شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا  4

شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا 4

الدرس في شرح رسالة هذه دعوتنا وعقيدتنا 4، الدرس الرابع:(9-لا نقبل من كتب الفقه ومن كتب التفسير ..إلا ما ثبت عن الله أو عن رسول الله ... 14-لا نرى الخروج على حكام المسلمين ..). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية التصفية في جوانب الدين المختلفة

يؤكد الشيخ على أهمية التصفية في جميع جوانب الدين، بما في ذلك العقائد والفقه والعبادات والمعاملات. يشدد على ضرورة الأخذ بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة وترك ما خالف ذلك.

معالم أهل السنة والجماعة في التعامل مع النصوص الدينية

يؤكد المقطع على أهمية الإسناد الصحيح في الدين الإسلامي وضرورة التصفية للأخبار والروايات. كما يبين معالم أهل السنة والجماعة في مسائل التكفير والتعاون مع المسلمين.

عدم جواز الخروج على الحكام المسلمين ومفهوم الجاهلية

يناقش المقطع مفهوم الجاهلية ودعوة الإسلام، ويؤكد على عدم جواز الخروج على الحكام المسلمين لما في ذلك من إفساد للمجتمع. يستند إلى أدلة من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.

مراحل تطور الاشتراكية وتأثيرها على الدين

يشرح المقطع أن الاشتراكية تمر بمراحل مختلفة، تبدأ بمرحلة فكرية تسمح بوجود مظاهر التدين وتنتهي بالكفر والإلحاد ومحاربة الدين. يبين أن الصراعات داخل أوساط الاشتراكية تعكس مظاهر تلك الأفكار الضالة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: ولا نقبل من كتب الفقه ومن كتب التفسير ومن القصص القديمة ومن السيرة النبوية إلا ما ثبت عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس معناه أننا ننبذها أو نزعم أننا نستغني عنها، بل نستفيد من استنباطات ونستفيد من استنباطات علمائنا الفقهاء وغيرهم، ولكن لا نقبل الحكم إلا بدليل صحيح. كذلك مما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ومما يقتضيه الإسلام الصحيح، وما عليه أهل السنة والجماعة، أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح، التقيد بالدليل بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾. ومن ذلك أمر التصفية، سواء أنا كان في العقائد أو كان في الفقه والعبادات والمعاملات، أو كان في المنهاج والسلوك، أو كان في الأخلاق وغير ذلك من جوانب الدين الكثيرة. وهذا هو مقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فما هو المخرج من هذا الاختلاف الكثير؟ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فقد اختلف الناس في العقائد، فمن أين نأخذ عقيدتنا؟ من الكتاب والسنة. وهذا من فضل الله على أهل الإسلام، أن الله عز وجل تكفل بحفظه لأهله، بينما حفظ دين أهل الكتاب، ووكل إلى أهل الكتاب فحرفوه. وأما هذا الدين، فقد تكفل الله بحفظه، وأمرنا بأخذه من مضانه، فحفظ الله عز وجل هذا الدين بحفظ كتابه، وحفظ سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا كان من سنة أهل الإسلام أن لا يقبلوا قولًا إلا بشاهدي عدل، ما هما؟ الكتاب والسنة. لا يقبلوا قولًا في العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو أي جانب من جوانب الحياة إلا بدليله وحجته وبرهانه. وهذا هو الذي به يبقى صفاء أهل الحق. ومن أخطأ في هذا الباب، دخلت عليه من الضلالات الشيء الكثير. فمن لم يميز هذا الأصل العظيم، ظل سواء في باب العقائد أو كذلك في باب الفقه، عبادات ومعاملات، أو في سائر جوانب هذا الدين. وقد تقدم معنا في مسألة علم الكلام، كيف ظل من ضل حين أخذوا دينهم بالعقلانيات وبفلسفة من سبقهم من الأمم السابقة، فظلوا. وهكذا كذلك الفقه، إذا أخذ بالرأي أو أخذ بالتقليد، فإنه سبب للضلال، والضلال قد يكون شيئًا كبيرًا، وقد يكون شيئًا صغيرًا، وكله ضلال. قد يظل الإنسان في دينه بأكمله، وقد يظل في مسألة. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما صح عنه في الأحاديث الكثيرة الصحيحة: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر واحد». وهذا معناه أننا نأخذ بصواب المجتهد، ونترك خطأه. نأخذ بصواب المجتهد، ونترك ماذا؟ خطأه. فالعلماء والفقهاء الذين اجتهدوا في مسائل التفسير والفقه وغيرها من تفاصيل مسائل الدين، هم بين صواب وخطأ. فما وافق الحق، فهو الصواب نستفيد منهم، ونأخذ عنهم. وما خالف الحق، فهو خطأ يترك، مع حفظ مكانتهم ومنزلتهم، ما داموا من أهل الإسلام، أهل السنة والجماعة. وهذا هو المنقول عن الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام. فيقول الإمام الشافعي، رحمه الله: «إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارموا بقولي عرض الحائط». ويقول أحمد، رحمه الله: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا»، يعني من المعين الصافي، من الكتاب والسنة. وكما قال رحمه الله: هذا معناه الحرص على الدليل والحج والبرهان. وليس معناه أننا نستغني عن علمهم واستنباطاتهم، بل نحن نستفيد من علمهم واستنباطاتهم. ولهذا فنحن نغتني كتب علماء الإسلام، ونستفيد منها، ونقرأ فيها، مع الحرص على متابعة ما وافق الحق والدليل والحج والبرهان. ويأتي هنا سؤال: هذا بالنسبة لمن يحسن الاستنباط ومعرفة الراجح من المرجوح، فما حال من لا يحسن ذلك؟ الجواب عليه أن يجتهد في معرفة الحق ممن يغلب على ظنه أنه أعرف بالحق. وهذا يدخل في عموم سؤال أهل العلم، كما قال سبحانه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. قد يسميه بعض الناس التقليد الجائز، وقد يسميه بعض الناس سؤال العالم ومتابعته فيما جاء به نص الدليل. والأمر في هذا واسع، فهذا من المأذون فيه. قال رحمه الله: لا نكتب في كتاباتنا، ولا نلقي في دروسنا، ولا نخطب إلا بقرآن أو حديث صالح للحجية. ونكره ما يصدر من كثير من الكتاب والواعظ من الأقاصيص الباطلة، ومن الأحاديث الضعيفة والموضوعة. كذلك من التصفية: تصفية هذا الدين مما دخل فيه من الكذب، سواء بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو القصص والمواعظ الساقطة التي لا تصح، وهي هي من الأباطيل. وما أكثر ذلك فيما يكتب ويخطب به. ولذلك صار كذلك من صفات أهل هذا الدين، مما جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة: الحذر من كل دخيل يدخل على أهل الإسلام. وقد قال عليه الصلاة والسلام، وهو إمامنا وقدوتنا: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين». وفي رواية: «فهو أحد الكاذبين»، رواه مسلم في مقدمة صحيحته عن أبي هريرة، رضي الله عنه. وفي هذا التحذير من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير تثبت، فكيف بالكاذب؟ فهو من باب أولى أنه لا يجوز. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي، فليتبوأ مقعده من النار». وفي رواية صحيحة، رواه الإمام مسلم: دون قوله «متعمدًا». وفي رواية أخرى في الصحيحين: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار». وقد روي عن عدد من الصحابة، وهو من الأحاديث المتواترة، وكلها أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، توجب التحذير في رواية شيء لم يصح عنه عليه الصلاة والسلام. وأن من فعل ذلك، فلينتظر لنفسه مقعدًا في نار جهنم، والعياذ بالله. ولهذا كان الصحابة يشددون في رواية الحديث، حتى كان عمر، رضي الله عنه، يطلب بمن يحدث بشاهد يشهد له حفظًا، وصيانة لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما صح عنه في قصة أبي موسى وأبي سعيد المشهورة في حديث الاستئذان. وهكذا كذلك، وهو في الصحيح. وهكذا كذلك جاء عن الصحابة، وعن من اتبعهم بإحسان، التشديد في هذا الباب، كل ذلك صيانة وحماية لهذا الدين، ألا يدخل فيه شيء مما ليس منه. ومن باب أولى: تلك القصص المكذوبة، والمواعظ المختلقة، التي ربما يقول بعض الناس: يقصد منها الترغيب والترهيب، وهي ليس فيها شيء صحيح. فهو من هذا الباب الذي يجب أن يترك، لأن هذا الدين دين مبني على الصحيح المنقول عن الله عز وجل. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾. ولهذا كان الإسناد من الدين، الإسناد من الدين. فلا دين بدون إسناد. وهو من خصائص أهل الإسلام، أن دينهم مأخوذ بإسناد مسند. ولهذا كان علم أهل السنة والجماعة، أهل الإسلام الحق، أهل الحديث والأثر: موروث. وعلم أهل البدع والضلالة، كعلم أهل الكتاب: علم مستحدث، مختلق، مخترق، مليء بالكذب والزور والضلالات، والقصص والأباطيل التي لا تصح، كحال أهل الكتاب. وأما أهل الإسلام الحق، الإسلام الصافي، أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح، أهل الحديث والأثر، فدينهم صافي نقي، كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك لو سألت سنيًا في مسألة من مسائل العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو الأخلاق أو السلوك، لوجدت لكل مسألة حجة ودليل وبرهان. ولو سألت مبتدعًا أو ظالمًا، ومثله الكتاب ممن ظل من أهل الكتاب عن دينه، لم يجد لذلك حجة ولا دليلًا ولا برهانًا، وإنما ذوق أو رؤى ومنامات، أو أشياء ليست مسندة ولا صحيحة، من جنس أخبار بني إسرائيل. وهذا من الفارق بين أهل السنة والجماعة، وغيرهم من من ضل. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: مسألة التصفية، تصفية الأخبار، سواء أكانت مكتوبة أو مخطوبة، مما لا يصح نسبته لهذا الدين، في جميع جوانب ومسائل الدين. قال رحمه الله: وها هنا تنبيه، هل يجوز رواية الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال؟ الصحيح أنه لا يجوز رواية الأحاديث الضعيفة، حتى في فضائل الأعمال. وقد ذكر بعض العلماء أربعة شروط معروفة، مذكورة في كتب مصطلح الحديث، وشروح الحديث، لمن أراد أن يرويها في فضائل الأعمال. وهي لمن تأملها ودقق النظر فيها، تنتهي إلى ما سبق القول به: أنه لا يجوز التحديث بها، إذ من هذه الشروط: أن لا يعتقد صحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكفى بهذا تركًا للأخذ به في هذا الباب، ومن باب أولى غيره من الأبواب الأخرى. قال رحمه الله تعالى: «ولا نكفر مسلمًا بذنب إلا الشرك بالله أو ترك الصلاة أو الردة، أعادنا الله وإياكم من ذلك». ومعنى أن باب التكفير يجب أن يضبط بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فلا يجوز أن يكفر مسلم إلا بما صح به الدليل، مما يقتضي كفره. ومن ذلك الشرك بالله، كما قال الله عز وجل في كتاب الكريم: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. والآيات في هذا الباب كثيرة. ومنها ترك الصلاة، كما قال الله عز وجل: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبد الله: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وقال كما عند أبوداود وغيره، بإسناد حسن: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وهكذا الردة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه»، وغيره من الأدلة الكثيرة. فمعناه أن من علامات أهل الحق، أتباع السلف الصالح، أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون مسلمًا إلا بدليل صحيح صريح، دل عليه نص الكتاب أو السنة. ولهذا كان من علامة أهل البدع: أحد أمرين، وطرف نقيضين: أنهم يكفرون من لم يكفره الله ورسوله، كالخوارج. ومن سلك مسلكهم من عامة الوعيدية، الذين غلبوا أدلة الوعيد. وللخوارج أتباع إلى قيام الساعة، كما صح في حديث ابن عمر: أنهم لا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك في مقابل هؤلاء: المرجئة، الذين لا يكفرون أحدًا، ولو ثبت كفره. وهذا باطل وخطأ. والصواب ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة: أن من وقع في الكفر، ولم يكن له عذر، فهو كافر. فلا ينفع الإسلام مع وجود الكفر، فإن الكفر يبطل الإسلام، كما أن الحدث يبطل الطهارة. وأهل السنة والجماعة، أهل الوسط الحق، فهم أهل هدى بين ضلالتين، أهل هدى بين ضلالتين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: ضلالة أهل الغلو، وضلالة أهل التفريط. ثم قال رحمه الله: ونؤمن بأن القرآن كلام الله غير مخلوق. هي من مسائل الصفات. ونص العلماء عليها لوقوع الضلال فيها في طوائف وفرق كثيرة. وقد وقعت فيها محنة القرآن المشهورة في زمن الإمام أحمد، رحمه الله. وأدلة الكتاب والسنة دلت أن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال الله عز وجل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، فسمى القرآن كلامًا له سبحانه وتعالى. وقال جل وعلا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ففرق بين الخلق والأمر. ومنه أمره الشرعي، وهو القرآن. وقد استدل الإمام أحمد، رحمه الله، بهذه الآية، أي الثانية، بالآية الأولى على أن القرآن كلام الله، وبالآية الثانية على أنه غير مخلوق. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بدعائه: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». ومن كلمات الله القرآن. وهل يجوز أن يتعوذ بمخلوق؟ الجواب: لا. ولهذا استدل الإمام أحمد، رحمه الله، بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق، إذ لا يجوز التعوذ بمخلوق. فهو من حيث الدليل والتعليل، ومن حيث النقل والعقل، لا شك ولا ريب أن القرآن كلام الله، وهو غير مخلوق. فصفة الخالق ليست بمخلوقة. ولهذا مباحث وتفاصيل مذكورة في كتب العقائد، لكن هذا على وجه الاختصار. ثم قال رحمه الله: ونرى وجوب التعاون مع أي مسلم في الحق. ونبرأ إلى الله من الدعوات الجاهلية. كذلك من عقيدة ودعوة أهل السنة والجماعة، أهل الإسلام الحق، أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح: أنهم يرون التعاون مع أي مسلم في الحق، كما قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. وهذا دلت عليه أدلة الكتاب والسنة الكثيرة، وهو مما تقتضيه عمومات الشريعة. والناس بهذا طرفان ووسط. فالخوارج والوعيدية عمومًا لا يرون التعاون مع مسلم وقع منه في المعصية، وفجور، بل أعظم من هذا ما سيأتي ذكره في المسألة الآتية. وأما أهل الإسلام، فهم يرون ذلك بنصوص الكتاب والسنة الكثيرة. وفي مقابل هؤلاء: المرجئة، ومن سلك مسلكهم، وكان قريبًا منهم، ممن يرون التعاون مع كل مسلم، ولو في الباطل، ولو أن يبقى معه في باطله. وهذا باطل. بل أدلة الكتاب والسنة دلت على هذا التفصيل. وهذا هو الهدى بين الضلالتين، والوسط الحق الذي وصف الله عز وجل به أهل الإسلام الحق، بقوله سبحانه: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾. جاء في الحديث في الصحيح، في البخاري وغيره: «الوسط العدل الخيار». وقوله: ونبرأ إلى الله من الدعوات الجاهلية، أي مما ينافي الإسلام، ولو صدر ممن ينتسب إلى الإسلام. قد يصدر هذا من بعض من ينتسب إلى الإسلام، فنحن نتبرأ إلى الله من دعوته الجاهلية. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبرأ من ذلك، كما في حديث ابن عباس وغيره، في البخاري وغيره. فالدعوة الجاهلية، سواء كانت في العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو الأخلاق أو السلوك أو غير ذلك، غير جائزة في الإسلام. والمراد بالجاهلية: كل ما خالف الإسلام، مما مصدره الجهل، سواء كانت الجاهلية الأولى، فيما هو قبل الإسلام، أو كانت الجاهلية التي هي بعد ذلك، ولو كانت حتى في هذه العصور التي تسمى بعصور الحضارة وعصور العلم. لأن العلم الحقيقي والحضارة الحقيقية هي بالتزام دعوة الإسلام. وأما علوم دنيوية تفضي إلى كفر وإلحاد، فهو من الجاهلية، فهو من الجاهلية التي هي مصدرها الجهل والبعد عن الدين الذي أمر الله عز وجل به الناس. والواجب على أهل الإسلام: لزوم دعوة الإسلام، التي فيها الخير لهم في الدنيا وفي الآخرة. والعجب أن بعض الناس ربما يجعل أحكام الإسلام ودعوة الإسلام: دعوة وأحكامًا فيها التقييد على حرية الإنسان. وليس الأمر كذلك. بل لو تأمل بإنصاف، لوجد أنها أحكام وتشريعات محكمة متقنة، كفيلة بسلامة وسعادة هذا الإنسان في الدنيا وفي الآخرة. لو أن أحدًا علق لوحة، وقال: يمنع سلوك هذا الطريق، لأنه فيه متفجرات وألغام، ماذا سيقول الناس عن هذه اللوحة، ومن كتبها؟ سيقولون: شكر الله له، جزاه الله خيرًا، لماذا؟ لأنه حذرهم من شيء يضرهم. هل سيقولون: حصر حريتنا، وحد ما نريده من شهوات أنفسنا؟ أم سيشكرون له صنيعه، وعندهم من الطرق الأخرى المباحة الكثيرة ما يغنيهم عن هذا الطريق الخطر؟ فكذلك في عقائد الناس، وكذلك في عبادات الناس. أمر الله عز وجل بما أمر، ونهى عز وجل عما نهى، سلامة لهذا الإنسان، وطلبًا لسعادته في الدنيا وفي الآخرة. ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فهم قاسوا بعقولهم الخاسرة الكاسدة، مقاييس باطلة، لا توافق الشرع، ولا يقرها العقل، لو تأملوها بإنصاف. فمن حرم على الإنسان الكفر، وحرم عليه المسكرات والمخدرات، وغيرها مما يضر بهذا الإنسان، هل حصر حريته؟ أم أراد به السلامة والسعادة، بتجنيبه ما يضره في دنياه وأخرى؟ الجواب: لو كان بإنصاف هو الثاني. قال رحمه الله تعالى: ولا نرى الخروج على حكام المسلمين مهما كانوا مسلمين. ولا نرى الانقلابات سببا للإصلاح، بل لإفساد المجتمع. أما حكام عدن، فنرى قتالهم واجبًا، حتى يتوب من الإلحاد، ومن الاشتراكية، ومن دعوة الناس إلى عبادة لينين وماركس، وغيرهما من زعماء الكفر. ثم علق الشيخ: وكانت هذه الرسالة قبل جلاء فكر الاشتراكية الماركسية من أهل عدن. ثم قال معلقًا بعد ذلك: وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. أما الآن فالحكومة مسلمة. وهذا أصل آخر من أصول أهل الإسلام، مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وما عليه أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح، أهل الحديث والأثر: أنهم لا يرون الخروج على حكام المسلمين، ما داموا مسلمين. لا يجوز الخروج عليهم، ما داموا مسلمين، لنصوص كثيرة من الكتاب والسنة. فقد أمر الله عز وجل بطاعة ولاة الأمور، قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. وهكذا صحت إلى حديث الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ابن عمر، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، في طاعة ولاة أمور المسلمين، ما داموا مسلمين. وأنه لا يجوز نزع يد من طاعة، فضلًا عن الخروج عليهم، فضلًا عن الخروج عليهم، إلا أن يرى المسلم كفرًا بواحًا، عنده من الله برهان، كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك فيراعي المصلحة من المفسدة. فلو كان هناك الكفر البواح، ولكن لا تقتضي المصلحة الخروج على هؤلاء، لضعف المسلمين، فهل يجوز الخروج عليهم؟ الجواب: كذلك لا يجوز الخروج عليهم. ومن هذا الباب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، من أين؟ من مكة إلى المدينة. ومن هذا الباب: ما أمر به العلماء قديمًا وحديثًا، من هجرة المسلمين المستضعفين من بلاد تسلط عليها الكفار والمرتدون، إلى بلاد أخرى، يجدون فيها الفسحة في إقامة دينهم. وليس هذا من الضعف، ولا من الخور، ولكنه من الحكمة، حتى يسلم المسلم بدينه، وبنفسه، وماله، وبعرضه. وهذا هو حقيقة الدين: مراعاة المصالح من المفاسد. فمن باب أولى: أنه لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم، ولو كان عنده ما عنده من الفسوق والفجور، ما دام مسلمًا. ليس مجاملة لهؤلاء الحكام، كما يزعم أهل الباطل والضلال، حين يتهم أهل السنة والجماعة. ولكنه طاعة لله ورسوله، وقربة، وعملًا بدين الله، ولما فيه من صلاح الدنيا والدين. فإن أهل السنة والجماعة بيّنوا بأدلة الشرع، وهكذا كذلك العقل والواقع والحس: أنه لم يخرج طائفة إلا وكان عاقبة أمرهم في الخروج أشد مما كانوا عليه. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وذكر بعده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وغيرهم من الأئمة والعلماء، في كتبهم الكثيرة المنثورة في جوانب كثيرة. ولهذا قال رحمه الله: ولا نرى الانقلابات سببا للإصلاح، بل لإفساد المجتمع. وصدق رحمه الله. انظروا إلى الانقلابات قديمًا وحديثًا، هل أصلحت شيئًا؟ الجواب: لا، بل أظهرت الفساد الكبير. وكما قيل: ما أشبه الليلة بالبارحة. فما يسمى اليوم بالربيع العربي، والثورات العربية: كفيلة وشاهدة على صدق ما يحذر منه أهل السنة من الانقلابات، ومن الثورات والمظاهرات التي عاقبتها الشر لمجتمعات المسلمين، والتي لا يستفيد منها إلا أعداء هذا الدين. ثم ذكر الشيخ مستثنيًا حكام عدن، ووجوب قتالهم، لما كانوا على الكفر والاشتراكية، وذلك لأنهم أهل ردة. وأما بعد تركهم هذا الكفر والإلحاد، فكما قال رحمه الله: أما الآن فالحكومة مسلمة. ونأسف أن يوجد في المسلمين من لا يدرك هذا التفصيل، ومن لا يعرف حقيقة مذهب الاشتراكية الكفري. ومن ينادي بعودة مثل هذا الفكر الذي هو من أعظم معاني الكفر في العالم المعاصر. ويخطئ من يقول: نريد اشتراكية إسلامية. هل في الإسلام شيء اسمه اشتراكية؟ بل هذا من أسلمة الكفريات. وما نادى به بعض من ينتسب للإسلام بالاشتراكية الإسلامية، هذا جهل بحقيقة الاشتراكية، وجهل بحقيقة الإسلام. وإلا فلا يجتمع إسلام واشتراكية، بهذا المذهب الذي عليه هؤلاء أهل الكفر. بل حقيقة دعوة هؤلاء: الإلحاد الذي لا ينافي دين الإسلام فقط، بل ينافي دين جميع الأنبياء والرسل، حتى اليهود والنصارى. أول من أحدث هذا الفكر: كما ذكر هو كارل ماركس، الذي أصله يهودي ملحد، أصله يهودي ملحد. ثم أخذ الفكر عنه آلينين، الذي نشر هذه الاشتراكية الشيوعية. وهي تمر بمراحل معروفة معلومة، يجهل حقيقتها الكثير من الناس. يجهل حقيقتها الكثير من الناس. بعض الناس يقول: كنا في زمن الاشتراكية، نصلي وكنا وكنا. فيقال: أنتم لم تدرسوا حقيقة الاشتراكية. فالاشتراكية تمر بمراحل، فمن مراحلها: المرحلة التي يسمونها بالأيديولوجية، المرحلة الفكرية، التي يسمح معها بوجود بعض مظاهر التدين. وهي تمر بمراحل، منتهاها الكفر والإلحاد، ومحاربة كل شيء يتصل بهذا الدين. وما تلك الصراعات التي حصلت في أوساط أهلي هذا الفكر، إلا قليل من كثير من مظاهر تلك الأفكار الضالة المنحرفة الملحدة، التي تنافي كل المنافاة دين الإسلام. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، وجزاكم الله خيرًا.