الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 10، تابع : الأصل الأول-معرفة الله تعالى . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الرجاء هو توقع خير الله أو الخوف من عقابه ويجب أن يكون خالصًا لله وحده. التوكل هو الصدق في الاعتماد على الله في جميع الأمور ويجب أن يكون لله وحده دون غيره.
التوكل والرغبة والرهبة والخشوع عبادات قلبية عظيمة لا يجوز صرفها إلا لله وحده. صرفها لغير الله شرك أكبر وينافي التوحيد ويعتبر نقصًا في الإيمان أو شركًا.
الخشية هي الخوف المقترن بالعلم وهي عبادة لله وحده. الإنابة هي التوبة والإقبال على الله بالعبادة وتتضمن التوبة والإخلاص لله وهي سمة أهل التوحيد.
الإنابة إلى الله تعالى هي سمة أهل التوحيد حيث يعودون إليه عند الذنب. أهل الشرك ينيبون إلى أوثانهم أو أصنامهم أو مقدساتهم الأخرى، وهذا يظهر التمييز بين أهل التوحيد وأهل الشرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: «ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾». قال الشارح والمحشي رحمه الله: «قال أي: فمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، ويرجو المصير إليه، ويأمل لقاءه ورؤيته، وفسر بالمعاينة، فليعمل عملًا صالحًا، يعني قبله، وأنه عبادة قلبية». ودليل الرجاء طيب، قال رحمه الله: «قوله: ودليل الرجاء وأنه عبادة قلبية من أجل العبادات، فصرفه لغير الله شرك أكبر». والرجاء بمعنى التوقع والأمل، ممدود، يعني الرجاء. والرجاء من العبادة؛ لأن الله يحبه ويرضاه، وفيه معنى الخضوع والذل والمحبة والتعظيم، فهو عبادة لا يجوز أن يصرف إلا لله، وفيه حسن الظن بالله عز وجل. فأنت ترجوه بحسن ظنك به، لعلمك لعظيم صفاته، وواسع قوته وقدرته جل وعلا. قال: «وقوله: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، أي: فمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، ويرجو المصير إليه، ويأمل لقاءه ورؤيته، وفسر بالمعاينة». يعني اللقاء والرؤية معاينة، كما جاء في رواية البخاري: «إنكم سترون ربكم عيانًا»، يعني لقاء فيه معاينة رؤية بالعين، وهي رواية صحيحة في صحيح البخاري. فما منا إلا سيلقى ربه سبحانه وتعالى ويراه، أي أهل الإيمان والإسلام. أما الكفار، فهم محجوبون عن الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. فرؤية الكفار، الذين يرون ربهم كما جاء في بعض الأحاديث، من منافقين وغيرهم من أهل الكتاب، رؤية غضب وسخط وعدم رضا، وهي في عرصات يوم القيامة. وأما المؤمنون، فيرون ربهم رؤية رضا، في عرصات يوم القيامة، وهكذا في الجنة، هو من عظيم نعمة الله للذين أحسنوا الحسن وزيادة. فقوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، أي: لقاءً حسنًا يرجو فيه رؤيته ومعاينته على وجه الرضا، فليعمل عملًا صالحًا. ومن هذه الرؤية المعاينة، كما ذكر، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: «فليعمل عملًا صالحًا، وهو ما كان موافقًا لشرع الله، مقصودًا به وجهه، فلابد للعمل الصالح من هذين الركنين: الإخلاص والمتابعة». قال: «وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، قال: أي لا يجعل مع الله شريكًا في عبادته، فإن العبادة لا تصلح إلا لله وحده لا شريك له، فأحدًا نكرة في سياق النهي، تعم كل مدعو من دون الله، من الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم». فإذا رجى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو مشرك الشرك الأكبر. وركنا العمل المتقبل: أن يكون خالصًا لله، وأن يكون صوابًا على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، تأكيد لمعنى العمل الصالح الذي هو توحيد. وهكذا كلمة التوحيد: نفي وإثبات، ما يكفي إثبات بدون نفي، ولا يكفي نفي بدون إثبات؛ لأن الذي ينفي بدون إثبات هذا هو الملحد، الملحد ينفي الألوهية عما سوى الله، ولا يثبتها لله. والذي يثبت ولا ينفي هذا المشرك، الذي يثبت للألوهية الألوهية لله ولغير الله، هذا هو المشرك. والموحد هو الذي سلم من الشرك والإلحاد والكفر، بالنفي والإثبات، تنفي الشرك وتثبت التوحيد. ومن تفاصيل نفي الشرك: أن تنفي الرجاء عما سوى الله، وتثبته لله عز وجل وحده، لا تشرك معه أحدًا، كما ذكر نكرة في سياق النهي، فتفيد العموم. والرجاء قد يكون معه فعل، وقد يكون باعتقاد فقط. فمن رجى غير الله، ولو لم يقرب ولم يذهب ولم يطوف ولم يسجد لغير الله، فهو مشرك؛ عنده رجاء بغير الله، يجعله مزاحمًا لرجائه بالله سبحانه وتعالى. بل رجاؤه بغير الله أعظم من رجائه بالله، مثل حال المشركين قديمًا وحديثًا. فرجاء المشركين باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وغيرها من المعبودات التي كانت تعبد من دون الله، أعظم من رجائهم بالله. ولذلك هم يأتونها ويزورونها ويذبحون عندها وينذرون لها. ومن لم يذهب منهم، ففي قلبه تعظيم لها ورجاء بها، أعظم من رجائه بالله. وهكذا كذلك بعض المشركين اليوم، وفي زمن المؤلف رحمه الله، فإن من الناس من رجائه بغير الله أعظم من رجائه بالله، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله. بل الوزارة أن يكون الرجاء بالله وحده، وتعتقد أن غير الله مهما كان له فضل، فهو عبد مخلوق ضعيف فقير إلى ربه وخالقه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قوله: ودليل التوكل، قال: وهو الصدق، صدق التفويض والاعتماد على الله في جميع الأمور، وإظهار العجز والاستسلام له، وتوكل عليه واتكل، أي: استسلم إليه واعتمد عليه، ووكل إليه أمره وسلمه إليه». وهو عبادة من أجل العبادات، بل هو أجل أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد. فلا يفوض عبد أموره، ولا يعتمد إلا على الله عز وجل؛ فهو القادر على كل شيء، بيده الملك، وهو على كل شيء قدير. وهذا هو معنى حقيقة التوكل. قال: «وإذا كان ذلك كذلك، فالمخلوق وإن كان له نوع قدرة، فلا يعتمد عليه، ولو فيما أقدره الله عليه، بل يعتمد العبد على الله عز وجل وحده». فالتوكل عبادة قلبية، فلا يجوز أن تقول: «توكلت على الله ثم عليك»، هذا لا يجوز. بل قل: «توكلت على الله». ثم عليك ما تنفع. هذا من الشرك اللفظي. وإذا كان معه اعتقاد، فهو الشرك الاعتقادي خطير؛ لأن التوكل عمل قلبي، لا يجوز أن يجعل لغير الله أبدًا. وليس التوكيل منه، التوكيل ليس منه. توكيل الموكل لموكله في عمل ما، ليس من التوكل. التوكل عمل قلبي، والتوكيل عمل حسي في الأعمال الحسية. فلا يجوز الخلط بين هذين المعنيين. قال رحمه الله: «فإن اعتمد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فذلك هو الشرك الأكبر». وإن اعتمد على الأحياء الحاضرين والسلاطين ونحوهم، فيما أقدرهم الله عليه من رزق أو دفع أذى ونحوه، فهو نوع شرك أصغر. والمباح: أن يوكل شخصًا بالنيابة في التصرف في أمور دنيا، لكن لا يقول: «توكلت عليه»، بل: «وكلته». فرق بين اللفظ، وفرق بين المعنى. ما تقول: «توكلت»، تقول: «وكلت». وتوكل في هذا الفعل، في الأمور الدنيوية، محظوظ. أما الرزق ودفع الأذى، فهذا مما هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. انظروا: ما أحد يقول: «وكلتك في رزقي»، «توكلت عليك في الرزق»، «توكلت عليك في دفع العدو»، لا. بل تتوكل على الله سبحانه وتعالى. لكن يجوز أن تقول: «أستعين بك في طلب الرزق»، بعد استعانتك بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه قد يكون عنده قدرة على ذلك، فيما يقدر عليه، أن يبحث لك عن عمل، أن يشفع لك عند أحد. وترك مثل هذه العبارات هو الأحوط والأكمل. وعبر بعبارة ليس فيها لبس. لكن أشد منه أن تقول: «توكلت عليك في رزقي»، «توكلت عليك في دفع الأذى»، ونحو ذلك من العبارة؛ لأن هذا لا يكون إلا لله. قال: «فلابد أن يتوكل في ذلك على الله عز وجل وحده، وهذا من الأمور الدقيقة». فخطأ التعبير في هذا الباب يوقع في الشرك الأصغر، على أقل الأحوال؛ لأنه من الخطأ في الألفاظ المنافية لكمال التوحيد والمفضية والموصلة إلى الشرك. فليحذر في الألفاظ. ومن ذلك ما سمعنا: لا يجوز: «توكلت على الله ثم عليك»؛ لأن التوكل هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة بالله سبحانه وتعالى وحده، وأنه مدبر الأسباب جل وعلا. فإذن هي من العبادات التي لا يجوز أن تصرف إلا لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾». قال رحمه الله: «فإخلاص التوكل على الله شرط في صحة الإيمان، ينتفي عند انتفائه». فإن تقديم المعمول، وهو قوله: «على الله»، على العامل، وهو كلمة «توكل»، يفيد الحصر؛ لأن القاعدة هنا: تقديم ما حقه التأخير، يفيد الحصر. الأصل: «توكلوا على الله». ولما قال: «وعلى الله فتوكلوا»، دل على الحصر، أي: على الله وحده توكلوا. أفاد هذا التقديم لما حقه التأخير الحصر. وهذه قاعدة عند أهل العربية، ومعروفة في علم الأصول وغيره. قال: «وهو قوله: على الله، على العامل، وهو كلمة «توكلوا»، يفيد الحصر؛ إذ عليه وحده فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، لا على غيره». وهذه قاعدة العربية، يعني هذا مما يفهم عند أهل هذا الفن، لهذه اللغة. فالعربي الذي عرف فصاحة العربية، يعرف أن هذا السياق وهذا الأسلوب يفيد الحصر. وقوله: «شرط في صحة الإيمان، ينتفي عند انتفائه»، لأنه قال: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فدل على أن مما ينافي الإيمان: عدم تحقيق إفراد الله بالتوكل. فمن توكل على غير الله، فهو ليس بمؤمن، إما كافر أو مشرك، وإما ناقص الإيمان، بحسب ما ينافي هذا التوكل. فالتوكل عبادة لا يجوز أن يصرف إلا لله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك قوله رحمه الله: «ينتفي عند انتفائه»، فيه إفادة أنه قد ينتفي بالكلية، أي: الإيمان قد ينتفي بالكلية، بسبب عدم تحقيق التوكل التام أو الواجب الذي به يكون مؤمنًا. قال رحمه الله تعالى: «وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾». قال: «الحسب معناها الكافي». وهذه الآية دليل ثان ذكره المصنف رحمه الله على أن التوكل عبادة من أجل أنواع العبادة. فمعنى الآية: «ومن يتوكل على الله، أي: اعتمد عليه في أموره، فهو كافيه». ومن كان الله كافيه، فلا مطمع لأحد فيه. ولم يذكر تعالى للتوكل جزاء غير تولي كفايته العبد، فقال: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. ولم يأت في غير من العبادات، فدل على عظم شأن التوكل وفضيلته، وأنه أجل أنواع العبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر. وفيه عظم جزاء المتوكلين في الدنيا وفي الآخرة. فالله سبحانه وتعالى يكفي المتوكل عليه، ويكون حسبه وكفايته في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. فإذا أردت خير الدنيا وخير الآخرة، فتوكل عليه في أمور دينك ودنياك، وستجد الله عز وجل كافيًا. ومن كان الله كافيًا، فهو منصور محفوظ، منصور محفوظ، وهذا الذي يريده الإنسان. قال رحمه الله: «قوله: ودليل الرغبة والرهبة والخشوع، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾». قال: «قوله: ودليل الرغبة والرهبة والخشوع، أي: وأنها عبادات قلبية من أجل العبادات، وصرفها لغير الله شرك أكبر». وهذا معلوم من معناها أنها عبادات قلبية، وسيأتي. والرغبة: السؤال والطلب والابتهال والتضرع، وهو مأخوذ من معناها: رغب يرغب رغبة. والرهبة: الخوف والفزع. والخشوع: التطام والتذلل، وهو قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت، فبينها تقارب في المعاني. رغبة فيه: سؤال وطلب وابتهال وتضرع. ورهبة فيها: خوف وفزع. فالرغبة تكون في طلب دفع المكروه، أو كذلك حصول المحبوب المرغوب، فهو يرغب في الله سبحانه وتعالى. والغالب أنها تكون فيما يطمع ويطلب ويبتهل به، أي: المرغوب المحبوب. والرهبة مقابل الرغبة، تكون في الشيء المخوف المفزع منه، فأنت ترهب إلى الله في دفع ما تكره في دنياك وفي آخراك. وهكذا كذلك الخشوع، معناه مأخوذ كما قال: من الخضوع التذلل، إلا أن الخضوع كما قال: في البدن، والخشوع يكون في القلب وبعض الجوارح كالبصر والصوت. تقول: «خشع أي في قراءته»، «وخشع أي دمعت عينه»، «وخشع أي رق قلبه»، كلها من معاني «خشع». فالخشوع يكون في رقة القلب، وفي دمع العين، وفي تغير الصوت. وأما ما يكون من خضوع البدن، فلا يقال: «خشوع»، وإنما يقال: «تذلل وخضوع»، تذلل وخضوع. فالسجود من معاني التذلل والخضوع. فمن كمال التعظيم: يسقط العبد لربه خاضعًا متذللًا، خاضعًا متذللًا، مفتقرًا إليه سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، علم أنها عبادات عظيمة، لا يمكن أن تصرف لغير الله. وإذا صرفت لغير الله، كانت من الشرك الأكبر. فهذا الذي يخضع لغير الله ويخشع ويرغب ويرهب، وقع في الشرك الأكبر، الذي لا يجوز أن يصرف إلا لله. فإذا صرف لغير الله، كان من أعظم الكفر والردة. قال رحمه الله: «قال: قوله: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، يعني: الأنبياء الذين سماهم الله في هذه السورة، يبادرون ويسابقون في عمل القربات والطاعات؛ لأن الخيرات يعم أنواع القربات والطاعات، من واجبات ومن مستحبات». وهكذا كذلك في هذا دليل: أن من علامات تحقق التوحيد: المسارعة في الطاعات والإكثار من الخيرات. فمن لم يكن كذلك، فتوحيده ناقص؛ لأن رغبته ورهبته وخشوعه ناقص. ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن تبعهم من أهل العلم، أكمل الناس توحيدًا. ويتحقق ذلك في كمال خشوعهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قال رحمه الله: «قوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، أي: رغبًا في رحمته، في رحمة الله، ورهبًا من عذاب الله». وفي هذا دليل: أن عبادة العباد لله تكون بين الرغبة والرهبة، رغبة في خير الدنيا والآخرة، ورهبة من شر الدنيا والآخرة. وبهذا نعرف بطلان قول المتصوفة، الذين يزعمون أنهم يعبدون الله لحبه لا رغبة ورهبة، وهذا منافي لما دل عليه القرآن. بل حبًا ورغبة ورهبة، وهذا من كمال العبودية. ومن لم يحقق معنى الرهبة والرغبة، فهو ناقص في إيمانه بربه وعبادته لخالقه ومولاه سبحانه وتعالى. فدلت هذه الآية: أن هذه عبادات يجب أن تصرف لله سبحانه وتعالى، وصرفها لغير الله، أو عدم تحققها لله، من الكفر أو الشرك، على ما تقدم تفصيله فيما سبق. قال رحمه الله: «قوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، أي: خاضعين متذللين». فدلت الآية على أن هذه الثلاثة الأنواع من أجل أنواع العبادة. فمن صرف منها شيئًا لغير الله، فهو مشرك كافر، بنص هذه الآية؛ لأن عبادات تدل على التوحيد، لا يجوز صرفها إلا لله وحده، لا تجوز لغير الله. قال رحمه الله: «قوله: ودليل الخشية، قال: الخشية فعلة من خشية، خافة واتقى، فهي بمعنى الخوف، لكنها أخص منه؛ فهي الخوف المقترن بالعلم، يسمى خشية». ولهذا يرق القلب بالعلم، وتدمع العين بالعلم، وكذلك يتغير الصوت بالعلم. والخشوع من آثار الخشية، الخشوع من آثار الخشية. فالخشية: خوف مقترن بعلم، وهو من أجل العبادات، كما قال رحمه الله. قال: «وصرفها لغير الله شرك أكبر؛ لأنها من أجل العبادات، فإذا صرفت لغير الله صارت شركًا أكبر». ووجه الدلالة: أنها عبادة؛ كون الله عز وجل أمر بها، كغيرها من العبادات، ونهى عن صرفها لغيره، كما تقدم وسيأتي من أنواع العبادات. قال: «قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية، أي: لا تخشوا الناس، فإني وليكم، واخشون، وحدي؛ فإنه تعالى هو أهل أن يخشى وحده». فأمر تعالى بخشيته وحده، ونهى عن خشية غيره، كما في الآية الثانية: ﴿فَلَا تَخَافُوا النَّاسَ وَخَافُونِ﴾ الآية، إلى آخر الآية. قال: «أو اقرأ الآية». فدلت الآيتان وما في معناهما على أن الخشية عبادة من أجل العبادات، فصرفها لغير الله شرك أكبر. وهو كما قال رحمه الله. والآية توضح وتدل ذلك على ذلك، أي: الآية الثانية تفسر وتوضح الآية الأولى. وأن التوحيد يتحقق بإفراده سبحانه وتعالى. ولهذا كان فيها نفي وإثبات: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾، ﴿فَلَا تَخَافُوا النَّاسَ وَخَافُونِ﴾. فلا تخشوهم واخشون. فإذا خشيت الله وخشيت غير الله، كنت مشركًا. وإذا خشيت غير الله ولم تخش الله، كذلك مشركًا. وإذا لم تخش أحدًا، كنت كافرًا ملحدًا. والواجب: النفي والإثبات، أن تخشى الله ولا تخشى أحدًا سواه. والخشية كما تقدم: معنى من معاني الخوف، وهو أخص من الخوف؛ لأنه المقترن بالعلم. قال رحمه الله: «قوله: ودليل الإنابة، قال: أي: وأنها من أجل أنواع العبادات، وهي التوبة، بل أعلى من مقام التوبة». فإن التوبة: للإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، مع العودة إلى الاستقامة، فهو مأخوذ من معنى العود. فأنت تعود إلى ما كنت عليه من الاستقامة، وتتخلص مما كان منك من نقص. ولهذا تحقيقها يكون بشروطها. ومن أعظم شروطها كما قال: الإقلاع عن الذنب. فمن لم يقلع عن الذنب لم يرجع. لابد أن تقلع إقلاعًا صحيحًا صادقًا، كما قال العلماء: كاللبن إذا خرج من الضرع لا يرجع إليه، فكذلك خروج التائب من ذنبه كخروج اللبن من الضرع، لا يمكن أن يرجع إليه. وكذلك خروج التائب: من حدثته نفسه أو كانت رجله في التوبة، ورجله في المعصية، كالذي يقول بلسانه: «تبت»، وبفعله يكذب التوبة، هذا لم يقلع من الذنب. فرجل في التوبة ورجل في المعصية. وما أكثر أمثال هؤلاء! يقول بلسانه: «تبت»، وهو يعلم أنه كاذب؛ ففعله ليس في التوبة والإقلاع، فهذا من أول شروطها. وثانيها: قال: «والندم على ما فات». لابد من ندم، كما قال بعض أهل العلم: «ندمًا يورث انكسارًا من غير علة، ومرضًا من غير مرض». الندم الصحيح هو الذي يجعلك تتأسف أسفًا يظهر هذا على قولك وفعلك وحالك، فتكون صادقًا في توبتك. وهكذا من شروطها: العزم على أن لا يعود إليها. فإذا عزم أن يعود إليها، فهو كاذب. إنسان تاب في رمضان، وعزم إذا جاء شوال يرجع إلى ما كان عليه، ترك الدخان في رمضان، ترك الأفلام الماجنة والأغاني الساقطة في رمضان، لكن في نيته أول أيام العيد سينظر آخر الأفلام والجديد من الأغاني، وسيتمتع بالدخان، هذا في ذهنه وفي عزمه، إذن هل هذا صادق في توبته؟ هذا كاذب؛ لأن من شروط التوبة: العزم ألا يرجع إلى ما كان عليه من ذنب. فإذا كان عنده عزم في الرجوع، فتوبته غير صحيحة ناقصة. فإذا شروط التوبة ثلاثة كما ذكر. وإذا كان في حق لمخلوق، فبإرجاع هذا الحق والتخلص منه، من مال أو عرض أو غيره، فإذن يزداد شرط رابع، إذا كان في هذه التوبة حق لمخلوق. وهذه التوبة من العبادة التي لا يجوز أن تصرف إلا لله سبحانه. فطلبها من غير الله شرك وكفر، كما يفعل النصارى في توبتهم، ما يطلبونها من الله، لكن يطلبونها من المسيح ومن القسيس ومن غيره، لماذا؟ لأن هؤلاء علموهم شركًا وكذبًا، يدفع دنانير فيعطيه صكوك الغفران، يمسح ويربت على كتفه: «اذهب فقد غفر لك». يدفع كم دنانير للقسيس، ويقول: «اذهب قد غفر لك»، يربت على كتفه: «خلاص أنت التائب الآن، غسلت ذنوبك، رح افعل ما شئت». وإذا أردت شيء تعال ادفع كم، ويربت على كتفه، وقد تاب عليك. ومثله كذلك عباد القبور، ومثله عباد الأصنام. كان أهل الجاهلية إذا أسرف الرجل منهم، اكتفى أن يتوب بأن يقرب نذرًا لوثن من الأوثان، ويرى أن ذلك يغسل ما فعل من آثام، مهما قتل من الدماء أو سفك، أو انتهك من الأعراض، أو سرق من الأموال، فالآلهة غفرت له، الآلهة غفرت له. ومن الذي يؤكد له ذلك؟ سدنة الآلهة، يأتي سدنة الآلهة ويربتون عليه ويمسحون عليه، وربما أشربوه من غسلة ماء الوثن، أو أعطوه من خرقة ماء الوثن، أو أعطوه من تربتها، ما يؤكد أنه قد غفر له. ومثله اليوم: أحدهم يأتي في وقت الزيارة، وقد اعتقد أن حضور الزيارة الفلانية يغسل ذنوبه وخطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر، كما هو مدون في كتب الصوفية وعباد القبور. فجعلوا زيارة بعض المشاهد أعظم من الحج، كما يقولون: «زيارة هود مثل سبع حجات»، هكذا موجود في كتبهم. «زيارة هود مثل سبع حجات»، يعني إذا كانت في الحج سترجع كيوم ولدتك أمك، ففي زيارة هود سبع مرات، افعل ما شئت واذهب إلى زيارة هود وارجع وقد غفر لك ذنوبك، ولو كانت مثل زبد البحر. وهذا يذكرونه في كتبهم، وربما اعتقدوا في بعض الأشجار والأحجار، وبعض الأنهار، فمن شرب منها وتمسح بها، غفرت له ذنوبه، كعقيدة النصارى مثلًا بمثل. قال رحمه الله تعالى: «والإنابة تدل على ذلك، وتدل على الإقبال على الله بالعبادة، والإقبال على الله رجوعه عما لا ينبغي بالكلية، وقصده إلى ما ينبغي من رضاه». فإذا الإنابة إلى الله عبادة جليلة، تتضمن التوبة، تتضمن التوبة. فالتوبة تدخل في الإنابة، التوبة تدخل في الإنابة. قال: «قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية، قال: أي: وقبلوا إلى ربكم، وأقبلوا إلى ربكم، وارجعوا إليه بالطاعة، وأسلموا له، أي: أخلصوا له التوحيد، من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون». أي: بادروا بالتوبة إلى العمل الصالح، قبل حلول النقمة. وأمره تعالى عباده بالإنابة، ظاهر في أنها عبادة، وأنه يحبها شرعًا ودينًا. فصرفها لغير الله شرك أكبر. ويؤكده قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، فدل على أن عدم تحقيق الإنابة إليه، من عدم الإسلام له. فمن لم ينب إلى الله، فليس بمسلم، وليس بمستسلم لله سبحانه وتعالى. فهو يتناول معنى الإسلام والإخلاص بالتوحيد، والاستقامة على الدين والشرع. فالمخلص والموحد والمستقيم على الشرع، من حقق خصال الشرع، والذي منه الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. وتأمل أهل التوحيد إذا أذنبوا، أنابوا إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى. وأما أهل الشرك، فإنهم ينيبون إلى من يشركون به، فأهل الأوثان إلى الأوثان، وأهل الصليب إلى الصليب، وأهل القبور إلى القبور. وأما أهل التوحيد، فإلى الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.