كتاب الإمارة  12

كتاب الإمارة 12

الدرس في كتاب الإمارة 12، باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مبايعة الصحابة وتحريم الانتحار

شرح معنى مبايعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم على الموت وتحريم الانتحار. بيان أن المبايعة تعني الثبات في القتال وعدم الفرار.

الهجرة ورجوع المهاجر إلى وطنه

تعريف الهجرة وبيان حكم رجوع المهاجر إلى وطنه الأصلي. الهجرة تعني الانتقال من الكفر إلى الإسلام، ورجوع المهاجر محرم إذا عاد إلى الكفر.

مسائل فقهية متعلقة بالهجرة والتعامل مع السلاطين

تناول مسائل فقهية متعلقة بالهجرة وجواز الدخول على السلطان للمصلحة والخروج عن طاعة الأمير في الفتن. شرح التفاصيل الفقهية مستندًا إلى الأحاديث وآثار السلف.

الهروب من الفتن واجتنابها

أهمية الهروب من الفتن وعدم الاستشراف لها. النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالفرار من الفتن في أحاديث كثيرة لضمان النجاة منها.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف، رحمه الله تعالى، في باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة. ومما مر معنا من الأحاديث حديث سلم بن الأكوع، وفيه أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الموت، وعلمنا أن المراد به الحث على القتال والثبات عليه. ومما يناسب ذكره في هذا الباب، وقد انفرد به الإمام مسلم رحمه الله، ما رواه الإمام مسلم، وهو من أفراده، عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا أرفع غصنًا من أغصانها عن رأسه -أي عن النبي عليه الصلاة والسلام- ونحن أربعة عشر مئة. قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعنا أن لا نفر. وهكذا انفرد الإمام مسلم برواية هذا الحديث بهذا اللفظ، نحوه من حديث جابر بن عبد الله، وفيه تفسير لمعنى قول سلم بن الأكوع: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على الموت. فمراده ليس قتل النفس، ولكن مراده الثبات، وأن لا يفر أحد حتى ولو أدى ذلك إلى الموت. فاستدلال بعض دعاتي التكفير في هذا العصر بهذا الحديث -حديث سلم بن الأكوع- على الأعمال الانتحارية استدلال باطل وجاهل، فلم يفسره كذلك أحد من أهل العلم. بل هذه الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، فحديث معقل بن يسار وجابر بن عبد الله فيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعهم على ألا يفروا. فإذا قول سلم بن الأكوع: على الموت، مراده المبالغة في الثبات وعدم الفرار ولو أدى ذلك إلى الموت. وأين هذا من قول أولئك أن فيه دليلًا على قضية قتل النفس والأعمال الانتحارية؟ بل هذا قول باطل، مع عدم تأييده لشيء يسعفه ويؤيده من الأدلة الشرعية. يوجد من الأدلة الشرعية الكثيرة ما يدل على المنع منه وعلى حرمته، فلا يجوز لمسلم أن يقتل نفسه ولو لأجل الجهاد في سبيل الله أو قتال العدو. فكيف إذا كان ليس فيه قتال عدو، بل كحال هؤلاء المفسدين الذين يزعمون أنهم من المجاهدين، وإنما هم من المفسدين، يشوشون على بعض الصغار فيقتلون أنفسهم ويقتلون معهم من يقتلون من المسلمين والمستأمنين والمعاهدين الذين حرم الإسلام دماءهم. فليس كل كافر دمه حلال، بل من الكفار من حرم الإسلام دماءهم، وهم ثلاثة أصناف: المعاهد، والذمي، والمستأمن. لا يجوز أن يقتل هؤلاء، دماءهم وأموالهم وعراضهم حرام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من أربعين أو أربعين خريفًا» رواه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر. وكذا كذلك جاء معناه خارج الصحيح بذكر لفظ الذمي: «من قتل معاهدًا -في غير كنهه- وفي رواية ذميًا لم يجد رائحة الجنة». فلا يجوز قتل هؤلاء الذين حرم الله دماءهم، حتى الحرب إذا دخل إلى بلاد المسلمين بأمان لا يجوز قتله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أمهان». والحديث له قصة في رجل أراد أن يقتل، وهو علي رضي الله عنه أراد أن يقتل رجلًا من المشركين وقد أجارته أمهان، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أمهان». وفي معنى أحاديث كثيرة، مع ما في هذه الأعمال من مفاسد كثيرة تفتح الذرائع للكفار في التسلط على المسلمين. وهكذا كذلك ما يترتب على ذلك من المفاسد الكثيرة، فلا يجوز فعل هذه الأعمال التي هي تناهي الإسلام تمام المنافاة، فضلًا أن يدعى أن هناك من الأدلة ما يدل عليها، بل الأدلة تردها وتبطلها. وأما كون بعض الصحابة كان يرمي نفسه في وسط العدو، ليس هذا بانتحار ولا أعمال انتحارية، بل هو يقدم فيقاتل بما أذن له من الأمير، فيوقع النكاية بالعدو، وقد يرجع إلى قومه سالما، بخلاف من يجعل المتفجرات في وسطه ويقتل نفسه لا محالة، فرق بينهما. ولكن هؤلاء لم ينضبط أصلا بضوابط العلم والشرع، وإنما هي العواطف والتقليد الأعمى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه. قال حديد سلم بن الأكوع: أنه دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع ارتدت على عقبيك تعربت. قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو. أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب التعرب في الفتنة. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث، والباب في سياق ذكره لأحكام الإمارة، فقال: باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه. ومعنى هذا مدخل في معرفة حرمة رجوع المهاجر إلى أن يستوطن في وطنه. والهجرة أنواع، فمن الهجرة الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن الهجرة كذلك هجرة المسلم من البدو إلى الحضر، من موضع الجهل إلى موضع العلم، ومنه من بلاد البدعة إلى بلاد السنة، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة. فهذه الأنواع وغيرها مما هو بمعناها دلة الأدلة. وهذا منها على عدم جواز رجوع المهاجر إلى الأدنى لإسلامه بعد وصوله إلى الأعلى، فرجوع المهاجر من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر محرم، وجاءت فيه أدلة، وسيأتي معنا إن شاء الله. ومنها حديث سعد في الصحيحين: لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. وهكذا كذلك من بلاد الحضر والعلم إلى بلاد البادية والجهل، وقد اختلف أهل العلم هل هذا حكمه الحرمة أو الكراهة؟ والصحيح فيه التفصيل، فإن كان رجوعه إلى البدو يفضي به إلى الوقوع في الحرام والجهل بالدين فلا يجوز له الرجوع، وإن كان الرجوع فيه السلام له في الدين -كأوقات الفتن- فيجوز له الرجوع. ولهذا بوّب الإمام البخاري لهذا الحديث بابًا في كتاب الفتن، باب التعرب في الفتنة -يعني الرجوع إلى الأعراب في وقت الفتنة- وذكر هذا الحديث بإسناده، فقال: حدثنا قتيبة بن السعيد قال: حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة، فذكر الحديث بلفظه. وذكر معه بعده حديث بسعيد الخدري رضي الله عنه: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». معناه التعرب في الفتنة، فهذا جائز بل مستحب، يستحب للمسلم أن يفر من الفتن في وقت الفتن ولو ذهب إلى البدو وإلى الأعراب. ما أنه في غير وقت الفتنة يستحب له أن يذهب إلى الحضر حيث العلم وإقامة شعائر الإسلام من الجمع والجماعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما فيه قوة الدين. وهذا التفصيل هو الذي يدل عليه هذا الحديث. ففي الحديث المسألة الأولى: تحريم رجوع المهاجر إلى وطنه، لأنه إذا ذكر في البدو فالهجرة إلى بلاد الكفر من باب أولى أنها لا تجوز. ولهذا بويب له في صحيح مسلم بهذا التبويب: باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه. وعلى قاعدة المؤلف أن التبويب على ما بويب به على أحاديث مسلم، وفيه كذلك ما تقدم من التفصيل في رجوع المسلم إلى البادية بعد خروجه منها إلى الحضر حيث العلم. وفيه كذلك -وهذا من التفصيل- جواز الرجوع إلى البدو والتعرب في وقت الفتن. وعلى هذا يحمل معنى حديث سلم بن الأكوع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له -يعني عند الفتن- وفي زمن الحجاج كانت فتن، ومنها ما تقدم زمن الحرة حيث وقعت فتنة عظيمة ومقتلة كبيرة. ومن اعتزل الفتنة سلم منها، ومن استشرف لها أهلكته الفتنة. وفي قول الحجاج: يا ابن الأكوع ارتدت على عقبيك تعربت، فيه دليل على اتفاقهم على عدم جواز التعرب بعد الهجرة، وفيه أحاديث كثيرة. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: جواز الدخول على السلطان للمصلحة، فسلم بن الأكوع دخل على الحجاج مع ما لا يخفى من ظلم الحجاج، ولكن لا شك أنه دخل لمصلحة، فيجوز الدخول على السلطان إذا كان في ذلك مصلحة ولم يكن فيه مفسدة على الداخل، كان ينصح أو يؤدي حق أو غير ذلك. وأما إذا كان فيه مفسدة على الداخل فلا يجوز، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، وتدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. فإذا خاف على دينه أو خاف على نفسه فيجوز له أن لا يدخل على السلطان، بل يجب أن يجتنب الدخول على السلطان. وبهذا تجتمع الأدلة والآثار المروية في هذا الباب في مشروعية الدخول والتحذير من الدخول. فمن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر -يعني تنصحه وتؤدي له النصيحة فيما بينك وبينه ولا تبده على نية- وهكذا كذلك من أعظم أبواب الفتن الدخول على السلاطين، لما في ذلك من فتنة الدنيا وضعف القلب وقسوته وسماع الباطل وعدم الإنكار عليه وغير ذلك. فالقلوب ضعيفة والشهوات خطافة. وهكذا كذلك فيه مما يناسب ذكره في كتاب الإمارة: جواز الخروج عن طاعة الأمير في وقت الفتن -يعني فيما يكون فيه معصية لله- ربما يطمع الأمير أن يستكثر ببعض الناس أن يكون معه ولو معنويًا ليس حسيًا. يريد بعض الناس يجعلهم واجهة مثل أهل العلم وأهل الفضل، وما أكثر ما يكذب على أهل العلم في وقت الفتن، فتجد الأمراء والصلاقين إذا تنازعوا كل منهم ينسب أهل العلم إليه ويحاول أن يخرج من أهل العلم الفتاوى والتأييدات ولو من بعيد، ولو من بعيد ربما حتى بحضور مجالس أهل العلم، فيقال: فلان قد حضر مجلس الشيخ فلان ولم ينكر عليه ولم يحصل شيء، فدل أنه على طريقته وأنه موافق له، وغير ذلك كثير. فكيف إذا طلب منه أو كان يظن أنه يطلب منه ما ينافي الدين؟ فهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهنا كذلك يشرع فرارًا من الفتن أن يبتعد المسلم من أسباب الفتن، فإن كانت الفتنة في مدينة انتقل إلى غيرها، أو كانت في بلدة خرج إلى أخرى، أو كانت في الحضر خرج إلى البدو والتعرب وغير ذلك مما فيه معنى اجتناب الفتن. وهذا كذلك من فوائد الحديث: فيه الأمر بالهروب من الفتن وعدم الاستشراف لها، فالخمول في الفتن من أسباب النجاة منها، بل من استطاع أن يفر منها فليفر كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك في أحاديث كثيرة.