شرح مختصر شعب الإيمان 40

شرح مختصر شعب الإيمان 40

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 40، تابع : 72-الغيرة وترك المذاء . 73-الإعراض عن اللغو . 74-الجود والسخاء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الغيرة والتحذير من الفتن

الدرس يشرح أهمية الغيرة على المحارم والأعراض ويحذر من فتنة المردان والتساهل فيها. يعتبر التفريط في ذلك من النفاق.

التحذير من التساهل في أمور الدين

يتناول التحذير من التساهل في الحجاب والاختلاط مع الأقارب والجيران، ويعتبر ذلك من معاني النفاق. كما يحذر من الاجتماعات الباطلة.

صفات المؤمنين والمنافقين

الإعراض عن اللغو والجود والسخاء من صفات المؤمنين، بينما الانشغال بالباطل والبخل من علامات ضعف الإيمان والنفاق.

فوائد الصدقة والإنفاق في سبيل الله

المقطع يذكر بعض فوائد الصدقة والإنفاق، منها دعوة الملك للمنفق بأن يخلف الله عليه، ويشير إلى وجود فوائد أخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من شعب الإيمان: الغيرة، وترك المداء، فإن الغيرة من الإيمان، والمداء من النفاق. وعلمنا معنى الغيرة، أي على حرمات الله عمومًا، وعلى الأعراض خصوصًا. وأن المداء هو بمعنى عدم الغيرة، أي دياثة، حسية كانت أو معنوية، فإن ذلك من النفاق. ومر معنا حديث مسلمة، وذكر بعده حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الغيرة من الإيمان، والمداء من النفاق». ومعنى ذلك، كما تقدم، الغيرة على محارم الله عمومًا، وعلى فتنة النساء والأعراض خصوصًا. ويلحق بفتنة النساء فتنة المردان، فإن المؤمن يغار كذلك على من تحت يده من الأطفال الصغار، فلا يرضى لهم بما فيه معنى الفتنة، والرضا بذلك من النفاق. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من هذه الفتنة، قال عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». فإن التفريق في المضاجع سد لهذه الفتنة. ونص العلماء على أمر التحذير من فتنة المردان، والأمر هو الشاب الذي لم تنبت له لحية، أو كانت له شيئًا يسيرًا خفيفًا، تقع الفتنة به. فالناس يتفاوتون في الدنايا كما يتفاوتون في الشرف، ويتفاوتون في ضعف الإيمان كما يتفاوتون في قوته، وكذلك يتفاوتون في الغيرة كما يتفاوتون في الدياثة. فإن من الناس من يفتتن بأمثال هؤلاء، وربما فتنته تتعدى فتنة القلب إلى أن تصل إلى ما هو أكثر من ذلك، من تساهل في الكلام وتملق، أو كذلك في الخلطة، أو أعظم من هذا. فلذلك لا يجوز الرضا بهذه الفتنة كذلك، فإنها من النفاق. فيجب أن تتخذ الوسائل الصحيحة، بدون إفراط ولا تفريط، لقطع مادة هذه الفتنة. ومن ذلك أن لا يخلو بأمرد، ولا يتخذ صاحبا مع من هو أكبر منه، فإن هذا مما يفضي لهذه الفتنة. ولا يرضى له ببعد عن أهله في موضع محل فتنة وتهمة، فإن ذلك مما تكون به هذه الفتنة. بعض الناس ربما يرسل ولده للعمل عند من لا يعرفهم، وليس له راعي، لا أب ولا أخ ولا عم، فيرسل عنده ناس أجانب للعمل، ربما في وقت الإجازة، وهو صغير، محل مطمع من بعض المغرضين والمفسدين، ينام معهم ويبات معهم ويجلس بينهم. هذا فتنة، ومن رضي لولده بمثل هذا، ففيه شعبة من نفاق. قال الحليمي: المذاه أن يجمع بين الرجال والنساء، ثم يخليهم. وهذا له صور كثيرة، ومن صورها تلك الاجتماعات الباطلة الفاسدة في اجتماعات الجامعات، خصوصًا في أيام الأعياد السنوية في الوظائف أو في الفنادق، أو حتى في بعض الأسر الكبيرة، فيكون فيها فتح للشر في هذا الباب. بل وربما كذلك حتى بعض المجامع التي قد تجتمع باسم الدين، مثل زيارات الصوفية القبورية، فإنها صارت من أوكار ومن مواضع ومضاع هذه الفتن، حتى صار أهل الفساد يتواعدون فيها، ويقع فيها من الفساد ما الله به عليم. ولم يزل العلماء يذكرون في كتبهم ويحذرون من مثل هذه الاجتماعات التي هي سبب فحش وفساد، مع ما فيه من فساد عقدي، وهو من معاني المداء الذي هو من النفاق. وكذلك من صوره: إرسال الرجال مع النساء، كذلك من صوره، كما تقدم، إرسال الصغار أو كذلك المرأة الأجنبية. وهكذا كذلك قد يكون في بعض الأفعال، مثل كما قلنا: الضيافة، أو كذلك التساهل في الحجاب. فإن التساهل في الحجاب من معاني المداء، فلا يجوز للمسلم أن يرضى لأهله أن يتساهل في الحجاب كما يفعل بعض الناس. ربما المرأة تحتجب في الشارع، لكن في البيت يتساهلون في الحجاب، فهذا من معاني النفاق. هذا رجل أجنبي، كيف يجوز له أن يرى منها ما لا يجوز أن يرى، ولو كان قريب الزوج. بل هذا هو المجتمع للفتنة، لماذا؟ لأنه يكثر الابتلاء بدخوله، فإذا حصل التساهل حصل الشر. ولهذا لو دقق النظر أين يقع أكثر الفحش؟ يقع بين الأقارب. يقع بين الأقارب، يعني في المجتمعات التي يقال عنها مجتمعات ملتزمة أو مجتمعات محافظة، أكثر الفحش يقع بين الأقارب. أما المجتمعات المنفلتة المتحضرة كما يزعمون إلى الشر والفساد، فهذا خليط. لكن تلك المجتمعات المحافظة أكثر الشر يقع بين الأقارب. وهذا تصديق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمو الموت». يعني منه الشر، ولا يسلم منه أحد كالموت. متى يأتيك لا تدري، فكل معاني الموت واقعة. وهذا يسمى عند البلاغيين تشبيهًا بليغًا، فكاد الحمو أن يكون موتًا بكل وصف من أوصافه. فيجب الحذر من التعامل مع الأقارب من حيث الخلوة والخلطة والحجاب. أحيانًا بعض البيوت يحصل تساهل في الخلوة والخلطة والحجاب، ربما يخرج كل النساء إلا امرأة الأخ، ويبقى معها أخوه في بيت واحد، مع كثرة الاختلاط وقلة الحجاب، وربما ضعف الدين، يقع الشر والفساد. فهنا نقول: الغيرة من الإيمان، والمذاء من النفاق. وهذا من المذاء، وهو من النفاق. فمن يرضى بمذاء هذا يقع في بيته، فأهله فيهم شعبة من شعب النفاق. وهكذا كذلك التساهل بالحجاب مع الجيران، بعض النساء إذا خرجت تحجبت، وإذا تطلت إلى بيت الجيران تساهلت في الحجاب. ربما تخرج ورأسها مكشوف، ووجهها مكشوف، ويداها مكشوفتان، أو تعبر في الزقاق الصغير بين البيت والبيت. وهذا حرام، لا يجوز. ومن يرضى لأهله بمثل ذلك، أو ترضى لنفسها بمثل هذا، ففيها شعبة من شعب النفاق، لأن المذاء من النفاق، وهذا من المذاء. قال رحمه الله تعالى: الإعراض عن اللغو، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوِ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. واللغو: الباطل الذي لا يعنيه، ولا يتصل بقصد صحيح، ولا يكون لقائله فيه فائدة، وربما كان وبالًا عليه. وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعلي بن الحسين، عن أبيه، عن علي رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ومن شعب الإيمان الإعراض عن اللغو، فقد ذكره ربنا جل وعلا في صفات المؤمنين الكمل الخلص، فقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. فصار من صفات أهل الإيمان الكمل الإعراض عن اللغو. والمراد باللغو: كل باطل قولًا وفعلًا. فالمؤمن يعرض عنه ويترفع منه. أما من فيه شعبة من شعب النفاق، وضعف الإيمان، فهو ينشغل بالباطل قولًا كان أو فعليًا. ولذلك إذا أردت أن تعرف قوة إيمان إنسان من ضعفه، فمن علامات ذلك انشغال صاحبه بالباطل. قال رحمه الله تعالى: الجود والسخاء، لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، وغيرها من الآيات. وقوله تعالى في عكسه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾، وغيرها من الآيات. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا». كذلك من شعب الإيمان الجود والسخاء، فإن ذلك من علامات الإيمان. وضده البخل والشح، فإنه من علامات ضعف الإيمان، وهو من صفات الكافرين والمنافقين. ولذلك أمر المسلم أن يترفع عنها، وأن لا يتصف بها. ثم ذكر الآيات والأدلة، وهي قليل من كثير في هذا الباب. فقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالإنفاق، وهو من مواضع إيمانهم وتحقيقه وبرهانه. وذكر في هذا الآية الأولى من سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. فالمؤمنون المتقون الذين وعدت لهم هذه الجنات، جنة عرضها السماوات والأرض، من صفاتهم الذين ينفقون في السراء والضراء. فالمؤمن إذا وجد موضع الإنفاق، فهو يسارع ويبادر إليه. فينبغي أن يجتهد المسلم على تأدية هذه الصفة من صفات الإيمان. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإنفاق والتصدق، ولو بشق تمرة، يعني ولو بشيء يسير، تحقق به إيمانك وتبرهنه، فلا تبخل على نفسك بنفقة، ولو كانت يسيرة. ثم ذكر حديث أبي هريرة: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا». وفيه فائدة من فوائد الصدقة والإنفاق، فوائد كثيرة، منها: دعوة الملك لك بأن يخلف الله عز وجل عليك. نكتفي بهذا، وإن شاء الله نكمل الباقي في درس لاحق. والله تعالى أعلم.