. فوقوعها في القلب شرك. يدل على أنه جعل غير الله ندا لله، حتى زاحمت الرغبة والرهبة التي يجب أن تكون لله. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. فكيف إذا كان الحب أعظم من حب الله، والرغبة والرهبة أعظم من رغبة ورهبة الله؟! كحال الكثير من المشركين، ومن وقع في الشرك، حتى ممن هم من المسلمين، وللأسف بجهلهم، وكذلك غلبة العوائد عليهم. حتى لو قيل لأحدهم: «احلف بالله»، ما استطاع. لو قيل له: «احلف بغير الله» ممن يعظمه ويرغب فيه ويرهب منه، لم يستطع أن يحلف كاذبا. ولو قيل: «احلف بالله»، لحلف بالله كاذبا. كحال الكثير من المتصوفة والباطنية والرافضة، ممن تعلقت قلوبهم بغير الله، ممن يعبدونهم من دون الله. ومع الله سبحانه وتعالى. وهذا من الشرك الأكبر. وقد يكون شركا أصغر، بما يكون من جعل ما ليس بسبب سببا. من جعل ما ليس بسبب سببا، فيكون كذلك فيه معنى الندية، لكنها دون الأول، وهو من الشرك الأصغر. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾. عام يشمل الأوثان والأصنام، وكل شيء تجعله ندا. حتى الأسباب إذا غلوت فيها، فهي فيها معنى الندية. لكن قد لا يصل إلى الشرك الأكبر، فيكون فيها معنى الشرك الأصغر. كحال بعض الناس في التطير والتشاؤم، ونحوه مما فيه هذا المعنى، كما بين في دروس سابقة. إلى هنا والله تعالى أعلم.