كتاب البيع 12

كتاب البيع 12

الدرس في كتاب البيع 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الربا وأحكامه الشرعية

يتناول هذا الفصل تعريف الربا لغة واصطلاحا وتحريمه في الإسلام. يشرح معنى الربا وأنواعه وعاقبته السيئة.

عواقب ومخاطر التعامل بالربا

يتناول هذا الفصل عواقب التعامل بالربا وخطورتها، مشيراً إلى محق المال وورود أحاديث نبوية تشير إلى عاقبته الوخيمة.

تحريم الربا وخطورة تسميته بأسماء أخرى

يُنبه هذا الفصل إلى خطورة الربا وتحصيله حتى وإن سمي بأسماء أخرى، ويوضح كيفية التخلص من المال الربوي.

تحذير من صور معاملات ربوية في التجارة

يُنبه هذا الفصل إلى بعض الصور التجارية التي قد تكون ربوية، ويشير إلى توضيح بعض تلك الصور في موضعها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «باب الربا»، قال: «يحرم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا مثلا بمثل يدا بيد. وفي إلحاق غيرها بها خلاف. فإن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد. ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي، وإن صحبه غيره. ولا بيع الرطب بما كان يابسا إلا لأهل العرايا. ولا بيع اللحم بالحيوان. ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه. ولا يجوز بيع العينة». جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في الكلام على الربا وما يتعلق به من أحكام. فقوله رحمه الله تعالى: «باب الربا»، أي: هذا مدخل لمعرفة أحكام الربا. وقوله: «باب الربا»، أي: هذا كما قلنا مدخل. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي لمعرفة أحكام الربا. والربا لغة: تأتي بمعنى الزيادة. وأما في اصطلاح الشرع: فيأتي على معنيين اثنين: أحدهما ربا الفضل، وثانيهما ربا النسيئة، كما سيأتي إن شاء الله بيانه بعد. والربا دلت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب. والأدلة في هذا كثيرة. ومن هذه الأدلة قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيات في تحريم الربا. وهكذا كذلك آيات أخرى كثيرة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. وليس معنى جواز أكله بغير مضاعفة، ولكن هذا كما يقال: صفة كاشفة، المراد التعليل به. فإن حال آكلي الربا أنهم يأكلونه أضعافا مضاعفة. وقيل: إنها من أوائل ما نزل في تحريم الربا. وعلى كل الأمرين، فهو يدل على تحريم الربا وتشنيع هذا الفعل. ومن شناعته أن الله عز وجل شبه آكله بالمتخبط ممن أصابه المس، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. ومن عاقبته كذلك أن الله عز وجل يمحق أثر هذا المال على صاحبه، حتى إن صاحبه لا يجد هذا المال، وإن كان موجودا بين يديه، يذهب الله عز وجل منفعته وبركته، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. ومعنى يمحق: أن يذهب وجوده ونفعه. كما أن القمر يسمى محاقا في بعض أيام الشهر، وهي في الأيام التي لا يرى فيها، وهو موجود هو موجود في السماء، لكنه لا يرى يسمى محاقا. فكذلك مال صاحب الربا يمحقه الله عز وجل، لا ينتفع به، بل ربما يكون سببا لدخول المضرة عليه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة». إلا كان عاقبة أمره إلى قلة. ولو تأملت حال المتعاملين بالربا تجد أن مآلات أمورهم وأحوالهم في النهاية إلى قلة. كم من صاحب ربا، وربما مالك بنك من البنوك، ينتهي أمره إلى الإفلاس أو الحجر عليه، كما وقع لأناس قديما وحديثا. بعضهم في بعض الدول المجاورة، صاحب بنك من أكبر البنوك، انتهى أمره إلى ماذا؟ إلى الإفلاس والحجر عليه، الإفلاس والحجر عليه، بعد أن كان من أغنى الأغنياء، صار محجورا عليه، ليس فقط لا ينتفع بماله، بل حجر على أملاكه، بل صار محجوزا في بيته، حجز في بيته حتى الخروج ما يستطيع الخروج. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة». وهكذا بعضهم ربما يحجر على أبيه، فيدور الزمان فيحجر عليه. وهذه سنة الله في من تعامل بالربا. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عدّه في السبع الموبقات. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فذكر الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وذكر منها الرابع الربا، وخمسا بأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات. فانظر: جعل أكل الربا من السبع الموبقات. وإن دل ذلك على شيء، دل على عظم هذه الكبيرة. وهكذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام -وما أكثر الأحاديث في هذا الباب- صح في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه. خمسة لعنوا بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الربا: آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه. خمسة لعنوا بهذا. وجاء خارج صحيح مسلم من حديث ابن مسعود بلفظ: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». وهكذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل أن الربا أشد من الزنا، أن الربا أشد من الزنا. فجاء عنه عليه الصلاة والسلام: «أن درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية». درهم ربا يأكله المرء وهو يعلم أشد -يعني عند الله- من ست وثلاثين زنية. هكذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن حنظلة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. بل جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «أن الربا ثلاث وسبعون بابا، وأن أيسر أبواب الربا مثل أن ينكح الرجل أمه» والعياذ بالله. مثل أن ينكح الرجل أمه، والعياذ بالله. ورواه الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. لكن المقصود التذكير بخطورة هذه الكبيرة التي تساهل فيها -وللأسف- الكثير من الناس. يعني لا نقول أن هذا يقع فيه من لا خلاق له، ممن ليس عنده من الإسلام. وللأسف وقع فيه حتى بعض المصلين، بعض أرباب المساجد، بعض من وصف بالخير، صار يتساهل في التعامل بالربا، يتساهل في التعامل بالربا. وربما دفعه إلى ذلك كثرة تهافت الناس وتعاملهم بالربا. وهذا خطر عظيم. بعضهم ربما لا يتجاسر ولا يتردد ولا يستحي أن يأخذ ربحا من هذه البنوك التي تتعامل بالربا، بحجة تسميتها بغير اسمها. مع العلم أن الربا ربا، ولو سمي بغير اسمه، فالحرام حرام. وتسمية الأشياء بغير اسمها لا تخرجها من الحرام إلى الحلال. ربما سموها فوائد بنكية، وربما سموها أرباحا كذلك، ماذا؟ أرباح مضاربة أو غير ذلك، وهو يعلم أنه لا وجود للمضاربة ولا وجود للتجارة، إنما هي أموال توضع ويأخذ عليها أرباحا من خلال ما يتعامل البنك مع بنوك أكبر منها، أو من خلال ما يعطى من ديون لبعض من يتعامل مع هذه البنوك، فتأخذ عليه هذه البنوك تلك الأرباح. وكل هذا ليس به شيء مما يجوز، بل هو من الربا الذي حرمه الله وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا صور أخرى خفية تتعامل بها بعض تلك البنوك، وكله يدخل في هذا المحرم الذي هو كبير من الكبائر، وهو التعامل بالربا. وربما بعضهم كذلك يضع المال بحجة الضرورة والخوف عليه والخوف على نفسه، ويقول: أفتى بعض العلماء بذلك. فالجواب: نعم، أفتى العلماء بجواز وضعه للضرورة، لكن لم يفت العلماء بأنه يجوز لك أن تأكل الربا. أفتوا أنه يجوز للمرء أن يضع ماله في مثل هذه البنوك إذا اضطر إلى ذلك وخاف على نفسه وعلى ماله. فالضرورات تبيح المحظورات، لكن مع ذلك ليس معناه أنك تأكل هذه الأرباح، فإن ذلك لا يجوز، التي هي ربا ويسمونها بأرباح، لا يجوز أن تأكلها، ولا يجوز أن تنتفع منها ولا بدرهم واحد، بل تخلص منها على وجه تبرئ ذمتك فيه، كما قال العلماء: تتخلص منه في أبواب البر، فيما لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس، ولا يكون في أبواب المساجد نحوها مما هو لله، ولا ينتفع به انتفاعا شخصيا. هذه خمسة أبواب وأمور يجتنبها من أراد أن يتخلص من المال الربوي: لا يجعله فيما يؤكل، ولا ما يشرب، ولا ما يلبس، ولا فيما كان لله، ولا ينتفع به انتفاعا شخصيا. خمسة أمور ينبغي أن يجتنبها، فيجعلها في إصلاح بيارة، أو إصلاح طريق، أو كذلك توزيع مطوية، أو غير ذلك. ولا يرجو بذلك ثوابا من المال، ولكن يرجو الثواب بالتخلص من هذا الحرام. يرجو الثواب بالتخلص من هذا الحرام. فإن الله عز وجل أمره أن يتخلص من هذا الحرام لأنه ربا، ولا يجوز له الانتفاع به. وليس هو صدقة كما يظن البعض، بل هو تخلص من الحرام، هو تخلص من الحرام. وهكذا كذلك تسمية بعض الصور بما قد يسمى أنه بيع أو غير ذلك، وهو من معاملات الربا، لا يخرج كون ذلك ربا، كما سيأتي إن شاء الله التنبيه على بعض تلك الصور في موضعه، مثل ما يسمى ببيع المرابحة ونحوه. طيب، نكتفي بهذا وننتقل إلى الكتاب الآخر. نعم.