الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 56، تابع الحديث المدرج . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المقطع يتناول حديث «من مس ذكره فليتوضأ» ويبين ضعف سنده بسبب إدراج عبد الحميد بن جعفر لفظة لم تكن من قول النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الإدراج أدى إلى ضعف الحديث لخالف عبد الحميد أكثر من عشرين راويًا وثقةً.
يتم التعرف على الإدراج في متن الحديث من خلال وجود رواية أخرى مجردة عن الكلام المدرج، والتنصيص على الإدراج من الراوي أو الأئمة المطلعين، واستحالة صدور الكلام المدرج عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الأمور تساعد في تمييز كلام النبي صلى الله عليه وسلم من كلام غيره.
يُناقش المقطع حكم الإدراج في الحديث النبوي، حيث يُوضح أن الإدراج المتعمد حرام بإجماع أهل الفقه والحديث، بينما الإدراج غير المتعمد أو التفسيري قد يكون جائزًا في بعض الحالات. كما تطرق إلى توضيح الشرط في العبادات وأنه جائز إذا لم يسبب لبسًا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المعلق رحمه الله تعالى: قالوا عن جعفر، عن هشام بن عروة، وعن أبيه، عن بسرة بنت صفوان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مس ذكره، أو أنثييه، أو رفغه، فليتوضأ». قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة. قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة، والمعنى أن هذا اللفظ لم يصح مرفوعًا، وإنما صح مقطوعًا من قول عروة، وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أشار الدارقطني رحمه الله في «العلل» أن عبد الحميد خالف أكثر من عشرين من الرواة لم يذكروا هذه الزيادة. وأشار كذلك أن عبد الحميد توبع، تابعه ابن جريج، لكن ولو تابعه ابن جريج، فقد تابعه على خطأ؛ لأنه التبس عليهم هذا الإدراج بالحديث المرفوع. فقد رواه الثقات مميزين، الأوثق من الرواة بالتمييز بين قول عروة وقول النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة بذكر الحديث المرفوع دون الزيادة. وبهذا علم أن هذه اللفظة مدرجة، وبه نعرف كذلك خطأ تحسين بعضها للعلم لهذه اللفظة بجمع هذه الروايات؛ لأنهم قالوا -مثلًا- وجدوا لها متابعًا فصحت مرفوعة. والصواب ليس كذلك. وأما معناها فصحيح، معناها صحيح؛ فالأنثيين يدخلان في معنى الذكر؛ لأنه جاء في بعض الألفاظ «الفرج». مثال ما أدرج في آخر الحديث ما رواه أبو خيثمة زهير بن معاوية عن الحسن بن حرب عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد في الصلاة: قل التحيات لله...» فذكر حين قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله». قال: «فإذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فقعد». كذا رواه أبو خيثمة، فأدرج في الحديث قوله «فإذا قلت إلى آخره»، وإنما هو من كلام ابن مسعود، لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الدليل على ذلك أن الثقة عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن ابن الحرب المذكور هكذا. واتفق حسين الجعفي وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن حرب المذكور هكذا، واتفقوا على ترك هذا الكلام في آخر الحديث. مع اتفاق كل من رووا التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على ذلك. ورواه شبابة عن أبي خيثمة ففصله أيضًا، فعلم بهذا أن زيادة ذلك من الحديث شاذة. ولهذا أشار غير واحد من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني في تصحيحه وتخريجه لأحاديث السنن، أو عند ابن ماجه وغيره: أن هذه اللفظة شاذة -أي مرفوعة- فهي مدرجة من كلام ابن مسعود. ومثله حديث مر معنا في بعض المجالس: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». حديث ابن مسعود الذي رواه الإمام أحمد وغيره، زاد ابن مسعود في آخره: «وما منا إلا، ولكن الله يذهب بالتوكل». هذه الزيادة نص الحفاظ أنها من كلام ابن مسعود، وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: ويعرف الإدراج بالمتن بأمور. قال: أولًا: ورود رواية مجردة عن ذلك القدر المدرج -يعني وجودها في موضع آخر بغير ذلك الإدراج- مثل ما مر معنا في بعض الأمثلة: كحديث أبي هريرة «أسبغ الوضوء»، مع زيادة هذه اللفظة في حديث «ويل للعقاب من النار»، وغيرها من الأمثلة التي مرت معنا؛ فبجمع الطرق يتبين أمر الإدراج. قال: الثاني: التنصيص على الإدراج من الراوي المدرج، أو من بعض الأئمة المطلعين من الراوي. قد يكون في بعض الروايات في بعض الروايات يبين الراوي أن هذا من كلامه، وليس من الحديث، أو من بعض الأئمة المطلعين -يعني بجمعهم للطرق- مثل ما مر معنا في كلام الإمام الدارقطني في زيادة الأنثيين. قال: الثالث: استحالة صدور مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. مثال هذا حديث أبي هريرة في الصحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، والبر بأمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك». فقوله «والبر بأمي» علم أن هذا لم يقوله النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن أمه قد توفيت عليه الصلاة والسلام، فعلم أن هذا مما يستدل به أنه من قول الراوي، فهو من قول أبي هريرة كما بيّنه الحفاظ، فيستحيل أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك. قال: فإن قوله «والذي نفسي بيده إلى آخره» من كلام أبي هريرة؛ لاستحالة أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمه ماتت وهو صغير، فلم تكن موجودة حين هذا القول حتى يبرها، وأنه يمتنع منه صلى الله عليه وسلم أن يتمنى الرق، وهو أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام. فالحاصل: تبين أن هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر ثلاثة علامات يعرف بها الإدراج، وبعضهم زاد أكثر من هذا، لكن هذه أهمها على وجه الاختصار، خصوصًا في مثل هذا الكتاب المختصر. قال رحمه الله: حكمه: أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج، وتعمد الإدراج حرام بإجماع أهل الفقه والحديث. وعبارة ابن الصلاح: «من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين». فعلم بهذا -وقد تقدم معنا في الكلام على الشرح- أنه لا يجوز الإدراج في الحديث، وأنه حرام، بل تحريمه بالإجماع. وقوله: «وتعمده» دل أنه إذا وقع عن غير عمد فهو معذور فيه. وبعض أهل العلم استثنى من ذلك إذا كان الإدراج على وجه يطلب الشرع مثله، ولم يحصل به اللبس، فهو جائز، بل قد يكون مستحبًا. وعلى هذا حمل تعمد إدراج بعض الرواة، خصوصًا ما كان تفسيرًا لبعض الأحاديث. ومنه صنيع الزهري رحمه الله تعالى؛ فالزهري كان يدرج في الحديث، لكن إدراجه تفسير، كقوله في حديث عائشة: «كان يتحنث بغار حراء الليالي ذوات العدد». فزيادة هذه اللفظة تفسير. وغير ذلك مما ذكره أهل العلم، وقد مر معنا بعضه فيما نقله الشارح من فعل الزهري، وما ذكره العلماء: أن هذا مما يجوز -يعني إذا لم يحصل اللبس بهذا الشرط- بهذا الشرط يكون توضيحًا للمعنى مع عدم حصول اللبس. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.