التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  48

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 48

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 48، تابع الحديث المعلل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تعريف الحديث المعل وعلة الحديث

يتناول تعريف الحديث المعل وعلة الحديث، حيث يُعرّف الحديث المعل بأنه الحديث الذي يُكتشف فيه علة تقدح في صحته رغم الظاهر من سلامته. يتم الكشف عن هذه العلة من خلال تفرد الراوي أو مخالفته لغيره.

أقسام العلل وأنواعها في الحديث النبوي

يشرح أنواع العلل في الحديث النبوي، حيث يُوضح أهمية البحث الدقيق في سند الحديث ومتنه. كما يشير إلى تصنيف الحاكم وأبي عبد الله للعلل إلى عشرة أقسام.

تحليل علل الحديث وطرق تصحيحه

يناقش علل الحديث من خلال مثال حديث أبي هريرة، ويبين أهمية الشواهد والمتابعات في تصحيح الأحاديث. كما يُوضح اختلاف النقاد في تحديد علل الحديث.

تطبيق عملي على تحليل سند الحديث

يُناقش سند حديث معين ويُصحح روايته، حيث يُوضح الرواية الصحيحة ويُرجح آراء البخاري والسيوطي والحاكم في تصحيح الرواية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها. أي: تعريف الحديث المعلل أو المعل، أنه الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها. وسيأتي معنا أن العلة تنقسم لقسمين: علة قادحة وعلة غير قادحة، ولكن انحصر كلام أهل العلم وجرى عرفهم على أن الحديث المعل مختص بالحديث الذي فيه علة قادحة. وأما ما فيه علة غير قادحة، فهذا وإن سمي ما فيه علة، إلا أنه من العلل التي لا تضر، ولذلك لا يكون ذكرها إلا من باب الفائدة، لا من باب الرد، فلا يطلق عليه حديث معل. وفي قوله رحمه الله: «والذي طلع فيه على علة»، إشارة إلى أن هذا الاطلاع لا يعرفه كل الناس، بل يطلع عليه أهل المعرفة والرسوخ في هذا الفن، فهو من أدق مباحث هذا العلم وأشده خطورة؛ لأن معرفته لا تكون إلا للحذاق. فإذا خاض فيه من لا يحسنه، ربما ضعف الصحيح أو صحح الضعيف. ولهذا ينبغي أن يترك لأهله. على أنه كما سيأتي معنا أن بعض تلك العلل قد يختلف فيها، وعند ذلك يحتاج لصاحب معرفة يرجح بين كلام النقاد وتعليلاتهم، بما يكون به الوصول إلى الصواب في الحكم على الحديث. قال رحمه الله: «والعلّة هي عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث». وهذا تعريف أغلبي للعلّة؛ لأن العلماء قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة، ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث. وتدرك العلّة بتفرد الراوي أو بمخالفة غيره، مع قرائن سأشير إليها في أجناس العلل إن شاء الله. والطريق لمعرفة ذلك جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، وضبطهم، وإتقانهم. وفي هذا إشارة منه رحمه الله إلى أن هذا الباب باب دقيق؛ فالعلّة عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث. وغامض بمعنى أنه حتى لو اطلع عليه بعض الناس، ربما لم يفهموه لعدم إدراكهم لدقة مباحث هذا العلم، فيصير عند بعض الناس مثل الكهانة؛ لأنه ليس عنده من الخبرة والدقة في هذا العلم ما يؤهله أن يفهم كلام أهل العلم. هناك أشياء خفية، وسيأتي معنا بعض الأمثلة على ذلك. يدلنا على هذا الغموض كذلك خفاؤه، أنه ليس ظاهرًا، قد يكون ظاهر الإسناد الصحة، وليس الأمر كذلك، أو ظاهر المتن الصحة، وليس الأمر كذلك. وقوله: «قادح»، لأن غير القادح لا يضر كما تقدم. وقوله: «هذا تعريف أغلبي»، إشارة منه لما بعده، أن هناك من أهل العلم من يطلق العلة ويذكر أشياء ظاهرة، فيقول مثلًا: «هذا حديث معل؛ فإن فلانًا دلس الحديث، وفلانًا معروف أنه مدلس»، وهذا من العلة الظاهرة. أو كذلك يقال مثلًا: «هذا حديث معل؛ فهو مرسل»، والإرسال علة ظاهرة، ونحو ذلك. وقوله: «وتدرك العلة بتفرد الراوي» إلى آخره، إشارة إلى بعض المواضع التي يكون بها معرفة العلة والوصول إليها؛ فقد يكون ذلك من خلال التفرد. فإذا رأيت مثلًا حديثًا له أصل ثابت عن عدد من الرواة، لكنه تفرد أحد الرواة بلفظ، فهذا يدعوك إلى أن تفحص هذا الحديث: لماذا هذا الراوي تفرد بهذه اللفظة؟ هل هذا يعني أنه حصل إعلال في الحديث؟ أو كذلك توجد قرائن أخرى، كأن يكون مثلًا هذا الراوي ليس معروفًا بكثرة الرواية عن شيخه، ولا هو بقوة وإمامة لسائر تلاميذ هذا الشيخ، ثم يتفرد بحديث بأكمله عن هذا الشيخ، لم يروه مثله من أكثر ملازمته، هذه قرينة تجعلك تشك في صحة هذا الحديث، ويدعوك هذا للبحث. وقوله: «والطريق لمعرفة ذلك» هذا كذلك إشارة إلى بعض الوسائل التي يمكن للباحث أن يبحث بها فيعرف ويصل إلى العلة، وذلك بجمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، وضبطهم، وإتقانهم. وأهم من هذا أن يتتبع كلام أهل العلل في كتبهم، وكلام نقاد الحديث ورجال الحديث في كتب التراجم؛ لأنهم أحيانًا ينبهون على ذلك. فمثلًا إذا وقفت على كلام أهل العلم في ترجمة الحسن بن أبي الحسن البصري: أن في روايته عن سمرة شيء من الضعف، وأنه لم يرو عن سمرة إلا حديثين، فهذا يدعوك إلى ماذا؟ يدعوك إلى الانتباه في كل رواية فيها رواية الحسن عن سمرة. ونحو هذا كثير في تراجم الرواة، يذكرون أن فلانًا لم يسمع من فلان إلا ثلاثة أحاديث، إلا خمسة أحاديث، إلا ستة أحاديث، وهكذا. أو ينصون أن رواية فلان عن فلان معلة لا تصح، وإن كان فلان ثقة، وفلان ثقة. وهذا من العلل الخفية التي لا يعرفها إلا من له معرفة بهذا الشأن. ومر معنا رواية هشيم عن الزهري، هشيم ثقة، والزهري ثقة، وروى هشيم عن الزهري، لكن رواية هشيم عن الزهري ضعفت لسبب لم يطلع عليه كل الناس. وهكذا كذلك نظائر ذلك كثيرة. فإذا وقفت في كتب العلل على تعيين علة، فهذا من وسائل وأسباب معرفة تضعيف الحديث، وبه تعرف الفرق بين من يقع منه تساهل في التصحيح أو تعجل، وبين من يسلك هذا المسلك، فلا يتعجل في تصحيح الحديث، خصوصًا إذا وجدت فيه أحد القرائن المتقدمة من تفرد أو مخالفة أو نحو ذلك؛ فإن هذه القرائن تدعو الباحث إلى زيادة البحث والتدقيق في كلام أهل العلم في الحديث. وهذا يدعوه أن ينجو من الأحاديث المعلة، يعني قليلًا ما سيصحح حديثًا معلًا. وأما من ينظر من أول وهلة إلى ظاهر السند، فإذا صح السند عنده صح الحديث دون بحث في مثل هذه المعاني، أي: النظر نظر الأولية في القرائن من مخالفة أو تفرد أو نحو ذلك، ونظر بعدها تتبع النظرة الأولى من بحث بكلام العلل في كتب أهل العلل، وتراجم الرواة في عين هذا الحديث. وما كان مظنة ما يفتح له سبب هذه المخالفة وهذا التفرد، إذا سلك مثل هذا المسلك، إذا لم يسلك مثل هذا المسلك، ربما تكثر الانتقادات على تصحيحاته، والسبب هو عدم تنبهه لمثل هذا المعنى الخفي. وبه نعرف الفرق كما قلنا بين مناهج بعض أهل الحديث في التصحيح. وقوله رحمه الله تعالى: «وضبطهم وإتقانهم»، هذا ليس على إطلاقه؛ لأن الضبط والإتقان الأصل فيه أنه من العلل الظاهرة، ليس من العلل الخفية. لكن مراده رحمه الله بالضبط والإتقان الذي يقترن بقرينة يكون بها مظنة وجود العلل الخفية. يعني مثلًا: كونك تجد حديثًا حصل فيه شيء من التفرد من راو عن آخر، دعاك ذلك أن تنظر في ترجمته وتتأمل، فتجد أن هذا الراوي مثلًا وصف بأنه كثير الإرسال، أو أنه مثلًا عاصر هذا الراوي ولم يسمع منه. مثل هذا النظر الدقيق في مثل هذه العبارات الخفية هو الذي يوصلك إلى العلل المقصودة بهذا المقام؛ لأن المقصود هو الوصول إلى العلل الخفية، ليس العلل الظاهرة. أن تعرف أن هذا ضعيف أو هذا ثقة، أو أن تعرف أن هذا متقن أو غير متقن، هذا يكون به الحكم على الحديث من صحة أو حسن أو ضعف، وليس هذا هو المقصود. ولكن المقصود أن تنظر نظرة أدق، هذه النظرة الأدق تجعلك تبحث في مثل هذه المعاني التي توصلك إلى العلل الخفية. ولذلك كان بعض مشايخنا ينصح طالب العلم لبحث في الحديث الذي ليس أصله تكون به طمأنينة الصحة، فيحتاج الإنسان إلى زيادة بحث، أن لا يكتفي بالرجوع إلى المختصرات في التراجم، يعني لا ينبغي الاكتفاء بالتقريب والتهذيب مثلًا، بل ينبغي أن ترجع إلى تهذيب التهذيب، فتتأكد من السماع: هل ثبت سماع فلان عن فلان أو لم يثبت؟ مثلًا. فمثل هذا تجده أحيانًا في التهذيب، وأحيانًا لا تجده في التهذيب، تحتاج إلى أن ترجع إلى تهذيب الكمال، بل أحيانًا تحتاج أن ترجع إلى أكبر من ذلك إلى كتاب الكمال في علم الرجال. وأحيانًا لا تجد هذا في هذه كلها، فتحتاج إلى أن تراجع كتب المراسيل، كمراسيل بداود، أو كتب العلل، ونحو ذلك مما يوصلك إلى مثل هذه الأشياء الخفية. قال رحمه الله تعالى: أين تقع العلة؟ تقع العلة في الإسناد، وهو الأكثر، وقد تقع في المتن. وما وقع منها في الإسناد قد يقدح فيه وفي المتن أيضًا، كالإرسال والوقف. وقد يقدحوا في الإسناد خاصة، ويكون المتن حينئذ صحيحًا محتجا به. كحديث «يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمر بن دينار: البيعان بالخيار». غلط فيه يعلى، إنما هو «عبد الله بن دينار»، وكلاهما ثقة. والله أعلم، فهذا مثال للعلة غير القادحة؛ كونه حصل خطأ في اسم رجل، وكلاهما ثقة، هذا لا يضر. ولكن لا بد من التنبيه أنه لم يصح أنه من حديث عمر بن دينار، وصوابه أنه من حديث عبد الله بن دينار. فهذه علة، كيف يستطيع الإنسان أن يصل إليها؟ يصل إليها بجمع الطرق. فإذا جمع الطرق وعلم أن الأكثرين يروونها من طريق الثوري عن عبد الله بن دينار، وأن يعلى بن عبيد تفرد بروايته عن طريق الثوري عن عمر بن دينار، فتفرد يعلى بن عبيد بروايته عن عمر بن دينار، وعلمت أن يعلى بن عبيد أخطأ فيه. وقد يكون هو من زيادة الثقة، يكون رواه عن الثوري عن عمر بن دينار، وروى الثوري كذلك عن عبد الله بن دينار. وهذا قد يقع مثلًا، لكن متى يقع هذا؟ يقع هذا إذا كان هذا المتفرد عنده من القوة والإتقان وزيادة الضبط ما مثله يقبل تفرده. فهذا يكون من باب زيادة الثقة. وأما إذا لم يكن كذلك، فالأحفظ والأتقن والأضبط هم الذين يعول عليهم. فإذا خالف من هو دونهم أمثال هؤلاء، فالمقدم والمرجح في هذا قول أولئك، كما تقدم في دروس سابقة. قال رحمه الله: أجناس العلل، قسم الحاكم وأبو عبد الله في كتابه «معرفة علوم الحديث» أجناس العلل التي إذا وجدت منها واحدة في الحديث سمي معللا إلى عشرة أجناس. وقد نقلها عنه الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه «تدريب الراوي». وإليك تلخيص ما ذكراه مع ذكر مثال لكل جنس. وسيتمعنا في هذه الأمثلة أن بعض هذه الأمثلة هي محل تجاذب آراء أئمة الحديث، وكذلك اختلاف حكمهم فيها. وبه تعرف أنها لا تنحصر بهذا المذكور، بل هي أكثر من ذلك. وهكذا نستفيد شيئًا آخر، وهو أن الناظر في كتب علم العلل، وهكذا كذلك ما يتعلق بمباحث الحديث، ينبغي أن لا يقتصر على كتاب دون آخر، إذا علم أنه قد تطرق غير واحد في عين ما تبحث عنه في أكثر من موضع. فينبغي عليك أن تتتبع تلك المواضع؛ لأنك تجد أهل العلم يعلق بعضهم على بعض، ويرد بعضهم على بعض، ويزيد بعضهم على بعض، كما سيمر معنا مما يكون لك به كبير فائدة. قال: «الأول: أن يكون السند ظاهره الصحة، وفيه من لا يعرف بين أهل الحديث بالسماع عن من روى عنه». مثل له الحاكم فقال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جلس مجلسًا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك». ثم ساق قصة عن الإمام البخاري مع الإمام مسلم رحمهم الله تعالى، وفيها قال الإمام البخاري: «هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول». حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله. قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري-: «هذا أولى»، يعني من رواية ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل. وأن الصواب رواية موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن سهيل. قال: «هذا أولى؛ فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعًا من سهيل». وكذا مثل له الإمام السيوطي في «التدريب» نقلًا عن الحاكم. فهنا نرى أن الإمام البخاري رحمه الله أعل هذا الحديث بهذه العلة، على أن أصل الحديث ثابت من أحاديث صحابة آخرين، لكن مراده رحمه الله: هذا الحديث حديث أبي هريرة، وبهذا الإسناد. ولكن انظروا ماذا ذكر المعلق فيما نقله عن الحافظ العراقي، قال رحمه الله: علق الحافظ العراقي في كتابه «التقييد والإضاح» -يعني على مقدمة ابن الصلاح- على هذه القصة، و قول الإمام البخاري فيها، فقال: «والغالب على الظن عدم صحتها». وأنا أتهم بها أحمد بن حمدون القصار، راويها عن مسلم. فقد تكلم فيه، وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم. ويبعد أن البخاري يقول: «إنه لا يعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث»، مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة، وهم: أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة. وقد بينت هذه الطرق كلها بتخريج أحاديث الإحياء للغزالي. والله أعلم، فهذا تعليق الحافظ العراقي، ودفعه إلى رد هذا الخبر والقصة كما رأينا؛ كون الإمام البخاري يقول: «لا يعلم حديثًا في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث». ولكن لعل هذا يحمل كما تقدم: أنه من حديث أبي هريرة، وأما عن غيره، فهو معروف عنده وعند غيره أنه قد صح وثبت. وأما كونه قد روي من طريق أحمد بن حمدون القصار، فلا يعني ذلك أنه لم يثبت من طريق غيره. فالحاكم أثبت هذه القصة، وغير الحاكم. ويؤيد هذا أن بعض أئمة الحديث كذلك انتقد هذا الحديث. فذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سأله عن هذا الحديث، فقال: «الحديث فيه وهم». فسأله عن من هو الوهم؟ فقال أبوه: «وابن حاتم كما في العلل» يحتمل أنه من ابن جريج، ويحتمل أنه من سهيل. قال: «وأخشى أن ابن جريج دلس الحديث -يعني عن رجل فيه ضعف- ولم يسمعه من عقبة -يعني من موسى بن عقبة-». وفي موضع آخر من العلل، ذكر أنه يغلب على ظنه أن ابن جريج دلس الحديث عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهو أحد المتركون. وإبراهيم بن أبي يحيى اثنان: أحدهما إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهذا مترك، وهو المقصود هنا. والآخر إبراهيم بن حمزة بن أبي يحيى، وهو صدوق، ولكنه كثير التدليس. فالشاهد: ابن أبي حاتم ذكرها هنا علة أخرى. وبه نعرف كذلك أن النقاد قد يستغربون تفردًا، ويظنون نكارة، لكنهم يختلفون في التشخيص. مثل ما نقول: هذا إنسان مريض، يتفق هذا الطبيب أن هذا مريض، والطبيب الآخر أن هذا مريض، لكن ما هي علة المرض؟ قد يختلف هذا الطبيب يشخص سببًا، والطبيب الآخر يشخص سببًا آخر، وكلاهما متفق أنه مريض. ومثله كذلك في علم الحديث، فأهل الخبرة ميزوا أن هذا الحديث ليس بمستقيم، فيه علة. لكن كل منهم اجتهد في الوصول لهذه العلة. فبعضهم رأى العلة كما سمعنا من كلام الإمام البخاري رحمه الله: أنه لعله حصل إسقاط لوهيب؛ لأنه روي في موضع آخر أنه من رواية موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن سهيل. وابن أبي حاتم رأى غير ذلك كما رأينا: أن ابن جريج دلس فيه، فحذف إبراهيم بن أبي يحيى، وهو الذي روى الحديث عن سهيل. وهذا الحديث مع هذا له شواهد تصححه، تصححه. بل وله متابعات. وقلنا: الشواهد من صحابي آخر، والمتابعة من نفس الصحابي. فقد تابع موسى بن عقبة في روايته عن سهيل: هشام بن حسان، وإسماعيل بن عياش. ولأجل هذا حسن بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأجل هذه المتابعات. فانظر الآن في هذا المثال بعد هذا البحث، تجد أن الحديث أصله صحيح، وله شواهد. لكن تستفيد من هذا كيفية بحث نقاد الحديث في العلل، وتمييزهم للخطأ، وتتبعهم لذلك. وهنا فائدة أخرى، وهي أن بعض أهل العلم وهم في ذكر العلل في هذا الحديث، كما ذكر صاحب «روضة المحدثين» -وهو كتاب عبارة عن مختصر لأحكام الحافظ ابن حجر- ذكر عن الحاكم رحمه الله أنه روى هذا الحديث، فقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم». ثم علق عليه: «إلا أن البخاري أعله برواية وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه». علق صاحب «روضة المحدثين» بأن هذا وهم؛ لأن كلام البخاري ليس كذلك كما تقدم معنا. فليس في كلام البخاري ولا في السند ذكر لوالد سهيل، فلم يرو سهيل هذا الحديث عن أبيه. وذكر كذلك أنه يرويه عن أبيه عن كعب الأحبار. وليس لكعب الأحبار ذكر في هذا الحديث، ولا في الإسناد. ولكن الصواب كما ذكر الإمام البخاري رحمه الله: أن الحديث روي من طريق ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وليس عن أبيه عن كعب الأحبار. والذي رجحه البخاري أنه من رواية موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن سهيل، عن عون بن عبد الله، كما مر معنا من كلام السيوطي، وقبله الحاكم في «معرفة علوم الحديث». طيب، نقف هذا اليوم عند هذا الحد. والله تعالى أعلم.