الدرس الخامس:(15-نرى هذه الجماعات المعاصرة المتكاثرة سببا لفرقة المسلمين...17-وأما جماعة التلبيغ..إنهم غير مستعدين لطلب ويرون الوقت الذي يصرف في طلب العلم ضائعاً وفيهم غير ما ذكر ).
يتناول التحذير من الجماعات المعاصرة المتكاثرة التي تسبب الفرقة والضعف بين المسلمين، ويستشهد بنصوص الكتاب والسنة التي تحذر من التفرق والتحزب. يشير إلى أن هذه الجماعات تفتقر إلى المنهج الصحيح وتتجه نحو السياسة والوصول إلى السلطة بأي وسيلة.
يناقش ضلالات بعض الجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ، ويحذر من الانخراط فيها لما فيها من بدع ومخالفات شرعية. يشدد على أهمية إصلاح الشعوب بالدعوة والتربية والعلم النافع والعمل الصالح لضمان ولاية صالحة.
ينتقد منهج جماعة التبليغ لتركيزهم على فضائل الأعمال دون الاهتمام بالتوحيد والعقيدة، ويبين أن دعوتهم مبنية على البدع والجهل. يتركون الدعوة إلى التوحيد ويتلونون مع مختلف الفرق والطوائف، ويزهدون الناس في طلب العلم النافع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه ورسالته «هذه دعوتنا وعقيدتنا»: قال رحمه الله: «ونرى هذه الجماعات المعاصرة المتكاثرة سببًا لفرقة المسلمين وإضعافهم، وإضعافهم كذلك مما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ومما جاء في دين الإسلام وما عليه أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح أهل الحديث والأثر، تحذير الفرقة، التحذير من الفرقة بكل معنى من معانيها. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فجعل من أعظم صفات أهل الشرك التفرق والتحزب، ومن أعظم صفات أهل الإيمان الاجتماع. ولهذا سمي أهل الحق أهل السنة والجماعة، فهم أهل الاجتماع والإتلاف، وأهل الباطل من المشركين والكافرين ومن تشبه بهم من المارقين والمبتدعين أهل فرقة واختلاف. فلذلك صار أهل الحق يحذرون من التفرق بكل من صوره. ومن ذلك الجماعات المعاصرة المتكاثرة التي ابتليت بها المجتمعات في زمن الشيخ رحمه الله وإلى زماننا هذا. فهناك جماعات كثيرة، سواء تنتسب للإسلام أو تنتسب لمذاهب وتقاليد وأفكار شرقية وغربية قديمة وحديثة، كلها وإن وجدت في أوساط المسلمين لا تمثل الإسلام في شيء، بل الإسلام من ذلك بريء. لأن نصوص الكتاب والسنة تحذر من الفرقة والاختلاف، ولو ادعت بعض تلك الجماعات نصرة الإسلام وإرادة الخير للمسلمين، فإنه في الحقيقة ليس هذا طريق نصرة الإسلام، بل لا يزيد ذلك أهل الإسلام إلا شرًا فوق شرهم وتفرقًا فوق تفرقهم. وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع رجلاً يقول: «يا للأنصار»، وقال الآخر: «يا للمهاجرين»، مع أن شعار الأنصار والمهاجرين ممدوح، أثنى الله عز وجل عليه بكتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وكم ذكر الله عز وجل المهاجرين والأنصار في كتابه. لكن إذا صار ولاء وبراء ضيق، وصار سببًا للاختلاف والتفرق، فهو مذموم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أبي دعوة الجاهلية»، وأنا بين أظهركم. فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات. فلو ادعت جماعة أنها جماعة إسلامية تنصر الإسلام، فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات والدعايات. الحقيقة أن هؤلاء عندهم ولاء وبراء ضيق، وعندهم تفرق وتمزق، وشق عصى المسلمين. وإلا فالأصل دولة مسلمة، جماعة مسلمة، يجب أن يكونوا جميعًا أمة واحدة، لا حاجة للمسلمين لهذه الأحزاب والفرق التي ما هي إلا عبارة عن تبعية مقيتة لأعداء الدين الكافرين، بحجة الحريات والوطنيات وغير ذلك من المسميات. وهي بين أمرين، كما قيل: أحلاهما مر، إما أن تكون عبارة عن جماعات صورية لا تقدم ولا تؤخر، يقصد بها فقط تمويه المجتمع، فالحكم أولًا وأخيرًا للسلطة ومن فيها، فهو تحسيل حاصل لا فائدة منه. وإما أن يكون له معنى حقيقي، ومعنى ذلك التفرق والتمزق والولاء والبراء الضيق، وتقسيم المسلمين، والمسابقة في استكثار كل جماعة بأتباعها وأعضائها، وهذا هو عين التفرق المذموم الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عنه. ولأجل هذا وغيره حذر العلماء قديمًا وحديثًا من هذا التفرق والتمزق بكل صوره من صوره. قال رحمه الله تعالى: «ونرى دعوة الإخوان المسلمين غير قادرة وغير صالحة لإصلاح المجتمع، إذ قد أصبحت دعوة سياسية لا روحية، وأيضًا دعوة مبتدعة؛ لأنها دعوة إلى مبايعة مجهول، ودعوة فتنة؛ لأنها قائمة على جهل وسائرة على جهل. وننصح بعض الإخوة العاملين فيها من الأفاضل بالتخلي عنها حتى لا يضيع وقتهم فيما لا ينفع الإسلام والمسلمين. وعلى المسلم أن يكون همه أن الله ينصر الإسلام والمسلمين». بعد أن ذكر الإجمال ذكر شيئًا من التفصيل، وكونه يذكر جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ كما سيأتي إن شاء الله، فغيرها مما هو أشد منها من باب أولى. فهاتان الجماعتان من الجماعات التي تنتسب للإسلام وتدعي نصرة الإسلام، وعند تحقيق الحق وجد أنها جماعات أضرت بالإسلام والمسلمين أكثر مما نفعت. لو لم يكن إلا أنها كانت سببًا للولاء والبراء الضيق الذي حذر الله عز وجل منه، وللتفرق والتمزق للمسلمين الذي حذرت نصوص الكتاب والسنة منه، لكان كافيًا في ذمها والتحذير منها. فكيف وقد تضمنت هذه الجماعة في فكرها ومنهجها وسيرها وقواعدها وأصولها أصولاً كثيرة تنافي أصول الإسلام ونصوص الكتاب والسنة، سواء أكان في العقيدة أو كان في العبادة أو كان في المعاملة أو كان في المنهاج والسلوك. ومن أعظم ما يميز ضلال هذه الفرقة حرصها على السياسة والوصول إلى الكرسي ولو على حساب ثواب الدين، المهم يصلون إلى الكرسي، وكيف تكون لهم الأغلبية الساحقة والغلبة السياسية، بحلال أو بحرام، بطريق مأذون أو طريق ممنوع، لا يبالون بذلك. وعند ذلك اختلقوا القواعد المحدثة والأصول الفاسدة التي هي من أصول أهل الباطل، بل كما يسميها العلماء هي من أصول إبليس: «الغاية تبرر الوسيلة». قالوا: غايتنا حسنة، فلا بأس أن تكون الوسيلة سيئة. فوقعوا في محاذير كثيرة ذهبت هويتهم الإسلامية، فتنكروا للإسلام عقائد وعبادات وأخلاق ومعاملات ومظاهر وسلوكيات، على قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة». فهم يريدون الوصول إلى الكرسي، ممكن يتحالفون مع يهودي أو نصراني أو رافضي أو باطني أو حتى إبليس، ما دام هذا يوصلهم إلى الكرسي ويكثر سوادهم. وفي أي شرع أو دين يقال أن هذا المنطق منطق صحيح؟ وبأي ميزان أو حجة أو برهان يقال أن هذا منهج صحيح؟ بل هذا منهج فاسد وطريقة منحرفة، تدل على بطلانها أدلة كثيرة من نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة. وعند ذلك صارت هذه الجماعة متبنية لأفكار متناقضة ومذاهب مختلفة؛ لأن المقصود عندهم الوصول إلى الكرسي. ومع هذا كله لم يصلوا إلى ما أرادوا، لم يصلوا إلى ما أرادوا، بل كما قال شيخنا رحمه الله في بعض دروسه، كما سمعناه منه غير مرة، وربما دون في بعض محاضراته المفرغة: «أنهم لو قدر أن وصلوا إلى الكرسي لم يستطيعوا أن يحكموا الناس بالإسلام». أولًا لأنهم ليسوا أهلًا للحكم بالإسلام، فهم أهل جهل بالإسلام، لم يتفرغوا يومًا من الدهر للعلم والتعليم، فلم يعرفوا بالعلم والتعليم، وفاقد الشيء لا يعطيه، كيف يحكمون بالإسلام وهم من أجهل الناس بالإسلام؟ فـ«علماؤهم» فضلًا عن مثقفيهم وعن صغار طلبتهم من أجهل الناس بدين الإسلام. فتجد كبير «علمائهم» يجهل العقيدة السلفية الصحيحة التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة والإسلام الصحيح، ربما يكون أشعريًا أو قبوريًا أو من الطرق الصوفية الرفاعية أو غيرها، وهو محسوب من «علماء الإخوان المسلمين»، فضلًا عن ضلالات في جوانب كثيرة من جوانب الدين. وأمثال هؤلاء كيف يستطيعوا أن يحكموا بالإسلام؟ ثم لو قدر أنهم استطاعوا أن يصلوا وعندهم الكفاءة في ذلك، فالحقيقة أن الشعوب إذا لم تصلح لا ترضى أن تحكم إلا بما تهوى. وصدق من قال: «كما تكونون يولى عليكم». فإن ولاية الناس تكون بحسب ما هم عليه. ولذلك كانت الطريقة الصحيحة في إصلاح الشعوب هي طريقة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بالدعوة والتربية والتصفية والعلم والتعليم، وبث معاني العلم النافع والعمل الصالح الذي يصلح الله عز وجل بذلك العباد والبلاد. فإذا صلحت هذه الشعوب، فعند ذلك يصلح الله عز وجل بإذن الله أئمتها ولاة أمورها. وكما قيل: «ما أشبه الليلة بالبارحة». ما كان يحدث به شيخنا رحمه الله في تلك الأيام وقع، فكم قد وصل الإسلاميون إلى المناصب والكراسي، ففشلوا فشلًا ذريعًا بوصولهم إلى تلك الكراسي والمناصب؛ لأنها حقيقة حتمية، فقد ساروا سيرًا خاطئًا، فكانت النهاية هو الخسران. وقد أشار رحمه الله إلى هذه المعاني بهذه العبارات الصغيرة المختصرة. فقوله: «قد أصبحت دعوة سياسية لا روحية» يعني لا تعتني بإصلاح الناس، وإنما غرضها وقصدها السياسة، ولو كان على حساب الدين، كما هو معلوم من حال هذه الجماعة. وقوله أيضًا: «دعوة مبتدعة؛ لأنها تتضمن عددًا من البدع، ومن هذه البدع تلك البيعة الجاهلية المجهولة». فكل واحد يبايع ولا يدري من يبايع، فقط يبايع «الأمير»، من هو «الأمير»؟ ما يدري من «الأمير»؟ وهي بيعة محرمة لا تجوز؛ لأنها بيعة على بيعة ولي أمر المسلمين، فهي بيعة جاهلية، وهي تدعو إلى فرقة واختلاف، ودعوة إلى الفتنة. ولهذا كان مآل هذه الجماعات الخروج على الحكام، سواء بلسان الحال أو بلسان المقال، وهذا هو الواقع من حال هذه الجماعات السياسية. وقوله: «لأنها قائمة على جهل وسائرة على جهل». لما تقدم، جماعة انشغلت بالسياسة وزهدت في العلم، كيف يمكنها أن تنجح؟ وإنما النصر بما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، بهذا العلم النافع والعمل الصالح، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مبينًا حقيقة دعوة رسوله ونبيه الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسبب ظهوره، بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، فظهور هذا الدين على سائر الأديان بماذا؟ بالهدى ودين الحق. وفسر «الهدى ودين الحق» بالعلم النافع والعمل الصالح. فبغير العلم النافع والعمل الصالح لا يمكن أن يكون ظهور لهذا الدين أبدًا، هذا حكم الله، ومن أحسن من الله قيلًا وحكمًا. وقوله رحمه الله: «وننصح بعض الإخوة العاملين فيها من الأفاضل بالتخلي عنها؛ لأن بعض الناس أخذتهم العواطف والحماسات». فإن جذبوا لهذه الشعارات الإسلامية وأخذتهم العواطف، فظنوا أنهم بانخراطهم في هذه الجماعات ينصرون الإسلام والمسلمين، وهم في الحقيقة يضيعون وقتهم ويضرون غيرهم. كما قال رحمه الله: «حتى لا يضيع وقتهم فيما لا ينفع الإسلام والمسلمين». وأكثر هؤلاء إما ممن لم يرسخ في العلم، أو ممن لا خبرة له ولا معرفة ودراية بهذه الجماعات وحقيقتها، خصوصًا وأن هؤلاء يأتون إلى الكثير من أهل العواطف بالحماسات، وكذلك التشنيع والتهم، فيجعلون المسألة إسلام وكفر، إما أن تنصر هذا الحزب وإلا فأنت مع الكفار، كأنه لا خيار ثالث. ما هذا باطل، وهذا باطل، كله من التفرق المذموم. بل الحق أن يعتزل المسلم تلك الفرق كلها، كما صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويلزم جماعة المسلمين وإمامهم. وقوله رحمه الله: «على المسلم أن يكون همه أن الله ينصر الإسلام والمسلمين» يعني كونك تعتزل هذه الجماعة لا يعني ذلك أنك لا تنصر الإسلام والمسلمين، فأنت تستطيع أن تنصر الإسلام والمسلمين بغير الانخراط في هذه الجماعات المنحرفة. ولو انتسبت للإسلام فبالعلم النافع والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، ونشر الأخلاق الكريمة، وتبصير الناس، وغير ذلك من الوسائل العلمية والعملية النافعة الصحيحة، تؤدي ما يجب عليك فيما يكون به نصر الإسلام والمسلمين، بخلاف ما يزعمه هؤلاء. فيزعمون أنك إذا لم تدخل معهم فأنت لم تنصر الإسلام والمسلمين، وأنت عدو للإسلام والمسلمين. قال رحمه الله تعالى: «وأما جماعة التبليغ، فإليك ما كتبه الأخ الفاضل محمد بن عبد الوهاب البصابي حفظه الله». فقال بعد أن ذكر جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة سياسية حركية معروفة، أول من أسسها حسن البنا، ولها الأصول المعروفة التي انتقدها العلماء، وألف فيها الكثير من علماء أهل السنة المؤلفات في التحذير من أصولها وبدعها وضلالاتها. انتقل إلى ذكر جماعة أخرى مشهورة في أوساط المسلمين، وهي جماعة التبليغ، وهي كذلك جماعة أخرى تدعو إلى فرقة المسلمين، بهذا الولاء والبراء الضيق والالتحاق بها، على حساب تفريق جماعة وكلمة المسلمين، مع ما تتضمنه هذه الجماعة من بدع ومخالفات وضلالات تنافي الإسلام الصافي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة، ولا إمة ومن تبعهم بإحسان. وقد ذكرها هنا على وجه الاختصار، هذه المخالفات التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب حفظه الله تعالى. وفي هذا فضل الشيخ الوالد محمد بن عبد الوهاب حفظه الله؛ فهو ممن لازم شيخنا في هذه البلاد من أول الدعوة، بل وقبل أن يأتي إلى هذه البلاد، فقد لازمه في المدينة في أثناء طلب شيخنا رحمه الله للعلم، فهو من كبار طلبة شيخنا حفظه الله تعالى. ولم أسمع شيخنا حفظه الله يسمي أحدًا من طلابه «شيخًا» أول ما سمى مثل ما سمى «الشيخ محمد بن عبد الوهاب» حفظه الله تعالى، ولا أدل على ذلك نقله عنه في هذه الرسالة، وهي رسالة قديمة. قال رحمه الله، فقال حفظه الله -يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي- عن جماعة التبليغ: «قال: يعملون بالأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، وما لا أصل لها. وكفى بهذا ضلالًا في التحذير من هذه الجماعة». جماعة لا تبالي بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها، فلا تستغرب حين تسمع بعضهم يحدث بأن الله خلق ... ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم طائرًا له سبع وسبعون لسانًا، ويتكلم بكل لسان بسبع وسبعين لغة، وبكل لغة يسبح الله سبع وسبعين تسبيحة، وغير ذلك من الخرافات والدجل الذي يحدثون به مما لا أصل له، أو ضعيف أو موضوع. وربما إذا حذر بعضهم من ذلك قالوا كما قال من سبقهم ممن ضل في هذا الباب: «نحن نكذب للنبي صلى الله عليه وسلم، لا على النبي صلى الله عليه وسلم». وقد قيل لبعضهم في ذلك، فقيل له: «اتق الله، فهذا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»، ومن حدث عني بحديث يرى أنه كذب فـ«واحد الكاذبين». قال: «أبدًا، نحن ما نكذب عليه، نحن نكذب له» يعني يزعمون أنهم يحدثون بفضائل الأعمال ليرغب الناس في الخير، فيقال: هذا كذب على الله وعلى رسوله، فلا يجوز الكذب بحال، ولو في باب الترغيب والترهيب. فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وكان يسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيسكت حتى ينزل عليه الوحي، فيجيب الناس بما أوحاه الله عز وجل إليه، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأحاديث والأدلة في هذا الباب كثيرة. قال رحمه الله: «وتوجد فيهم بدع كثيرة، بل إن دعوتهم مبنية على البدع؛ إذ عمود دعوتهم الفقري هو الخروج بهذا التحديد: من كل شهر ثلاثة أيام، وفي السنة أربعون يومًا، وفي العمر أربعة أشهر، وفي كل أسبوع جولتان: جولة في المسجد الذي تصلي فيه، والثانية متنقلة. وفي كل يوم حلقتان: حلقة في المسجد الذي تصلي فيه، والثانية في البيت. ولن يرضوا عن الشخص إلا إذا التزمه». ولا شك أنه بدع في الدين ما أنزل الله بها من سلطان، مع أنهم ليس عندهم علم حتى يدعون به. تتعجب كيف يخرجون للدعوة وهم ما عندهم علم، ربما الرجل يكون دخل في الدين -لا نقول فقط دخل في الالتزام بالدين- ربما دخل في الدين اليوم، فإذا به يطلب منه القيام ودعوة الناس. سبحان الله، بأي شيء يدعو الناس؟ بأي شرع أو دين صار مثل هذا الفعل من دين الله سبحانه وتعالى؟ حتى صار الكثير من هؤلاء يهرف بما لا يعرف، ويفتري على دين الله سبحانه وتعالى، بقصد وبغير قصد، وهذا من أعظم الضلال. ولهذا فهم من أجهل الجماعات، من أجهل الجماعات وأبعدهم عن العلم. حتى «فضائل الأعمال» في القرآن يقتصرون على «قصار المفصل»، وأكثر «القصار» ما يتعدونها إلى «الضحى»، ويرجعون من الناس إلى «الضحى»، ويرجعون ... وربما بعضهم ما يصل إلى «الضحى». فإذا قيل لهم: «لماذا لا تزيدون؟» يقول: «هذا ورد الجماعة، لا نتعده». طيب، والقرآن لمن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى؟ وهكذا حتى «رياض الصالحين» ينتقون منه أحاديث «فضائل الأعمال»، وأبواب «فضائل الأعمال». وإذا حدثوا ونصحوا في ذلك قالوا: «نحن لا نتكلم في أمراض الأمة». طيب، ولمن تترك أمراض الأمة؟ ولهذا إذا خرج معهم أحد فتكلم في العقيدة هجروه وحذروا منه، وذهبت تلك الرقة والرحمة التي يدعون إليها، كما حدث بذلك غير واحد ممن كان معهم. فهم لا يرتضون بأحد يخالف دعوتهم. قال رحمه الله: «يرون أن الدعوة إلى التوحيد تنفير للأمة». وهذا واقع كما تقدم، وقد أخبرني غير واحد ممن كان معهم أنه طرد من الجماعة حين دعا إلى التوحيد. فبعض هؤلاء قيل له: «أن هذه الجماعة عندها ... وعندها ... وعندها». قال: «أبدًا ما عندها شيء، جماعة عندها خير وتريد للناس الخير». فقيل له: «وما تقول في الدعوة إلى التوحيد؟» قال: «هذا من دين الله». طيب، «إذا خرجت معهم ادعُ إلى توحيد الله الذي هو من دين الله، وانظر ماذا سيصنعون معك؟» ففعل، فأول ما حدث أسكتوه حتى لم يتأدبوا معه، أسكتوه وأقعدوه بالقوة. فقال: «ما لكم؟» قالوا: «خرجت عن نظام الجماعة». وما «نظام الجماعة»؟ قال: «لا نتكلم في أمراض الأمة، ولا فيما يفرق المجتمع». وهل التوحيد يفرق؟ قالوا: «نعم، نحن ما نتكلم في التوحيد». إذا لم نتكلم في التوحيد، فما فائدة هذه الدعوة؟ وهي مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. أليس الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وأول ما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، أمره أن يدعوهم إلى أن يوحدوا الله، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين، ومن حديث معاذ في الصحيحين. ولو حصلت الفرقة، فهي فرقة بين أهل الحق والباطل، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الصحيح: «محمد فرق بين الناس»، لماذا؟ فرق بين أهل التوحيد والشرك، وأهل الحق والباطل، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. أما أن تدعو الناس إلى فضائل الأعمال وتتركهم على الشرك، على الخرافة، على تعليق التمائم، على دعاء غير الله، على الطواف بالقبور، على التمسح على غير ذلك من الوثنيات والشركيات، كيف تأتي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة وأنت قد رأيت هذا الشرك الباطل المنكر العظيم، ولم تنكره، ولم تغيره، ولم تقم حجة الله على هؤلاء؟ أما تخاف أن يعذبك الله يوم القيامة؟ ولكن هؤلاء يجهلون حقيقة الدين الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. قال رابعًا: «يرون أن الدعوة إلى السنة تنفير للأمة». ولذلك فهم يتلونون مع أهل التوحيد موحدون، ومع الصوفية صوفيون، ومع الشيعة متشيعون ورافضيون، ومع الباطنية باطنيون، بل وربما حتى -والعياذ بالله- مع بعض أهل الكفر والشرك يكونون مثلهم. فلا ندري إلى أي دين يدعو هؤلاء؟ إلى أي دين يدعو هؤلاء؟ وأخبرني أحد الأفاضل أنه كان مع هؤلاء في جولة، فطرق بابًا على طريقتهم حين يطرقون الأبواب، ففتح الباب رجل من أهل الوثنية الهندية من «السيخ»، فسلم عليه الذي هو «الأمير»، وقال له: «امشي». فقال له صاحبه المبتدئ: «ندعو إلى الإسلام». قال: «لا، هذا ليس من نظام دعوتنا». قال: «كيف ليس من نظام دعوتنا؟ هذا أمامنا الآن يحتاج إلى دعوة». قال: «لا، ليس من نظام دعوتنا». فقال: «من ذاك اليوم وانقبضت نفسي من منهج ونظام هذه الجماعة؛ أن عندهم أشياء تنافي فطرة، فضلًا عن الدين، تنافي فطرة، فضلًا عن الدين». وإلا هذا إنسان يحتاج إلى دعوة، إذا أنت تدعي إلى الله ادعُ هذا إلى الله، وادعوه إلى الإسلام. لكن هذا يدلك أنها جماعة قائمة على الجهل والبعد عن ثوابت هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: «يقول أميرهم بالحديدة: بدعة تجمع الناس خير من سنة تفرق بينهم». هذه قاعدة ضالة يستدل بها هؤلاء. ولذلك كما قلنا هم يتلونون، ويرون أن الدعوة إلى السنة تنفير، فيتركونها، بل ويتلونون مع الناس على ما هم عليه. فإذا جاءوا إلى مجتمع صوفي جلسوا مع الصوفية. ولذلك لا تستغرب الوئام والإتلاف الذي يقع بين «جماعة التبليغ» والمتصوفة، و«جماعة التبليغ» والشيعة، و«جماعة التبليغ» والباطنية، وغيرهم من فرق الضلال؛ لأنهم ليس عندهم ولاء وبراء، وليس عندهم إنكار لمنكر. سمعًا منهم أنهم لا يتكلمون في «أمراض الأمة». وهل هذا في كتاب الله؟ أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو كان قد أثر عن أحد من صحابة رسول الله؟ أو ممن تبعهم بإحسان من الأمة؟ بل هذا هو عين الباطل. قال رحمه الله: «يكنون العداوة لأهل السنة؛ لأنهم يرون أن أهل السنة هم من يكشف عوارهم». ولذلك فهم يكنون لهم العداوة، مستعدون أن يتعاونوا مع كل أحد إلا «السنة»؛ لعلمهم أن «السنة» يكشف عوارهم. قال: «يزهدون الناس عن العلم النافع، تلميحًا وتصريحًا». ولهم في هذا عجائب وقصص وأخبار وغرائب. فتارة يقلبون الحقائق، فيقولون: «واتقوا الله، ويعلمكم الله». ويريدون بذلك: «اترك العلم، لا تطلب العلم، أهم شيء اتق الله، فالله سيقذف في قلبك العلم، ولو أنت نائم تنام وتقوم تصبح في قلبك العلم». هكذا يقلبون الحقائق، ويعلمون الناس الباطل. فبمثل هذا وغيره يزهدون الناس عن العلم، تلميحًا وتصريحًا. وأحيانًا يصرحون بأن أهم شيء أن تحرص على «فضائل الأعمال»، ولا تحرص على العلم؛ لأن العلم يدعو إلى القسوة، وغير ذلك من الأمور التي يذكرونها، فتكون سببًا في التنفير عن العلم. قال رحمه الله: «يرون أنه لا نجاة للناس إلا عن طريقهم». ويضربون على ذلك مثالًا بسفينة نوح: «من ركب فيها نجا، ومن لم يركبها هلك». ويقولون: «إن دعوتنا كسفينة نوح». وقد سمعت هذا المثل منهم في الأردن واليمن. والحقيقة أن «سفينة نوح» كما قال أئمة من السلف: هي «سنة النبي صلى الله عليه وسلم»، هذا هو التعبير الصحيح لو أردنا أن نعبر ونمثل. أما هذه الجماعة، جماعة قائمة على الجهل وعلى الأصول المنحرفة والثوابت الباطلة، تنافي تمامًا ثوابت الدين، فلا شك أنها دعوة بدعية. قال رحمه الله: «لا يهتمون بتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات». ولذلك دائمًا إذا ذكروا فضل «لا إله إلا الله» يذكرونها بمعاني الربوبية، لا بمعاني الألوهية والأسماء والصفات. فما يتعرضون لمعاني الألوهية والأسماء والصفات، فتجدهم دائمًا يكثرون: «لا إله إلا الله، لا خالق إلا الله، الله الذي خلق السماوات، الله الذي خلق الأرض». وهذا كله يقر به المشركون. قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وليست هذه نقطة الخلاف مع أهل الشرك وأهل الكفر، وإنما نقطة الخلاف أن يعبد الله عز وجل وحده الخالق الرازق المدبر، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وأكثر هؤلاء يجهل حقيقة معنى «لا إله إلا الله». إذا قيل له: «ما معنى لا إله إلا الله؟» قال: «معناها لا خالق إلا الله». وهذا خطأ، بل معناها الصحيح: «لا معبود بحق إلا الله»، تفسر بمعنى الألوهية الذي يتضمن معنى الربوبية، وليس تفسر بمعنى الربوبية الذي لا يحقق معنى توحيد الرب سبحانه وتعالى في الألوهية. فلم يأتي الرسل بهذا المعنى؛ لأن المشركين أكثرهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية. قال الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ما قال: «ما لكم من رب». إنما قال: «ما لكم من ماذا؟ من إله». دعوة الرسل دعوة إلى توحيد الألوهية، وهي معنى «لا إله إلا الله»، الظاهر من معنى هذا اللفظ: «إله» أي «معبود». وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وهذا هو توحيد الألوهية، توحيد العبادة. قال رحمه الله تعالى: «إنهم غير مستعدين لطلب العلم، ويرون الوقت الذي يصرف في طلب العلم ضائعًا». وللأسف أنهم على هذا الفهم السيئ، فيرون أن ما هم فيه أفضل من طلب العلم. ولذلك يقعد أحدهم ثلاثين سنة في الجماعة، وهو على ذاك المستوى من حفظ العشر السور، وأحاديث «الفضائل»، لا يزيد مقدار شعرة واحدة. ويأتي غيرهم فيطلب العلم في ستة أشهر، فيوفقه الله ربما لحفظ القرآن كاملًا، وتعلم ما تيسر من العلم، ويوفق إلى ما يتيسر من العمل الصالح، فينفع الله عز وجل به العباد والبلاد. قال رحمه الله: «وفيهم غير ما ذكر» يعني مما ذكره الشيخ رحمه الله، وقد ذكر شيخنا رحمه الله بعض هذه النقاط، وإلا فقد ألف عدد من العلماء في بيان المؤاخذات على هذه الجماعة مؤلفات كثيرة. ومن أحسنها وأجمعها وأشهرها كتاب الشيخ حمود التواجري رحمه الله في «جماعة التبليغ». نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في وقت لاحق إن شاء الله.