الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 64، الحديث الموضوع . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تعريف الحديث الموضوع بأنه الكذب المختلق على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشرح كيفية معرفته. يشير إلى أن العلماء يعتبرونه قسمًا من أقسام الحديث.
يذكر أمثلة على الأحاديث الموضوعة والزنادقة الذين وضعوها، مثل حديث مكذوب يصف خلق الله تعالى لنفسه. يبين أن ألفاظ النبوة لها رونق ونور وبلاغة.
يذكر أسباب الوضع في الحديث منها الانتصار للمذاهب واتباع أهواء الرؤساء. يبين حكم رواية الأحاديث الموضوعة أنها محرمة إلا إذا رويت مقرونة بالبيان.
يشرح صور عقد التسبيح باليمين وكيفياته المتعددة، مثل لف الأصبع أو عقد الأنامل. يبين أن الأمر فيه واسع حسب ما ذكر أهل العلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: والكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع. قال الشارح رحمه الله تعالى: الحديث الموضوع، قال: والكذب، أي: والحديث المكذوب به على النبي صلى الله عليه وسلم، المختلق، أي: المفترى عليه عمدا، فهو صفة مؤسسه، يعني: من كذب به اختلقه، ومعنى اختلقه، أي: أتى به من غير ابتداء من العدم، فليس له أصل. قال: وقوله: المصنوع على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بمعنى ما قبله للتأكيد، يعني: بمعنى المختلق، المختلق فهو المصنوع. قال رحمه الله تعالى: فذلك، أي: المكذوب عليه صلى الله عليه وسلم الموضوع، جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرا عن قوله: الكذب، وقيد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم نظرا للغالب، وإلا فكذلك الكذب على غيره كالصحابي والتابعي، فهو كذلك موضوع، يعني: قد يكون موضوعا مرفوعا، وقد يكون موضوعا موقوفا، أي: على الصحابي، أو موضوعا مقطوعا، أي: على التابعي، فكله من قسم الموضوع، وهو المكذوب المختلق الذي ليس له أصل. قال رحمه الله تعالى: وعد الموضوع من أقسام الحديث بالنظر لزعم قائله، ومعناه: أدخل في أقسام الحديث، وهو ليس من الحديث؛ لأنه كذب، لكن باعتبار زعم قائله، ولأنه كذلك ثانيا يوجد في كتب الحديث، فاحتاج العلماء أن يذكروه، وأن يجعل له قسما لكونه موجودا في كتب الحديث، فكتب الحديث والتفسير قد توجد فيها بعض الأحاديث المكذوبة الموضوعة، ولهذا عد قسما من أقسام الحديث، وإن كان هو ليس من الحديث؛ لأنه مكذوب. قال رحمه الله تعالى: ويعرف الوضع بأمور، منها: إقرار قائله، وركة ألفاظه، إذ ألفاظ النبوة لها رونق ونور وبلاغة. انتقل رحمه الله إلى ذكر كيفية معرفة الوضع، فقال رحمه الله: يعرف إما بإقرار قائله، أن يعترف الذي وضع الحديث أنه وضعه، كما سيأتي معنا إن شاء الله، مثل نوح الجامع، نوح بن أبي مريم، جمع كل شيء إلا الصدق، ولهذا سمي نوح الجامع، فكان يكذب، وزعم أنه يكذب ليرغب الناس في الخير، فكان يعترف بكذبه، فاعترافه وإقراره بالكذب يؤكد أن هذا الحديث موضوع، فعرف به، مع أمور أخرى كذلك. قال: وركة ألفاظه، وسأتي معنا أمثلة كثيرة تبين ذلك، مثل وضع بعض الزنادق ممن دخل في الإسلام نفاقا بعض الأحاديث المكذوبة، ويعلم كذبها بركة ألفاظها وفحش معانيها، فركة الألفاظ موضع من المواضع التي يعرف بها ضعف الحديث، وكذلك فحش المعنى، ولكن من الذي يدرك هذا؟ الذي يدرك هذا هم العلماء العارفون، العلماء العارفون الذين عندهم من الفصاحة والبيان، وحسن المعرفة والخبرة ما يميز به ذلك. فمثلا وضع الزنادق حديثا مكذوبا فاحش المعنى جدا، مع ركة في ألفاظه ظاهرة، ولا حديث الموضوع كما سيأتي كثيرة، خصوصا ما وضعه الزنادق، فمن ذلك الحديث الذي نبه عليه العلماء، وضربوا به مثالا في كتب المصطلح وكتب الموضوع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما أراد ربنا جل وعلا أن يخلق نفسه خلق الخيل، فأجراها فلما عرقت خلق نفسه منها». انظروا إلى هذا الحديث، حديث يظهر لأدنى من له معرفة بالدين أنه كذب، ركاكة الألفاظ وفحش المعنى يدلان، فضلا عن غير ذلك، أنه من الكذب، بل من أفحش الكذب. قال رحمه الله: إذ ألفاظ النبوة لها رونق ونور وبلاغة، الرونق يعني الجمال، والنور يعني البهاء، والبلاغة مأخوذة من الفصاحة والبيان، فأنت حين تسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام تجد لها جمالا ونورا وبلاغة عظيمة، تعلم أن مثل هذا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويضرب في هذا المثال من باب تقريب المعنى، مثلا لو عرفت رجلا من أهل العلم يتكلم بكلام، يعني: سمعت له محاضرات وخطبا، وقرأت له بعض الكتب، فلكثرة قراءتك تستطيع أن تميز أن هذا من كلامه أو ليس من كلامه. فمثلا تقرأ في كتب بعض أهل العلم كلاما فتقول: هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أو ابن القيم؛ لأن لهما أسلوبا ونفسا مميزا معروفا. فإذا بحثت في الكلام وجدت أنه بالفعل كلام شيخ الإسلام أو كلام تلميذه ابن القيم، بل أهل العلم الذين لهم خبرة ومعرفة زيادة بكلام الشيخين يميزون كلام شيخ الإسلام من كلام ابن القيم، كما يذكر أن كلام شيخ الإسلام في الغالب يغلب عليه الطابع العلمي، وكلام ابن القيم يغلب عليه الطابع العلمي المخلوط بالأسلوب الأدبي. فأنت بخبرتك تستطيع أن تميز هذا كلام فلان، وهذا كلام فلان، هذا ليس كلام فلان، حتى لو قيل مثلا: هذا الكتاب لفلان من الناس، أهل الخبرة والمعرفة أول ما يقرؤون الكتاب من دون التحقق في الإسناد والبحث عن ثبوت الكتاب يقولون: هذا الكتاب لا يصح، لا يمكن أن يكون هذا قاله شيخ الإسلام أو كتبه أو ألفه. قال رحمه الله تعالى: وسبب الوضع إما عدم الدين كالزنادقة، وطبعا هو لم يذكر كل الأسباب التي يكون بها وضع أو معرفة يعرف بها الوضع، إنما ذكر أهم هذه الأسباب، وسيأتي معنا في التعليق إن شاء الله شيء من الزيادة في هذا الباب. قال: وسبب الوضع إما عدم الدين كالزنادقة، فقد قيل: إنهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث، كما يروى ذلك عن حماد بن زيد رحمه الله، فإنه ذكر أن الزنادقة وضعوا أربعة عشر ألف حديث، ومن هؤلاء الزنادق على سبيل المثال للحصر عبد الكريم بن أبي العوجاء، خال المحدث المعروف معمر بن زائدة، وكان فيه شيء ويتهم بعقيدة المانوية، يعني: لم يكن حسن إسلامه، فوضع هذا الرجل أربعة آلاف حديث فيها تحليل للحرام وتحريم للحلال، حتى قتله بعض أمراء بني العباس. قال رحمه الله: أو انتصار للمذهب، أو اتباع لهوى بعض الرؤساء، كذلك من أسباب الوضع الانتصار للمذهب، إما أن يكون من أهل البدع خوارج أو رافضة، وقد روي عن ابن لهيعة عبد الله رحمه الله أنه قال: رأيت شيخا من الخوارج تاب، فقال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا شيئا أو أمرا صيرناه حديثا. قال رحمه الله: أو غلبة الجهل احتسابا للأجر على زعمه، كما روي أنه قيل لأبي عصمة الملقب بالجامع، أي: نوح الجامع، أي: لكل شيء إلا الصدق، يعني: سمي جامع أو لقب بالجامع؛ لأنه جمع كل شيء إلا الصدق، من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا، فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعتها حسبة، يعني: كأنه يقول: كذبت لله. قال: وحكمه أنه تحرم روايته والعمل به مطلقا، إلا إذا روي مقرونا بالبيان، كأن يقول عند روايته: هذا باطل، مثلا ليتحفظ من شره، ولهذا ألف العلماء كتبا في الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والضعيفة، ليس ليحفظها الناس، ولكن ليحذرها، حتى يتبين للناس أن هذه الأحاديث من المكذوبة أو الموضوعة والضعيفة التي لا تصح فيحذرونها ولا يصدقونها. قال: وقد أتت أي: المنظومة كائنة كالجوهر المكنوني، أي: المستور في صدفه لنفاستها وعزتها، أي: هذه المنظومة التي نحن في أواخرها أتت كالجوهر المكنون، وهذا الثناء ليس من باب الفخر والعجب، ولكنه من باب الحث على هذا العلم الذي احتوته هذه المنظومة. قال: سميتها أي: الأرجوزة ناظمها، رأى صوابه الأرجوزة؛ لأنها من الرجز، بحر من بحور الشعر، منظومة البيقوني، يعني: نسبة إلى مؤلفها. قال: لم أقف على ترجمته، وقد تقدم معنا شيء من الكلام على ذلك في أول الكتاب. قال: وقيل: اسمه عمر بن محمد بن فتوح الدمشقي الشافعي، المتوفى سنة ثمانين وستمائة، وتقدم معنا الكلام على هذا في أول الكتاب. قال: وقوله: فوق الثلاثين، قال: أي: فوق عقد الثلاثين، يعني: الأبيات عددها كما سيأتي أربع وثلاثين. قال: خبر مقدم لقوله: أبياتها بأربع أتت، أبياتها يعني: بأربع أتت، فهي أربع وثلاثين. قال: أي: المنظومة، قوله: ثم بخير ختمت، أي: بعد تمام المقصود. قال: وفيه من المحسنات حسن الختام، الذي هو الإتيان في آخر الكتاب بما يدل على الانتهاء أو على انتهائه، وهذا مبحث من مباحث البلاغة. قال رحمه الله: فنسأل الله تعالى حسن الرعاية وصحيحة الاستقامة والهداية، وأن يدرجنا ونظمها تحت لواء من كمله خلقا وخلقا صلى الله عليه وسلم، يعني: أن يجعلنا من أهل لواء النبي صلى الله عليه وسلم. اللهم آمين، آمين، آمين. إلى هنا والله تعالى أعلم. سائل يسأل يقول: كيف يكون التسبيح باليد؟ وهل له من طريقة خاصة؟ عقد التسبيح باليمين الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم له صور وكيفيات كما ذكر أهل العلم، إما بلف الأصبع هكذا تلفها، هذا عقد، وإما بعقد الأنامل، هذه عقد كذلك، والأمر واسع في هذا، إن فعلت هذا أو هذا فالأمر واسع والله العالم.